حكايتي مع الشارع الذي أكره

1 كانون الثاني 2020 | 14:50

المصدر: "النهار"

خلال تغطية تظاهرات ثورة 17 تشرين.

كثيرة هي الأحداث هذا العام، خصوصاً على المستويين السياسي والاقتصادي، التي تمس حياتنا ومستقبلنا مباشرة وتعتبر في صلب عملنا، وطيلة هذا العام تعاملت مع الأحداث كجزء من عملي اليومي ضمن إطار المتابعة والمواكبة، إلاّ أن الحدث المؤثر والذي ترك بصمته لهذه السنة، وربما لسنين عديدة مقبلة، هو تغطية الأحداث على الأرض خلال انتفاضة 17 تشرين التي واكبتها منذ لحظتها الأولى وتنقلت لاحقاً بين ساحاتها، من الشيفروليه وسن الفيل والدكوانه وجل الديب وساحة الشهداء ورياض الصلح، وتواصلت مباشرة مع الناس والمنتفضين وسمعت قصصهم ومطالبهم بعيداً عن المواقف السياسية التي كنت أسعى إليها.

عديدة هي المواقف والأحداث التي أثرت فيَّ وغيرت نظرتي إلى الأمور، وخصوصاً أني منطلق من خلفية لا تحب الشارع وتحركاته وتخشى منها، سأتكلم عن بعضها الذي ترك فيَّ أثراً كبيراً.

ففي صباح 18 تشرين الأول على بعد ساعات قليلة من انطلاق الانتفاضة، حوالي الساعة الرابعة فجراً حين تقصدت النزول بين عدد قليل من الشبان في منطقة نهر الموت بعد سماعي أخبار أن من يقطعون الطرق في هذه المنطقة هم شبان من خارجها، في إيحاء أنهم ليسوا من نسيج المنطقة المسيحية التي لم تعتد هكذا تحركات، وسألت أحدهم وهو عشريني ماذا يفعل؟ وهل هو من خارج المنطقة؟ ليجيبني أنه من سكان الدورة وهو يعمل حارس مستودع ليلاً لكنه يحمل شهادة في إدارة الأعمال ولم يجد عملاً فتحنّن عليه أحد النواب السابقين ووظّفه بدوام 12 ساعة من السابعة مساء حتى السابعة صباحاً في أحد مستودعات شركاته في منطقة الكرنتينا براتب زهيد، وهو ترك المستودع وانضم إلى الشباب الذين يتظاهرون لربما "نستطيع تغيير شيء ما"، وكان طلبه بسيطاً: أريد أن أنام في الليل وأصحو في النهار كبقية الناس، وهذا الأمر لم أعرفه منذ ثلاث سنوات، أريد أن أخرج من القبر (المستودع) ولو قليلاً... تركتهم وذهبت لأكمل عملي وصورة وجهه لم تفارقني حتى اللحظة وربما لو التقيته بعد مئة عام سأعرفه.

كما أن من الأمور التي لا يمكن نسيانها التواجد ضمن الاشتباكات بين قوى مكافحة الشغب والمنتفضين في ساحة رياض الصلح، وهي المواجهة الأولى التي حدثت في الساحة في الأيام الأولى من الانتفاضة، حيث كنت في الصف الأول أمام السرايا الحكومية لتطلق فجأة القوى مئات القنابل المسيلة للدموع. وكنت للمرة الأولى التي أتنشق فيها الغاز، ولم تساعدني حيرتي وعدم خبرتي في التعاطي مع هكذا أوضاع، وأثناء الهروب وضمن التدافع الهائل الذي حدث، وصلت للحظة لم أعد أرى أمامي، كما لم أعد استطيع الركض من شدة ضيق النفس، فاتكأت على أحد الجدران شبه مستسلم، قبل أن تتقدم مني إحدى الفتيات تضع كوفية وأعطتني بصلة، وطلبت مني وضعها على أنفي وشمّها، واستعدت بهذه العملية جزءاً من قوتي كانت كافية لمساعدتي على الخروج من ساحة الاشتباكات... وطبعاً ستبقى هذه الصورة محفورة في ذاكرتي طيلة العمر.

وفي الختام لابد من ذكر بعض الأحداث اللطيفة، وفيها توطدت فكرة العائلة نظراً للأوقات الطويلة في المكتب مع الزملاء، وأدركت أجواء المحبة الحقيقية بين جميع الزملاء رغم ضغط العمل الكبير، وأصبحت أقرب إلى فاطمة وديما وبتول وعلي وإسراء ومارسيل وإيلي وفرج وليلي ورين، وتعرفت إلى نايلة الشابة والصحافية المتابعة، ورأيت التعب لأول مرة على وجه ديانا بعدما كنت أظن أنها لا تتعب، حتى اللقاءات الخاصة كانت في الساحات، هذا ما لم اعتقد انه يمكن أن يحدث معي يوماً.

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard