"ولعان" بن شيبان بن ولعان مختار "الولعانة"

13 كانون الأول 2019 | 15:48

من صرخة القطاع الخاص في مبنى البيضة (نبيل إسماعيل).

كان مختاراً أباً عن جدّ بتأكيد الناس وأصواتهم ومبايعتهم. معروف الإقامة لا بل المحلَّة معروفة بإقامته. به وبذريته كان كل شيء، وبدونهم ما كان شيء، وذلك بحسب ما كان يُعتبر وما كان سائداً في تلك الأنحاء.

قيل إنه ينام وحوّاءه في وسط سريرهما. وسريرهما كان في وسط الغرفة. وقد شاء من شاء أن تكون غرفة نومه في وسط الكون. فصُمِّمت تلك الغرفة كي تكون في وسط تلك التي كانت على تلة في وسط المحلّة، كي تنطرها وتنطر العالم. وكان الناس يتجمهرون من حول حارته. وهو كان يطل من غرفته كي يحييهم عند كل مطبّ. فينظر إليهم من فوق بفرح وهم كانوا ينبهرون، لأنّ الأنوار كانت تجعل ظلّه كبيراً، فتختلط على الناس معرفة قامته وحجمه الحقيقيين.

كان ضمانةً لأهل محلة "الولعانة" الذين كانوا يعتقدون أنّ مطرحهم قلبُ بلدٍ كان بالنسبة إلى أهله قلب القارة والمعمورة.

صَنعتْ الجغرافيا موقع "ولعان". لا بل قل إنّ من وضع الجغرافيا وضعه هناك، كي يرصد الأمكنة والأزمنة بحسب ما أفتى له المنظّرون ممن كان يحيط نفسه بهم.

ما ترك المختار "ولعان" غرفته التي تعجّ بالمرايا إلا قليلاً، وذلك كي لا يغيب نور وجهه عن نفسه، فيدرك "الولعانة" ظلامٌ. اعتقد أنه حيث يكون ينتفي الظلام.

قبع هناك، وأحاط نفسه بالمرايا والبلور والبخور والمستشارين، لا بل المتملّقين والمنظّرين والمنجّمين، كي يرصد كل شيء من حوله، إلا أنه كان مدمناً على المهدّئات والإطراء والمديح والمزاح.

ولكم مجد صلاحه!

أظهر نفسه للمقربين فقط. وأحبّ من كان يرى بعضاً من نفسه فيهم، أو ظنّ ذلك. فكان يكرمهم جدًّا. بحث عن أدوار البطولة، وإذ لم يوفق، تحوّل إلى ضحية تتآمر العناصر لإزاحتها.

كان عظيماً في عين نفسه. وقد وقف ذلك اليوم قبالة المرآة سائلاً: "بالله عليك، أولست الأجمل والأفضل والأنقى والأفهم بين كل بني البشر؟ لا أعلم ما الذي سيحلّ بالولعانة من بعدي".

والمرآة التي ما كانت ترى سواه، لم تُجب. فاطمأنّ. لكنه لم يطمئن على "الولعانة" والكون من بعده.

قيل له إنّ في الشارع الموازي استياء وصخباً وغضباً. قيل له إنّ "الشكّور" أحرق صورته بسيكارة أي لفافة. فلعن "الشكّور" وإبليس وكل الكائنات غير الضرورية. فانقطعت اللفافات من سوق المحلة. كما أنّ "الشكّور" صار عاجزاً عن مجّها. و"الشعب في الشارع الموازي لا يعبّر عن المزاج الشعبي بالتأكيد". فالناس مبسوطة. والشارع ليس ناقماً لأنه ببساطة يحبه. وكيف يكون ناقماً عليه وهو شخصياً ليس ناقماً؟!

اعتبر أنه محفوظ بالأوادم. وكل من أحبه صار آدمياً برضاه. توقّع ما جرى لأنّ القمر مزاجه معكّر، بحسب عرّافته "عتم".

لقد اعتقد الشيخ "الولعان" أنه الكون. وهو ما كان إلا سراباً أو عصا تأديب غليظة سمح الله بها لتأديب الناس.

اعتقد أنّ الخلود حيث يخلد، وأنّ الناس تحتاج إلى أن تحبه كي تعيش. ومحبتها له تقاس بالولاء. فصنع موازين بشرية لقياس هذه المادة التي قال إنها بدأت تندر. فقسّم البشر إلى أنواع. والأهم بينهم بالنسبة إليه كانت تلك الفئة التي تعتبر أنه يجسّد الحق مهما فعل، وأنّ القشة التي يتكلمون عنها في عينه ستكون هي حتماً خشبة خلاص للبشرية في المستقبل.

ناصرَ من والاه في كل ما فعل. فتلك الشريحة العزيزة وقود العصمة والزعامة والمجد. أولئك خمير الشارع الذي يورّثه لذريته من جيل إلى جيل، وإلى أبد الآبدين آمين. بهؤلاء تتجدد أيامه. وهم الملح الذي يسكبه على طبخات البلد. فالناس للناس، والمخاتير بعدد الأصوات التي تجيّر تقاس. ومن يحبه الله يرسل له ملائكة بلباس بشر تخدمه، لا بل تعبده. وهو قد حظي بملائكة بلباس مفاتيح انتخابية وشعراء ومتزلفين، ممن كانت ذنوبهم وارتكاباتهم مغفورة. فمحبته لهم تشفيهم وتنقّيهم وتكمّل نواقصهم. محبته تصنع العجب. تخرج المجرم من السجن. تنصر السارق على المنهوب. وتقوّي الظالم على المظلوم. وكم سُمع يردد: "كيف لي أن لا أناصر فلاناً وهو يواليني ويسمع أقوالي ويطيع، كيف لي أن لا أقول إنه آدمي وهو يحبني؟". وكان المحيطون به يسمعون ويفرحون ويمرحون في المحلة.

لكن ما كان يقلقه كان مسائل الجيل الطالع والمتطلب كثيراً. جيل النيلون والشكّ والحضارة الرقمية. ما كان يقلقه هو فقدان التحكم بكل ما يُكتب ويُقال. ما كان يزعجه القول فيه إنه غير ديمقراطي، وكيف ذلك وقراراته جميعها يتخذها بالشورى بينه وبين أبناء بيته.

ما كان يزعجه كان نشوء فئة لا تدجَّن. فئة مكفيّة قررت أن تفكّر. وحق التفكير حصريٌّ به، أباً عن جَدّ.

حنّ إلى عهد ما كانت الناس تعرف كيف تقرأ وتكتب. حنّ إلى عهد المبايعة والسماع من فيه المختار. شعر بأنه غير مقدر كما يجب. ولولا أوادمه لكان حجب وجهه عن تلك الأرض، فبادت.

وسُمع يردد أمام المرآة:

"الناس، وما الذي يريده الناس؟

زعيمهم شبوبيّة وشخصية. أدعوهم إلى الغداء مرتين في العام. أقيم لهم الولائم والكبّة. فيأكلون ويفرحون. ويمتلئ الكل خيراً، ويمجّدون.

لكن ما ذنبي إذا ما نفدت الخيرات، وتصحّرت المحلة؟

"لا، لا يا أنا لا تستمع إليهم. فهم هكذا يأكلون ويبصقون. هذه عادتهم". ويجيبه المقرّبون: "الدنيا بألف خير. وما زال كثيرون يسجدون لك مع كل التقاريظ والطقوس".

هذه قصة المختار "الولعان" زعيم "الولعانة" وأمير ذلك المكان والزمان. أبلغتك بها كي تعرف أننا ما زلنا نفتّش في هذا الشرق عمّن نعبده. لم نتحرر من الأوثان. ومن قال إننا تحررنا منها؟

تولد الأصنام يا ولدي من مخاوفنا ووهننا وخرافاتنا. نقيمها علينا كي نستريح. نخلقها لقضاء حوائجنا، فيتصدّقون علينا بحقوقنا ويسودون. وإذا ما كسر بشريٌّ صنماً نقيمه مكانه ونعبده. فتتجدد العبادات. نحن من يصنع الأصنام.

لا ليس الشيخ ولعان حالة فريدة، بالرغم من أنّ كل إنسان في هذه الدنيا فريد. ففي شرقنا المزروع خوفاً تنمو السلاطين.

ما أريد تذكيرك به يا "توما" الذي لا يؤمن إلا بوضع يده في الجرح، أن لا تقيم لك إلهاً على الأرض. فعهدنا عهد جديد. وستحاربك الأصنام وعبدتُها كثيراً يا ولدي. فالناس تخاف ممن يختلف عنها. يخاف الناس من التغيير. يطمئنون إلى استكانتهم ووضعهم ووجعهم. لكنّ هذا لا يجب أن يغيّر فيك شيئاً. لا يجب أن يفرمل انتفاضتك على نفسك وأصنامك وقيودك.

قل كلمتك يا بني وامشِ. أم أقول لك لا تمشِ. لا بل ازرعها وعداً بالحقيقة الآتية. فيحصدها بَنوك يوماً على بيادر الرجاء. ازرعها واسقِها بعرق نضالك ودموعك ووجعك، فالربيع لن ينفكّ يأتي ولو بعد حين. بهذا تكون لبشرك وعداً بالتغيير. وستصبح حضرتك بالنسبة إليهم وعداً بملكوت قادم يذوقونه ها هنا.

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard