"الزامبو" أو "اللعوبة"... الميناء تتحوّل إلى "ريو" عند عتبة الصوم الكبير (فيديو)

3 آذار 2020 | 15:33

المصدر: طرابلس- "النهار"

الميناء تتحوّل إلى "ريو" (إسبر ملحم).

اصطبغت مياه البحر في ميناء طرابلس بكوكتيل من ألوان تسرّبت من أجساد "الزامبيين" بعدما غطسوا فيها غير مكترثين بالبرد، مختتمين طقوس كرنفالهم السنوي "الزامبو" أو "اللعوبة" كما يسميه الجيل العتيق. هذا التقليد تنفرد به الميناء في يوم الأحد المبشّر ببدء الصّوم الكبير لدى الطوائف المسيحية الشرقية المتأصلة في التكوين الاجتماعي في الميناء التي حولها "الزامبو" إلى شارع مستعار من ريو البرازيلية.

ففي صبيحة الأحد الماضي، شقّ النّور طريقه الى عينيّ هذه المدينة الساحلية العريقة مع موسيقى صاخبة بدأت تصدح منذ السابعة والنصف صباحًا في شارع "الخراب" من مكبّرات صوت أتى بها شباب الحيّ. جولة تحمية افتتحها الشّباب، يحمل الكثيرون منهم علب مشروبات طاقة يتجرّعونها وهم يتمايلون، فيما ينتظرون السيد "بشارة الحسن" الّذي تطوّع لتنظيم هذا الكرنفال في مدينته منذ 35 عامًا.


منذ سنوات، اعتاد الأهالي ملاقاة بشارة مع مجموعته في زاروب سينما "راديو" حيث تتعرّى صدور الشبان وتبدأ عملية طلاء الأجساد بالأحمر والأسود والأبيض والذهبي... ويكتمل التنكّر بشعرمستعار ملوّن أو أشعث وقبعات يعتمرها الرجال والنّساء، وأقراط طويلة تتدلى من الآذان، وعصوات ينتهي طرفها الأعلى بشوكة أو بشعارات بدائية. أما تحت تنانيرالقش والنايلون البرّاق، فيرتدي الشّباب سراويل السّباحة، لأن في نهاية هذا الكرنفال الّذي استمر حتى الثانية والنصف من بعد الظهر، سيرمون بأنفسهم في البحر قبالة تمثال "الإعصار" للفنان ماريو سابا، في رمزية متعلقة بتطهير الجسم والروح قبل الصيام، ورمزية عمادة السيد المسيح.

(إسبر ملحم).

(إسبر ملحم).

روايات عديدة حول "الزامبو" أو "اللعوبة"

بداية، ينوّه لـ"النهار" أب في الكنيسة الأرثوذوكسية فضّل عدم ذكر اسمه بأنّ هذا التّقليد لم تأتِ به الكنيسة ولم توص به المسيحية، مستدركاً: "الزامبو مرتبط بالتاريخ الحضاري للميناء التي بقيت على مر كل الحقبات مدينة نموذجية للتعايش بين كل الديانات". ويشير إلى أنّ هذه العادة لم تعد مقتصرة على فكرة الصيام "كما لاحظتم لا نستطيع التمييز بين المشاركين في هذا الاحتفال أكان أحدهم مسلمًا أم مسيحيًا".

وحسب الروايات المحلية، تتعدد أصول كرنفال "الزامبو". لكن الروايات إن تعددت، فجميعها يتفق على تأثير التلاقح الطويل الذي كرسه التناوب الحضاري على هذه المدينة. فالتفسير السائد ينسب هذه العادة الى الانتداب الفرنسي الذي تضمنت وحدته فرقة جنود سنغاليين كانوا يقيمونه قبل أسبوع من الصوم، جائلين في أزقة الميناء وهم يرقصون هاتفين "زامبو.. زامبو".

أمّا السيد بشارة الحسن فيقول "إنّه تقليد وفد إلى الميناء من مدينة ريو البرازيلية"، الأمر الّذي يميل الى تأكيده - بدون دلائل حاسمة - السيد غابي سرور، أحد مثقفي الميناء المخضرمين "لا يوجد وثيقة تتحدث عن أصل هذه العادة، لكن يقال إن مغتربًا عاد من البرازيل وأشاع في الميناء هذا الكرنفال".

ولكن المشارك جوزف باهي وهو من منظمي الزامبو، يسترجع كيف كان أجداده يربطون "الزامبو" بالوثنيين الّذين كانوا متواجدين في الميناء أول انتشار المسيحية "كانت الجولة التنكرية هذه بمثابة رسالة مشفّرة ينقلها المسيحيون الى بعضهم ليعلنوا أن الصيام بدأ، فيبدأونه بسريّة خوفًا من مقتلهم على أيدي الوثنيين".

(إسبر ملحم).

(إسبر ملحم).

مناسبة للسياحة الداخلية

بقيت الميناء محتفظة بحصريّة هذا الكرنفال في لبنان وفي المنطقة، فشكّلت نقطة جذب للبنانيين من باقي المناطق، يقصدون المدينة في كلّ سنة ليشاركوا في المهرجان ويتمتعوا بالسياحة الداخلية.

على سبيل المثال، ناجي سلطانِم من بيروت يقصد مدينة الميناء مع زوجته ليشاركا في هذه الفعالية "أتينا من الأشرفية. صارت عادة لنا في كلّ سنة أن نأتي الى الميناء فنمضي ليلتنا في أوتيل محلي وننضم منذ الصباح الى الكرنفال".

أما الطفل إميل عوض (6 سنوات) الذي اكتسى جسمه بطلاء ذهبي، فقد انضمّ مع أهله من حلبا (عكار) الى الميناء ليشارك في الزامبو مع رفاق المدرسة.

ويشير المنظّمون لـ"النّهار" بأنّ هذا المهرجان يتخذ طابعًا سياحيًا يتبلور بزخم أكبر في كلّ سنة، ولتعزيز هذا الجانب كان أوتيل “Via Mina” المساهم الأبرز لتمويل نشاط هذه السّنة.

واللافت أيضًا في نسخة هذه السّنة أنّ هتافات الزامبيين اخترقت عبارة "كورونا.. كورونا" الّذي يهجس به العالم ويحاول حجره في المستشفيات. لا يخيفهم التزاحم ولا يستخدمون الكمامات. أهالي الميناء يستجيبون لأزمة "الكورونا" بهاماتهم الراقصة والملونة على وقع طبول "الزامبو" والضحكات العالية.

(إسبر ملحم).

(إسبر ملحم).

(إسبر ملحم).


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard