ماذا لو مكثنا في البيوت وعطّلنا الاقتصاد والحياة السياسية؟

19 آذار 2020 | 10:36

تعبيرية (ا ف ب)

لا بد من تسميتها صدمة كورونا الوجودية. فقد بدأَ التأمل والتفكر والتعليق حول الظاهرة التي يمثلها فيروس كورونا حول العالم، وقد شملت المجالات كافة، الفلسفية والدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والبيئية. المراجعة الفكرية هذه مرشحة للاستمرار الى فترة غير قصيرة.

طالت التساؤلات القيم والاولويات الحياتية والصحة والموت والكائنات الحية وعلاقتها بعضها ببعض، والبيئة والطبيعة والعولمة والنظام الرأسمالي والنيوليبيرالية والعدالة الاجتماعية وغيرها.

نشرتُ مقالا في "النهار" منذ فترة قصيرة بعنوان "كورونا اذ يضعنا وجها لوجه امام عزلة الانسان الوجودية"، تناولت فيه اشكال مواجهة الانسان احساسه بالوحدة والعزلة، واهمها المحبة.

أريد في هذا المقال ابراز احد اوجه الصدمة الوجودية التي يمثلها كورونا، وهو التلاقي العنيف بين الخوف الشديد من الآخر والحاجة القصوى اليه.

هذا التلاقي ليس جديدا على الحياة البشرية الا من حيث حدته وعنفه. فهو موجود في الثنائي (الكوبل) وفي العائلة وفي المؤسسة الاقتصادية وفي الاحزاب وفي غيرها من الاطر المحلية وغير المحلية.

يفترض هذا النص انعكاسا حادا لهذا التلاقي الذي احدثه كورونا على مشاعر المحبة والكراهية بين البشر. في هذا المعنى ارى في ظاهرة كورونا صدمة وجودية عنيفة على المستوى العالمي.

السؤال الاهم لي، هو مآل هذا الصراع التاريخي بين المحبة والكراهية في قلوب البشر، بعد كورونا. لا بد لكورونا من ان يلفت انتباهنا الى ان مشاعر المحبة والكراهية قابلة للعدوى هي أيضا. فالعدوى ظاهرة بشرية، كما انها ايضا ظاهرة بين الكائنات الحية جميعها. وهي ليست ظاهرة صحية فحسب، من مثل انتقال الامراض والاوبئة. يل هي ايضا اجتماعية نفسية، وهذا ما تتفق عليه العلوم النفسية والاجتماعية. كعدوى الجبن او الشجاعة، الخوف او الطمأنينة، الاستسلام او المقاومة، الانكفاء او الاقدام، الحزن او السعادة، وغيرها من المواقف والسلوكيات والمشاعر الانسانية، التي تنتقل كالعدوى بين البشر.

ليس المجال متاحا في هذا النص للتطرق الى ميكانيسمات العدوى. اكتفي بالقول انها تتم عبر آليات من مثل التأثير والتواصل والتنشئة والاستدخال وغيرها.

بالنسبة لعدوى الحب او الكراهية، هناك اقوال مناقضة لصحة هذا النوع من العدوى، من مثل إن اكرمت اللئيم تمرد، او "عمول منيح وكبّ بالبحر"، واقوال أخرى مماثلة.

لكن الكثير من التجارب العلمية والعملية قد اثبتت ان الحب يولّد الحب، والكراهية تولد الكراهية، رغم بعض التجارب المعاكسة، التي اختبرها كل شخص منا.

تخيلوا اننا بعد صدمة كورونا الوجودية، لن نعطي المحبة والكراهية اهمية قصوى فحسب، بل سنتعامل معها بجدية كمشاعر قابلة للعدوى.

تخيلوا ان الدول سترصد جزءا كبيرا من موازناتها للبحث في كيفية انتشار المحبة وانكفاء الكراهية.

لا. لن يؤثر ذلك على موازنة الابحاث حول الصحة والاوبئة، فستتقلص الحاجة الى ضخامة هذه الموازنات مع انتشار المحبة وانكفاء الكراهية. فمن ناحية، ستضعف احتمالات المرض، ومن ناحية ثانية ستقوى مناعة الانسان وقدرته على المواجهة.

لن يكون هذا تلقائيا بالطبع رغم صدمة كورونا. فالمتحكمون بمصائر البشر، على المستوى الوطني او الدولي، سيمانعون. حتى ان العمل الجدي لايجاد علاج او لقاح لكورونا، لن يبدأ الا بعد ان تتأذى فعليا الرأسمالية العالمية. الا نرى مثلا كيف تُترك افريقيا عرضة للملاريا او لإيبولا من دون جهد دولي فعلي للقضاء عليهما؟

في بدايات الرأسمالية اعتقد البعض بإمكان التصدي لها او تجاوزها عبر ما سمّي "الاضراب العام"، الذي بقي حلما.

تحاول شبكات "العولمة البديلة" اليوم عبر العالم، إعطاء وجه انساني لهذه العولمة التي تزيد الفقر والحروب والأذى البيئي، وتهمش الجزء الاكبر من البشرية. لكن نتيجة النضال لا تزال جد متواضعة.

لكن، ماذا لو تعلمنا من طريقة مواجهة كورونا؟ ماذا لو مكثنا في بيوتنا وعطّلنا الاقتصاد والحياة السياسية، حتى اتخاذ قرارات جدية حول العالم من اجل انتشار المحبة وإنكفاء الكراهية؟

في بدايات الرأسمالية، طغى الصراع بينها وبين الاشتراكية.

مع سقوط الانظمة الاشتراكية وانتصار الرأسمالية بنموذجها النيوليبيرالي الحالي، بدأنا نسمع عن صراع محاور، من مثل "شرق وغرب"، "قوى الخير وقوى الشر"، "محور المقاومة ومحور الشيطانين الاكبر والاصغر"، وغير ذلك.

ماذا لو افتتح كورونا بداية الصراع بين انصار المحبة وانصار الكراهية، على المستوى الوطني والعالمي؟

هل يخرق هذا الصراع الاصطفافات الوطنية والطبقية والدينية والمذهبية والجندرية، لأن فيروس كورونا احدث صدمة وجودية في اعماق كل فرد من افراد البشرية بغض النظر عن انتماءاته؟

لا. لن يؤدي ذلك الى اهمال مواجهة الرأسمالية او اي شكل من اشكال استغلال البشر والتمييز بينهم على اساس وطني او اتني او ديني او مذهبي او جندري. فجميع هذه الاشكال لا تستطيع ان تتعايش مع انتشار المحبة وإنكفاء الكراهية.

لا بديل من الطوباوية، عندما تكون في منزلك معزولا عن الواقع الخارجي. الا اذا كانت هذه الطوباوية تراود الكثير من البشر المعزولين في منازلهم، فعندها قد تتحول الى مشروع عملي.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard