ثورة رأس السنة

30 كانون الأول 2019 | 16:04

المصدر: "النهار"

ثورة رأس السنة.

إلى صديقاتي وأصدقائي الشباب الذين صنعوا ثورة 17 تشرين الأوّل.

عشيّة رأس السنة، أتمنّى لكلٍّ منكنّ ومنكم، ما يشتهيه لنفسه، لأحبّائه، ولبلده.

أمّا بعد، فأذكّركم بمقالي الذي حمل عنوان "الخطّة ب"، وقد دعوتُكم آنذاك إلى التفكّر في لزوم الانتقال إلى موجبات تلك الخطّة المفترضة، لمواجهة الاستحقاقات الوطنيّة من جهة، والتحدّيات والتشويهات التي تتعرّض لها ثورتكم البهيّة من جهة ثانية.

إلى الآن، أبحث عن "الخطّة ب" فلا أعثر عليها.

لقد تأخّر الوقت، أيّها الثوّار. لقد تأخّر كثيرًا. لكنّه لا يزال سانحًا. فلا تفوِّتوه. ولا تخسروه.

كتبتُ إليكم يومذاك، بخفرٍ وتواضعٍ شديدَين، لتفادي إثارة أيِّ إحساسٍ لديكم بأنّ ثمّة مَن "يتفلسف" عليكم.

أعيد الكرّة، اليوم، عشيّة رأس السنة، لأذكّركم بأنّ ما اجترحتموه على مستوى هذه الثورة النقيّة، الأبيّة، النظيفة، المستقلّة، الفريدة في الشكل والمضمون، العابرة المناطق والزعامات والطوائف والمذاهب، كان غير مسبوق، ولا ينبغي له أن يذهب هباءً وإهدارًا.

إنّي أحضّكم حضًّا على وجوب تجنّب التلهّي والتجاذب والاسترخاء والتشتّت والتشرذم، بتشغيل الرؤوس والعقول، وتركيز البوصلة، وتوجيهها إلى حيث يجب أنْ توجَّه.

إنّ الطبقة السياسيّة مُجمِعةٌ، بقضّها وقضيضها، على تخطّي خصوماتها وعداواتها، من أجل الحفاظ على كينونتها، وعلى استمراريّتها، ومن أجل إنجاز "المهمّة التاريخيّة" الجديدة الملقاة على عاتقها الآن، ألا وهي القضاء على ثورتكم، واعتبارها كأنّها لم تكن.

هذه الطبقة السياسيّة تعرف كيف "تضربكم".

إنّها – في جملة خططها الجهنّميّة - تؤجّج النعرات في المناطق، وتثير الضغائن والأحقاد والكراهات والتناقضات ليس بين أهل الطوائف والمذاهب فحسب، بل بين العقلاء والحكماء والمدنيّين والعقلانيّين والعلمانيّين أيضًا وخصوصًا، لكي تستعيد قدرتها على الحركة، والانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل.

إنّ الطريقة التي تمّ بها تكليف رئيس الحكومة هي غيضٌ من فيض ما يجري في كواليس التأليف بين الحكم وأطراف السلطة ومواقع القرار، وممّا يُنتظَر أنْ يظهر إلى العلن بعد تبويس اللحى وتدوير زوايا المحاصصات. وهلمّ.

إن الارتباك بل التناقض في مواقف أهل السلطة، يتظهّر كلّ يوم، أكثر من اليوم الذي سبقه.

كنّا ننصت "بإعجاب" و"اندهاش" إلى الخطب اليقينيّة التي كانت تقول – برصانةٍ متشاوفة وهادئة الأعصاب لا تُعرَف أسبابها - بحكومة اختصاصيّين ومستقلّين، فصرنا ننصت "بإعجاب" و"اندهاش" إلى الخطب اليقينيّة التي تقول بحكومةٍ ممّا كيفما كان، وبمَن كان، بل بمَن هبّ ودبّ، من "اختصاصيّي" الأحزاب والتيّارات، وهؤلاء هم في كلّ حالٍ "مستقلّون" ما شاء الله، وحاشا أنْ يتلقّوا الأوامر من أحد، أو أنْ يتمرّغوا عند باب أحد.

أنتم، أيّها الثوّار، ماذا تفعلون الآن، حيال ذلك، ولمواجهة ذلك؟

هذا السؤال ليس اتّهاميًّا، ولا تهكّميًّا. البتّة.

أعرف تمامًا كلّ ما يعتمر في قلوبكم وعقولكم، وكلّ ما يعتريكم من همومٍ وهواجس.

بعيدًا من الوعظ، ومن الإملاء، ومن أجل أنْ لا تُنهَش ثورتكم (ثورتنا) الفريدة نهشًا، وتُلتَهم التهامًا، على موائد هؤلاء اللئام، أهل هذه الطبقة السياسيّة، أدعوكم باختصارٍ شديد، لا إلى انتظار ولادة مسخ "الحكومة الرسميّة"، التي نشهد فصولًا معيبة من مسرحيّة مخاضها النتِن، الشبيه بما كان عليه أمر إنتاج الحكومات قبل 17 تشرين، بل إلى تقديم بديلكم النوعيّ، بالطرق والأساليب التي ترونها مناسبة: عصيانًا مدنيًّا مستحدثًا وغير مسبوق؛ حكومة ظلّ للثوّار برئيسها والأعضاء؛ مجلسًا للقيادة، أو لجنةً تنفيذيّةً تضمّ مكوّنات الثورة وتتولّى ما يجب أنْ تتولّاه من مسؤوليّات ومهامّ، وسوى ذلك من خطواتٍ وإجراءات.

عشيّة رأس السنة، يجب أنْ تكون سببًا مطلقًا للانتقال إلى تنفيذ بنود "الخطّة ب". كلّ تأخيرٍ إضافيٍّ سيجعل الظروف والمعطيات أشدّ تعقيدًا، وسيجعل فرص الخروج بخطّةٍ تاريخيّةٍ لإنجاح ثورتكم وإنقاذ لبنان من البراثن، أقلّ توافرًا.

يجب.

ثورة رأس السنة: يجب الآن وفورًا.

[email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard