الكيل طفح بالعنف والفقر والتمييز والجهل

3 كانون الأول 2019 | 10:00

العنف (تعبيرية- عمر إبرهيم).

العنف ليس رجلاً أو امرأة،  ولن يتلاشى بحملات مناصرة المرأة وحقوقها التي تنظمها النساء لشعورهن المتزايد يوماً بعد يوم بالظلم، ولا بالموجات المضادة لها التي يطلقها الرجل للمطالبة بحقوقه هو الآخر، أو الإشارة إلى ما يتلقاه بعض الرجال من تعنيف على أيدي زوجاتهم حتى لو كان بهدف السخرية الذكورية من الحملات النسائية أحياناً، فالأمر موجود بطبيعته نتيجة عنف راسخ ومتراكم.

تأنيث المشكلة ليس حلاًّ بل تعزيز لها، ووضعها في إطار التعنيف الجسدي، إنما هو تقليل من حجم العنف المخيف الذي يتعرض له الرجال والنساء في مجتمعاتنا، مع الإجماع على أن التعنيف ضد المرأة أوسع ويطال حقوقها القانونية غير المنصفة. العنف في الواقع ضد الإنسانية في المقام الأول، تلك التي فقدت معناها وأضاعت دربها منذ زمن بعيد واستُبدلت بالوحشية.

والعنف أكبر من أن يُحصر في فكرة (المجتمع الذكوري)، فالسلطة الذكورية هي نتيحة في نهاية الأمر، نتلقى بسببها آلاف المآسي الإنسانية بشكل يومي، وضحيتها ليست المرأة فقط بل الأبناء، وبالتالي تنعكس سوداوية هذا التأثير الدرامي على المجتمع. العنف يبدأ منذ التنشئة، والمرأة غالباً هي الضحية كصورة نمطية، والطرف الآخر بالتأكيد الأقوى. حتى الأدب، المرجعية الثقافية، تناول المرأة على مرّ السنين كجسد أو كضحية، بطولاتها لم تكن إلا استثناءات مهملة.

مفهوم (الآخر) بحد ذاته أضحى مبتذلاً وغريباً وله ألوان وأطياف تُزرع فينا، الرجل هو الآخر بالنسبة للمرأة، والمرأة هي الآخر للرجل، كل من ينتمي إلى دين هو (الآخر) بالنسبة إلى صاحب الدين المختلف. الأوطان والمدن كذلك (آخر)، الأفكار (آخر)، والعرق (آخر). من هو هذا (الآخر) الذين نعيش إما لمحاربته أو في أحسن الأحوال التعايش معه. ومن هنا، يفتعل المجتمع بدوره تسويق فكرة تقبّل الآخر والتعايش معه، هذه المفاهيم تحمل في طيّاتها استعلاء لكل من لا يتطابق، ولن أقول يتشابه معك في الظروف، نحتاج إلى أجيال حتى نتعافى من ابتذال الإنسانية والاحترام ووضعهما في قوالب منفّرة، ذلك ما يجعل الحروب دائماً وأبداً طائفية وعرقية ودينية.

أدت كثافة فكرة التعايش غير المدروسة إلى تعزيز النظرة إلى الاختلاف وإعطائها حجماً أكبر، وحوّلت ثقافة التعايش إلى ثقافة اللاتعايش، وذلك بفعل الفقر والحال الاقتصادي اللّعين الذي جعل الإنسان يتآكل فكراً وثقافة، ففي حين تدعي المجتمعات حرصها على نشر التعايش، يفصلوننا في المدارس في حصص الدين لاختلاف الدين، ويفصلون الذكور عن الإناث لاختلاف الهوية الجندرية، يميزون بين الذكي والغني والقوي لاختلاف مراكز القوة، كيف نتعايش وقد جعلتم الحياة بنظريات يتم تطبيق عكسها تماماً مثل حرب دائرة بسكون قد تصلنا بين الحين والآخر قنبلة مدوية تنفجر بكل التراكمات المكبوتة.

نحتاج إلى جيل يعرف حقوقه وأهمها حقه في الحياة باحترام، الكيل طفح بكل شيء، بالعنف والفقر والتمييز والجهل، أجمل ما في الثورات الحالية خاصة في العراق ولبنان أنها ثورات شبابية، الشباب، أولئك الذين ما عادت تعنيهم طائفة لا تُغني ولا تسمن ولا تطعم ولا تحمي، بل وتقتل.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard