أين تلاقت مصلحتا واشنطن وطهران لإتمام عمليّة تبادل السجينين؟

10 كانون الأول 2019 | 19:56

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. تعدّ عمليّة تبادل السجينين بين الولايات المتحدة وإيران عطلة نهاية الأسبوع الماضي خرقاً بارزاً وإن ضئيلاً في التوتّرات المتصاعدة بين البلدين. الصورة عن "أ ب"

في خرق محدود لجدار التوتّر الأميركيّ-الإيرانيّ أعلن البلدان عن تبادل أسيرين يوم السبت ممّا فتح المجال لأسئلة كثيرة عن الأسباب والتوقيت. أفرجت الولايات المتّحدة عن مسعود سليماني، عالم إيرانيّ في مجال الخلايا الجذعيّة، بعدما أوقفته سنة 2018 بتهمة خرق العقوبات على طهران. بينما أفرجت الأخيرة عن الأميركيّ من أصل صينيّ شيوي وانغ الذي سجنته سنة 2016 بتهمة التجسّس لصالح واشنطن. 

قدّمت سويسرا التسهيلات في ما يتعلّق بعمليّة التبادل التي أكّدت إيران أنّها لم تحصل بناء على مفاوضات. لكنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب غرّد شاكراً إيران على "المفاوضات المنصفة جدّاً والتي أدّت إلى تبادل السجينين" معرباً عن اعتقاده بأنّ هذه العمليّة أظهرت أنّ البلدين "يمكنهما عقد صفقة معاً".

"خدمة"؟

في مقابل جمود المفاوضات بين واشنطن وبيونغ يانغ، قد تؤمّن إيران فرصة للرئيس الأميركيّ لتحقيق مكسب سياسيّ مع إيران. وقبل أقلّ من سنة على الاستحقاق الرئاسيّ، سيكون ترامب بحاجة لاستثمار جميع الفرص المتاحة أمامه على المستوى الديبلوماسيّ الدوليّ. وهذا ما حقّقه منذ يومين. في المقابل، تدرك إيران الحاجات الانتخابيّة لترامب فبرهنت أنّها قابلة للحوار وتقديم نتائج ملموسة في حال أبدى البيت الأبيض انفتاحاً.

من غير الضروريّ أن تكون عمليّة التبادل مقدّمة لحوار ديبلوماسيّ شامل يطال إعادة التفاوض على الاتّفاق النوويّ. وعلى الأرجح، قد لا تعيد طهران فتح التفاوض قبل معرفة هويّة الرئيس الأميركيّ المقبل. لكنّ الخطوة كسرت على الأقلّ مسار التوتّر المتصاعد بين واشنطن وطهران. بالتالي، ثمّة تساؤل منطقيّ عمّا قد يدفع إيران إلى "خدمة" ترامب في توقيت قد يناسبه. أمّا الجواب فيمكن استنتاجه من قراءة المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القوميّ في إدارة باراك أوباما سام فينوغراد.


"ثمن منخفض"

قدّمت فينوغراد تحليلها في شبكة "سي أن أن" حيث باتت تحلّل في صفحاتها شؤون الأمن القوميّ. تستفيد إيران من عمليّة التبادل عبر خوض علاقات عامّة داخليّة تظهر لشعبها أنّ نظامها قادر على التفاوض مع الأميركيّين بنجاح. تعترف فينوغراد بأنّ استعادة عالم إيرانيّ لن يهدّئ التظاهرات، لكنّ النظام يأمل بأنّ هذا النجاح قد ينعكس إلى حدّ ما على الداخل. كذلك، توفّر إعادة وانغ إلى الولايات المتّحدة بعض الحظوة لها بين دول العالم التي تحذّرها من الاستمرار في خرق التزاماتها النوويّة.

وأضافت أنّ إطلاق سراح وانغ يوضح أنّ الإيرانيّين يريدون المحادثات وقد يستفيدون من تخفيف الإدارة الحاليّة ضغطها على الإيرانيّين. إذاً بالاستناد إلى تحليل فينوغراد، لم تقدّم إيران "خدمة" مجّانيّة إلى الولايات المتّحدة لكنْ كلتا الدولتان تبادلت الخدمات الديبلوماسيّة.

ثمّة ملاحظة أخرى برزت في إطار الاتّفاق. حين اعتقلته إيران، كان وانغ يجري بحثاً جامعيّاً عن الحكم القاجاريّ. كانت إيران قد حكمت على وانغ سنة 2016 بالسجن لمدّة عشر سنوات. بالمقابل، كان مسار الحكم الأميركيّ مغايراً إلى حدّ ما. أسقطت وزارة العدل التهم عن سليماني بأنّه خرق عقوبات واشنطن وكان من المتوقّع إطلاق سراحه الشهر المقبل. من هنا، نقلت "نيويورك تايمس" عن مسؤولين أميركيّين قولهم إنّ الإفراج عن سليماني كان "ثمناً منخفضاً مقابل حرّيّة السيّد وانغ".


قضيّة زكا.. المنعطف؟

بدأت آمال إطلاق سراح وانغ تتزايد خلال الأشهر القليلة الماضية وفقاً لما قاله مصدر لشبكة "أن بي سي" الإخباريّة. وأضاف أنّ إفراج إيران عن نزار زكّا ساعد على "كسر الجليد". قال زكّا عقب الإفراج عنه إنّه يعتقد أنّ تلك الخطوة كانت إشارة إلى أنّ طهران على استعداد لتبادل السجناء. لكن ما أمكن ملاحظته من أحداث في ذلك الحين كان تصاعد التوتّر بعد الإفراج عن زكّا. وقال ناطق باسم الخارجيّة الأميركيّة للشبكة نفسها في حزيران الماضي إنّ تلك المسألة هي "بين لبنان وإيران".

وبعد يومين على الإفراج عنه، تمّ استهداف ناقلة نفط يابانيّة في مياه الخليج كما أسقطت إيران مسيّرة "بلاك هوك" الأميركيّة بعد حوالي أسبوع. ليس واضحاً ما إذا كانت تلك التطوّرات ردّاً على الرفض الأميركيّ لفتح قنوات التفاوض مع إيران التي دعت إلى ذلك على وزير خارجيّتها محمّد جواد ظريف من نيويورك في نيسان: "أضع هذا العرض على الطاولة علناً: بادلوهم... لديّ الصلاحيّات الضروريّة" لتلك العمليّة.


مدماك ثقة

تبدو الظروف أكثر نضجاً اليوم لنجاح التفاوض. كرّر ظريف الاثنين، وبعد وصفه سليماني بأنّه كان "رهينة" لدى واشنطن، استعداد بلاده "الكامل" لتبادل سجناء "شامل" مع الولايات المتّحدة. ثمّ أضاف في تغريدته أنّ الكرة باتت في ملعب واشنطن. قد يكون تبادل الأسيرين السبت خطوة تحفيزيّة لإجراء عمليّات مشابهة في المستقبل، خصوصاً إذا تبيّن أنّ هذه الخطوة بنت المدماك الأوّل من الثقة بين الطرفين. لكنّ آليّة اتّخاذ واشنطن لقرار آخر بتوسيع مروحة تبادل السجناء قد لا تكون سهلة في المستقبل، بالنظر إلى اللاعبين الكثر الذين ينخرطون في المحادثات والذين يمكن أن يملكوا منطلقات مختلفة وربّما متناقضة للتفاوض. أظهر تقرير لروبن رايت في مجلّة "نيويوركر" حجم هذه الاختلافات.


من الذي أشرف على التفاوض؟

نقلت رايت عن مصادر قولها إنّ الموفد الأميركيّ للشؤون الإيرانيّة براين هوك الذي سافر إلى سويسرا لاستقبال وانغ لم يدخل المحادثات إلّا في الأسابيع الأخيرة بعد أن باتت هذه العمليّة شبه محسومة، مع أو بدون هوك الذي يعدّ أحد أبرز المتشدّدين في الملفّ الإيرانيّ. كذلك، تواصل محامي عائلة وانغ جايسون بوبليت مع عضو الكونغرس السابق عن ولاية كانساس جيم سلاتيري الذي أبقى على الحوار مفتوحاً مع الإيرانيّين طوال سنوات.

وانضمّ إليهما السفير الأميركيّ الأسبق إلى الأمم المتحدة بيل ريتشاردسون الذي تفاوض لسنة مع إيران خلف الكواليس موضحاً للكاتبة أنّه يختلف مع نسخة الإدارة من الرواية حيث كانوا هم وراء التفاوض. وقد عمل مع ظريف على تفاصيل القضيّة حين اجتمعا على هامش جلسات الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة أيلول الماضي. لكنّ مسؤولاً بارزاً من البيت الأبيض نفى هذا الكلام قائلاً إنّ العمليّة تمّت بتفاوض مسؤولين أميركيّين بمساعدة سويسريّة.

الاختلاف في رواية التفاوض يفتح النقاش واسعاً أمام إمكانيّة انعكاس غياب التجانس على استمرار الإدارة في التفاوض حول بقيّة الأميركيّين في السجون الإيرانيّة. وهذا تفصيل صغير آخر يضاف إلى سلسلة العقبات الأوسع التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة والتي قد تمنع الطرفين من توسيع سياسة الانفتاح في المدى القريب.

أزات تشتيان والمونة: "الحياة صعبة هون بس ع القليلة نحنا بأرضنا"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard