اللبناني في مواجهة كورونا... بين الهلع والاستهتار

10 آذار 2020 | 11:30

المصدر: "النهار"

تحولت عطلة المدارس بسبب كورونا الى عطلة سياحية في لبنان.

أتى قرار وزير التربية بإقفال المدارس في هذه المرحلة كخطوة احترازية لتجنب انتشار فيروس كورونا بشكل واسع، خصوصاً أن الأطفال يمكن أن يصابوا بالفيروس من دون أن تظهر عليهم أعراض واضحة فينقلون العدوى إلى آخرين من دون أن تظهر آثار الإصابة واضحة عليهم أيضاً، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية في انتشار المرض بشكل أوسع في البلاد.

وأتت هذه الخطوة أيضاً باعتبار أن التجمعات الكبرى للأطفال تكون في المدارس حيث يكون المجال مفتوحاً لانتشار أوسع للفيروس. لكن رغم قرار إقفال المدارس لمدة اسبوع، الذي مُدِّد أسبوعاً آخر، يبدو  أن اللبنانيين الذين أصابتهم حالة من الهلع، يتهاونون إلى حد كبير، مهملين الإجراءات الوقائية المطلوبة منهم في هذه المرحلة الدقيقة.

حالات عديدة

خلال فترة إقفال المدراس التي استدعتها الظروف نتيجة ظهور حالات عديدة من فيروس كورونا في البلاد، دعت وزارة الصحة العامة المواطنين والأهالي بشكل خاص إلى تجنب التجمعات والأنشطة التي يجتمع فيها الأولاد أو الناس عامةً بأعداد كبيرة.

انعدام المسؤولية

يبدور واضحاً أن الغالبية لم تلتزم بهذه التعليمات والإجراءات الوقائية، بالرغم من حالة الهلع في البلاد المتمثلة بردود الفعل وتصرفات الناس حين هرعوا لشراء الكمامات بأعداد مبالغ فيها.

وكأن هذه العطلة القسرية أتت تثبت أن استمتاع اللبناني بالحياة يتخطى كافة الظروف مهما كانت صعوبتها، فلم يستطع حتى فيروس كورونا من الوقوف عائقاً في وجهه. لكن هل يعكس ذلك حبَّ الحياة الذي يتصف به اللبناني، أم أنه في الواقع أشبه بانعدام المسؤولية كما تُظهر المعطيات؟ وهل الوضع الحالي يسمح بهذا التهاون، أم يُطلب من كل فرد في المجتمع تحمّل المسؤوليات التي تتطلب الالتزام بإجراءات الوقاية المطلوبة من الجهات المختصة؟

التعليمات

صحيح أن البعض التزم خلال العطلة بالتعليمات والتدابير المطلوب اتخاذها لشدة الخوف من فيروس كورونا الذي سيطر على مختلف جوانب الحياة، ففضّل التقيّد بالنصائح والحدّ من الأنشطة التي يمكن القيام بها ضمن مجموعات. ففي الأيام الأولى لم تتقيّد السيدة كريستال رزق بالتعليمات في ما يتعلق بأنشطة طفلها، فلم تتردد في الخروج واصطحابه إلى صالات اللعب والمطاعم لتمضية أوقات ممتعة. لكن، مع تزايد عدد الحالات وبشكل خاص مع ظهور حالة في جبيل حيث محل إقامتها، وتحديداً في مستشفى سيدة المعونات، زاد الخوف من أن ينتشر الفيروس بشكل أوسع في المنطقة، ولم يعد من الممكن الاستهانة بالموضوع والاستخفاف به.

التوجه إلى السوبرماركت

"من ذلك اليوم الذي ظهرت فيه الحالة صرنا نفضّل عدم الخروج كثيراً، ونتجنب تناول الطعام في المطاعم. وصرت أخاف أكثر على طفلي من أن يلتقط الفيروس، فلا نقصد أماكن اللعب التي قد تكون ملوّثة مهما تم التأكيد بأنها معقمة وتخضع إلى معايير النظافة والسلامة المطلوبة. قبل اليوم الذي أُعلن فيه عن وجود حالة في سيدة المعونات توجهنا أيضاً إلى السوبرماركت وإلى مختلف الأماكن من دون خوف أو قلق. لكن منذ ذاك الحين تبدلت الأمور، واليوم إذا أردت التوجه إلى السوبرماركت أفضل ترك طفلي في المنزل لأنه مهما حرصنا على التقيّد بمعايير النظافة وبضرورة غسل اليدين، نعلم جيداً بأنه لن يتقيّد بها لأنه لا يزال صغيراً ولا يدرك أهميتها".

وليست رزق وحدها من اللواتي تخوّفن من انتشار فيروس كورونا وتزايد حالاته في لبنان، بل تغلّبت حالة الخوف والهلع على كثيرات حرصن على التشدد مع أطفالهن ولازمن المنزل معهم في معظم الأوقات. فالسيدة بياريت سيف أيضاً من اللواتي التزمن بالتعليمات ففضلت تجنب الخروج مع أطفالها الأربعة إلى الأماكن العامة خوفاً من الفيروس. فتؤكد أنها منذ الأسبوع الماضي عندما بدأ الحديث عن فيروس كورونا في لبنان تفضل عدم التوجه إلى أماكن اللعب التي قد تكون ملوّثة لأنها قد لا تكون معقمة: "نفضل المكوث في المنزل أو آخذ أطفالي في نزهة في السيارة. كما أني اصطحبتهم مرة إلى السوبرماركت لكني نبهتهم بوضع أيديهم في جيوبهم وبعدم لمس أية أغراض، وبتنظيف أيديهم مراراً وتكراراً بالسائل المعقم الذي يحفظونه معهم. كذلك أشدد على ألا يلمسوا الأزرار في المصعد لأنها قد تكون ملوثة". أيضاً وأيضاً بالنسبة إلى الأكل من خارج المنزل، فهي تفضل عدم تناول الطعام خارج المنزل، لكن لا تنكر أنه أحياناً قد تضطر فيها إلى طلب الطعام من الخارج، فتحرص على إحضاره بنفسها بالسيارة، فلا يتناولون الطعام أبداً في المطعم، فيما تؤكد أن كثراً من أصدقائها يلتزمون بهذه الإجراءات وإن كان البعض يتابع حياته بشكل طبيعي من دون تأثر بالفيروس.

موسم التزلج

ولعلّ وسائل التواصل الاجتماعي تشهد على أنشطة المواطنين خلال فترة إقفال المدارس التي اعتبرها كثر عطلة شتوية مواتية يمكن الاستفادة منها في ظل الطقس الرائع خلال الأيام الماضية للاستمتاع بإحدى الهوايات المفضلة، فشهدت مراكز التزلج في لبنان خلال الأيام الماضية على ذلك، حيث هرعت العائلات اللبنانية لتستفيد من قرار إقفال المدارس وممارسة هواية التزلج والاستمتاع على الثلج مهملةً كافة التعليمات الوقائية. واللافت كمّ الاتهامات التي توجه بها الأهالي إلى وزارة التربية لعدم الإعلان عن إقفال المدراس في ظل انتشار فيروس كورونا الذي يهدد المواطنين.

فبدلاً من التقيّد بتعليماتها التي شددت على تجنب الاختلاط بمجموعات كبيرة من الناس، قرروا متابعة حياتهم بشكل طبيعي والاستفادة من العطلة. تشير السيدة جوزيان كفوري إلى أن أطفالها يمضون عطلتهم في ممارسة هواية التزلج مستفيدين من الطقس الجميل، خصوصاً أن موسم التزلج شارف على نهايته.

في المقابل، تميل في حرصها على الوقاية من الفيروس في تجنب أخذ الاطفال إلى المراكز التجارية الكبرى المغلقة حيث يزيد احتمال التقاط الفيروس. كذلك بالنسبة إلى صالات اللعب المغلقة التي يمكن أن تكون ملوثة فتتجنبها بشكل تام. إنما يبقى التزلج بالنسبة لها مجالاً للاستمتاع والاستفادة من هذا الطقس الجميل فيما لا يرتفع خطر الإصابة بالفيروس فيها، بحسب قولها، بخاصة أن الأطفال يرتدون ملابس التزلج ويضعون القفازات. "رغم كل شيء وكل ما يحكى عن كورونا، فأنا لست من الأشخاص المصابين بحالة هلع منه، ونتابع حياتنا بشكل طبيعي. حتى أني أعتبر أنه في حال تعقيم المدارس لا مشكلة في إعادة فتحها وما من داعٍ لإقفالها من الآن".

في مقابل البعض الذين يشعرون بالخوف من الفيروس، تخطى كثر هذه المشاعر التي سادت ربما في الأيام الأولى في لبنان. تؤكد السيدة جينا معربس أنها قلقت وعائلتها في الأيام الأولى من انتشار فيروس كورونا لكنها سرعان ما تخطت مشاعر الخوف في مرحلة لاحقة رغم إقفال المدارس. "في ما يتعلّق بالكمامات التزمنا بوضعها في الأيام الاولى لكن سرعان ما عرفنا أنها لا تحمي تماماً وقد لا تكون ضرورية إلا للشخص المريض. في المقابل بدا لنا واضحاً أن مخاوفنا زادت بشكل أساسي في الأيام الأولى نتيجة حالة الهلع بين الناس وتركيز وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي على فيروس كورونا. لكننا شعرنا لاحقاً أنه لا داعي للتخوف إلى هذا الحد بغض النظر عما إذا أقفلت المدراس أو لا. حتى إن ولديّ يتابعان الأنشطة اللا صفّية بشكل طبيعي ونكتفي بالالتزام بتعليمات غسل اليدين عند الحاجة لا أكثر".

يبدو واضحاً أن ثمة إجماعاً بين المواطنين على أهمية الحدّ من التوجه إلى المراكز التجارية المغلقة حيث قد يزيد احتمال التقاط الفيروس في حال وجوده، أما خارج هذه الأماكن فيعتبر كثر أن الخطر يكون أقل ويمكن التوجه إلى الاماكن المفتوحة بشكل طبيعي خصوصاً أن الفيروس لم ينتشر في مختلف أنحاء البلاد بكثافة. سواء كان المواطنون محقين أو لا في ذلك، يُطرح السؤال هنا حول جدوى الاستمرار عندها في إقفال المدارس إذا كان الأطفال كلّهم يتجمعون في هذه الفترة في أماكن أخرى غير آبهين بالفيروس وبأية تعليمات.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard