ساندرا خلاط... من خطوط التماس الى صناعة الأمل

5 كانون الثاني 2020 | 12:37

المصدر: "النهار"

محكومون بمحاولة صناعة الفرح والأمل.

نَشَأت ساندرا خلاط على خطوط التّماس في بدارو. في ذاكرتها علقت مشاهد الحرب: قتلى وآلام وجرحى... تعرّضَ منزلها للقصف مرّات عديدة، تهدّم وأعيد بناؤه. هاجر أفرادٌ من عائلتها وأصدقاءٌ لها؛ فبين خيارَي الرحيل والعيش في الواقع المرير، قرّرت أن تبقى وتزيّن وجوه عائلات وطنها بأجمل البَسَمات.

أنهت ساندرا خلاط عام 2002 شهادة الماجيستير وحصلت على وظيفة في مصرف. فباتت أيّامها روتينية تمضيها بين العمل والجلسات في الكافيه؛ وهي تصفُها بالفارغة. لذا راحت تبحث عن معنى لحياتها. تقول مؤسِّسة جمعيّة "بسمة" لـ"النهار": "علينا أن نحافظ كلّنا على وطننا، فلمن نتركه؟" والصمود بنظرها يكون في العمل الإنساني التطوعي وخدمة الآخر دون تفرقة. 

تؤمن ساندرا أنّ المجتمع بحاجة لمتطوّعين، والشباب يمتلكون القدرة على الابتكار، ولديهم الحيويّة للعمل الإنساني، وأنّه باستطاعة الناس القيام بكثير من المبادرات الفعّالة.

منذ بدايته، اتّخذ مشروع "بسمة" طابعاً جدّياً، وباتَ الأولويّة في حياة خلاط. حوافز ثلاثة دَفَعَتها لمساعيها الإنسانية: الحرب المؤلمة والخدمة في الكشّافة والعمل الرعوي حين كانت تدخل منازل أسر فقيرة لمساعدتها. حسب خلاط، تهتمّ "بسمة" اليوم بـ200 عائلة، وتَبَنَّت أخيراً في ظلّ الأزمة الاقتصادية وخلال أسبوع واحد، 30 عائلة جديدة. فالجمعيّة تؤمّن للأسر المساعدات الغذائية، وسائل التنظيف، الحاجات المنزلية، إيجار البيت، الخدمات الصحّية للمرضى والنفسية للأولاد المحبطة. بالإضافة إلى ذلك، تسدّد الأقساط المدرسية، تجهّز القرطاسيّة، تنظّم صفوفاً ليليّة؛ تؤمّن أثاث المنزل معتمدة على مساهمة المقتدرين.

قبيل زواجها عام 2008، تركت ساندرا وظيفتها لتتفرّغ لنشاطات الجمعيّة. تُخبر أنّ معارفها لم يتفهّموا قرارها واعتبروه ضرباً من الجنون. هالهم أن تتخلّى عن مسارها المهني. لكنها تعلّل خطوتها بقناعة لديها: "ما من شيء أسمى من تحسين ظروف الناس الأكثر عوزاً. يد الله دائماً معي وحينما أشعر بالإرهاق أهلي وعائلتي سندي ومصدر قوّتي".

نَمَت علاقة صداقة متينة بين المتطوّعين والعائلات التي يهتمّون بشؤونها. تسرد رئيسة الجمعية: "نزور الأسر، نرتشف مع أفرادها القهوة، نشاركهم أعيادهم... نحن نعطيهم وهم يعطونا الكثير... خلال 17 سنة، كبرَ من كانوا صغاراً، أصبحوا شبّاناً، منهم من حضرنا عرسه".

بين الأزمة والعيد...

لـ"بسمة" مطعم في بدارو، أي في نقطة التّماس التي عرفت آنفاً الحرب. يطهو فيه المتطوّعون 200 وجبة غذائية ساخنة للعائلات. توزّع الجمعية أيضاً في بيروت الطبخ والخبز والماء والخضار والحليب... يصل باصها الخاص إلى بيوت الأسر التي يتعذّر على أفرادها التنقّل بسبب المرض أو الحاجات الخاصة أو الشيخوخة. "نحن نبحث عن الذين لا يستطيعون الوصول إلينا".

في المحنة، تبدّلت وسائل "بسمة" وازدادت المساعدات في فترة أعياد الميلاد ورأس السنة. فتحَ المطعم أبوابه من الإثنين إلى السبت بدل 3 مرّات أسبوعيّاً. في مطلع 2020، سيستقبل زائريه كلّ أيام الأسبوع إذ إنّ يوم الأحد يوم هام تلتئم فيه العائلة حول مائدة الغداء "لكنّ عدداً من العائلات دون طعام يوم الأحد".

خصّصت الجمعية أيضاً 100 أسرة بـ500 ألف ليرة، وقدّمت لهم حبش العيد المطبوخ ودجاجة مجلّدة. ولبّت عبر المتبرّعين أمنيات الكبار والصغار. كلٌّ حصل على هديّته: غيتار، دمية، طناجر، سجّاد، فرن، غسالة، دربكّة، حذاء... هذا العمل الاجتماعي يرتكز على تبرّعات الناس والمحال التجارية. "تنمية" أعطت الدجاج، "رودستر" أمّنت وجبات ساخنة...".

غير أنّ الغصّة تبقى مريرة. فيما كانت جمعيّة "بسمة" على سبيل المثال تحاول التخفيف من معاناة الناس، هزّت الأزمة الاقتصاديّة استقرار عائلات كثيرة من الطبقة الوسطى، وصُرِفَ مئات الآلاف من أعمالهم. وحيث يُنذرُ كثيرون من دخول اللبنانيين في دائرة الفقر، نشهد اليوم على تكافل لا مثيل له في المجتمع اللبناني، وهذا أمل لاجتياز النفق المظلم. حسب ساندرا خلاط "التضامن ضمانة العائلات".

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard