.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ميشال أونفري، الفيلسوف الفرنسي الذي وضع أكثر من مئة كتاب وتَلقى كتاباته حالياً الإقبال الأكبر على قراءتها وترجمتها بين الكتب الفلسفية في العالم، يُدلي برأيه حول هذه الأزمة الصحية العالمية. ويجيب في هذه المقابلة عن أسئلة "النهار" من مكان إقامته في النورماندي حيث يمضي فترة الحجر المنزلي بعدما زار لبنان في شباط الماضي لإلقاء سلسلة من المحاضرات وإعداد فيلم وثائقي عن لبنان. في ما يأتي يعرض أونفري رؤيته الفلسفية بشأن الحجر المنزلي، والأزمة الصحية وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.
كيف تمضون فترة الحجر المنزلي؟
عملُ الفيلسوف هو قبل أي شيء نشاط لا يتطلب تنقلاً، ويفترض الانفراد والعزلة. أكتب وأقرأ وأعمل. أواكب يوميات هذه الجائحة لأنها تكشف، بالمعنى الدقيق للكلمة، عن الحالة التي آلت إليها حضارتنا، بوجود رئيس دولة تنقصه الكفاءة؛ وناطق باسم الحكومة يُقرّ بأنه لجأ إلى الكذب لحماية رئيس الدولة ويذهب بعيداً في حمايته لهذا الأخير؛ وحكومة في وضع يرثى له؛ ووزيرة صحة مستقيلة كذبت أيضاً بشأن خطورة الوباء قبل أن تؤكّد أنها قالت الحقيقة لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء؛ وتضارب مصالح بين السيدة بوزين [وزيرة الصحة المستقيلة] وزوجها الخاضعَين للمختبرات، إذاً لسلطة المال؛ وبوجود البروفسور الفرنسي ديدييه راوولت الرائد عالمياً في طب الأمراض المعدية؛ وكذلك على ضوء التصريحات المتناقضة التي تُظهر أن إيمانويل ماكرون ليس قائداً، وأنه لا يُجيد الحسم واتخاذ القرارات واستباق الأمور، وأنه ليس في الواقع سوى مجرد رجل من القش في الدولة القائمة على معاهدة ماستريخت. لقد رأى الجميع انهيار أوروبا كما تصوّرتها معاهدة ماستريخت، ومعها بلغت الليبرالية القعر: ها نحن نعيد اكتشاف فضائل الحدود، وتدخّل الدولة، والحاجة إلى الخدمات العامة، وفضائل التأميم. وكأن كولبير [جان باتيست كولبير الذي كان وزيراً للمال في عهد لويس الرابع عشر] ينتقم لنفسه!
الحجر يُلزم الأشخاص، بطريقة من الطرق، بالعودة إلى ذواتهم. هل يمكن أن تكون له فضائل؟
نعم لدى أصحاب الفضائل، إنما ليس لدى ذوي المساوئ. الحجر هو تماماً بمثابة القفص حيث توجد حيوانات تدور في حلقات في حين أنها بحاجة إلى فسحة... هذا الوضع يُجبر الإنسان على الوقوف وجهاً لوجه أمام ذاته، وكذلك أمام شريكه وأولاده، وربما أيضاً أولاد أحد الشريكَين. في الأزمنة العادية، يمكن تحمّل المعاناة بصبر: يجب التماسك خلال وجبة طعام أو عطلة نهاية أسبوع أو نزهة بعد العمل. ثمة متنفّسات متاحة إذاً، ومع ذلك، يتبيّن أنه نادراً ما يكون ذلك كافياً لتجنّب الخلاف. ولكن في الحجر، لا مجال لأخذ استراحة، ليس ثمة متنفّس: يتواجد الأشخاص معاً على مدار الساعة، أسبوعاً تلو الآخر، لمدة شهر على الأقل. يملك الأثرياء شققاً كبيرة ونيّرة في الأحياء الجميلة، ويمكنهم أيضاً مغادرتها والتوجّه إلى منازل ريفية في النورماندي وإقليم الباسك وجزيرة ري... يخضع الحجر لقانون الصراع الطبقي: هذه المحنة أشد قسوة على وضيعي الحال منها على الأثرياء.
كيف تحللون جائحة فيروس كورونا؟ هل ستؤدّي إلى التسريع في انهيار الحضارة الغربية؟
أهتم بمصائر الحضارات، وبما أن حضارتنا تنهار، من المهم إجراء مقارنة مع سقوط الحضارات الكبرى، أي الحضارات الآشورية والسومرية والبابلية، وحضارات ستونهنج والأقصر وأثينا وروما... إذا قمنا بدراسة المعارف التاريخية أي ما يُسمّى إبيستمولوجيا التاريخ، نلمس جيداً أن الأسباب التي تُقدَّم لتحليل انهيار الحضارات هي عبارة في معظم الأحيان عن توقعات شخصية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة تفسيرات بيئية، من خلال ربط انهيار الحضارات بفترات شهدت احتراراً أو برودة مناخية، أو تدميراً للغابات والأحراج على نطاق واسع، أو أخطاء زراعية، إنما يُربَط انهيار الحضارات أيضاً بالمجاعات والأوبئة. يُقال إن الطاعون الأنطوني أدّى، في نهاية القرن الثاني، دوراً في سقوط روما.
لا يمكن أن يُعزى انهيار الحضارة إلى سبب أوحد، ولكن صحيح أن الوباء الذي يتسبب به فيروس كورونا سيؤدّي إلى انهيار الاقتصاد، ولستُ أدري كيف سيتعامل الغرب مع الأمر!
في أواخر كانون الثاني 2020، تحدثتم عن خطورة الوضع الذي قلّلت فرنسا من أهميته؟ كيف تفسّرون تأخّر السلطات الفرنسية في التحرك لمواجهة هذه الأزمة الصحية؟ لماذا لم تقدّر السلطات الفرنسية جيداً حجم الخطر؟ علماً بأن العديد من العلماء، ومنهم البروفسور راوولت، أطلقوا تحذيرات بهذا الخصوص منذ سنوات عدة...
قلتُ عبر إحدى المحطات التلفزيونية، في 28 كانون الثاني، إنه يكفي أن يتحلّى المرء بالمنطق السليم كي يرفض التصاريح المتزلّفة التي يدلي بها عدد من الأطباء الذين اكتسبوا شهرة من خلال إطلالاتهم الإعلامية، وعلى رأسهم ميشال سيم...، والذين قللوا من شأن ما يجري وتحدّثوا عن رشح عادي. لا حاجة إلى الحصول على معلومات سرّية، وإلى أن يكون الشخص مقربّاً من الأجهزة الاستخبارية، أو قادراً على الوصول إلى مستندات دفاعية سرية كي يستنتج أمراً بسيطاً: لن تكترث الصين، التي هي دولة ديكتاتورية، لوفاة عشرات أو مئات الآلاف من سكّانها، فهذا الرقم ليس بشيء بالنسبة إليها، لا سيما وأن باقي العالم لن يدري بتاتاً بالأمر. لذلك، بما أن الحكومة الصينية قررت فرض عزل تام ومشدد لمدينةٍ تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة، فهذا يعني أن الخطر ليس داخلياً، بل يطال ملعبها الاقتصادي، أي الكرة الأرضية بأسرها! يكفي فقط أن يشغّل المرء ذكاءه العادي في التعامل مع هذه المعلومة البسيطة ليتوصل إلى استنتاج بديهي: لم يكن رشحاً عادياً...
كشفت أزمة فيروس كورونا النقاب عن شوائب المنظومة الصحية الفرنسية التي كنا نعتقد أنها من الأفضل في العالم، وكذلك اعتمادنا الشديد على الصين. كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟
في فرنسا، نفّذ العاملون في القطاع الصحي إضراباً قبل وصول فيروس كورونا. لقد أرادوا أن يلفتوا انتباه السلطات إلى واقع أن المنظومة الصحية الفرنسية لم تعد الأفضل في العالم، وذلك منذ وقت طويل... فمنذ أن أصبحت السوق تتحكّم بمسار الأمور في هذا المجال، تحوّلت الصحة إلى بيزنس. الرئيس ميتران هو مَن افتتح هذه النزعة في عام 1983، ثم تبعه الرؤساء الذين جاؤوا بعده والذين أقدموا جميعهم دون استثناء على تدمير المنظومة الصحية. هذا ما حذّر منه الأشخاص الذين يحاربون الليبرالية حيث تفرض السوق قوانينها، وأنا منهم: فالسوق لا يمكن أن تفرض قوانينها في المستشفى والمدرسة والجيش والشرطة والقضاء والثقافة...