لماذا يبدو الشرق الأوسط قابلاً للاشتعال أكثر من أيّ وقت مضى؟

26 تشرين الثاني 2019 | 15:52

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

ناقلة نفط يابانية مشتعلة في بحر عمان، 13 حزيران 2019 - "أ ب".

على الرغم من أنّ جميع الأطراف المنخرطة في صراعات الشرق الأوسط تؤكّد أنّها لا تريد التصعيد والانجرار إلى حرب شاملة، وهو تأكيد يطابق رغباتها على الأرجح بالنظر إلى كلفة هكذا حرب، تبدو المنطقة أكثر قابليّة للاشتعال. هذه هي وجهة نظر رئيس "مجموعة الأزمات الدوليّة" والمسؤول السابق في البيت الأبيض روبرت مالّي. 

طرح الأخير تفسيره في العدد الحاليّ (تشرين الثاني-كانون الأوّل) من مجلّة "فورين أفيرز" الأميركيّة حيث سلّط الضوء على المشاكل الاجتماعيّة والمذهبيّة، لكن أيضاً المؤسّسيّة التي تجعل المنطقة هشّة أمام اندلاع الحروب. بدأ مالي مقاربته بالإشارة إلى أنّ مصالح الدول الكبيرة في الشرق الأوسط لا تتناسب والنزاع الواسع النطاق، "لكنّ شروط حرب شاملة في الشرق الأوسط أكثر نضجاً من أيّ وقت في الذاكرة الحديثة". 

تأثيرات متموّجة

يستند مالي إلى الحوادث الفعليّة أو الافتراضيّة التي كادت أو يمكن أن تشعل المنطقة كالهجوم على "أرامكو" أو عمليّة عسكريّة محتملة للميليشيات الشيعيّة في العراق ضدّ جنود أميركيّين أو ضربات إسرائيليّة قاسية ضدّ أهداف إيرانيّة. "إنّ تطوّراً في أيّ مكان من المنطقة يمكن أن يكون له تأثيرات متموّجة في كلّ مكان". حتى الحوثيّون أصبحوا مؤخّراً سبباً محتملاً للانخراط الأميركيّ في الحرب اليمنيّة، كما أنّ قمع النظام السوريّ للانتفاضة تحوّل إلى ساحة مواجهة دوليّة قتلت فيها الولايات المتّحدة أكبر عددّ من الروس "على الإطلاق". وقصد الكاتب بذلك قصف القوّات الأميركيّة لمقاتلي "فاغنر" الروسيّة في شباط 2018 حين سقط منهم بين 200 إلى 300 مقاتل عندما حاولوا اقتحام منطقة في شمال شرق سوريا. ويذكر الكاتب أيضاً كيف جذب الصراع الليبي دولاً عربيّة عدّة إلى ساحته إضافة إلى تركيا والولايات المتّحدة وروسيا. إذاً كيف يمكن تفسير قدرة الصراعات المحلّيّة على التحوّل سريعاً إلى صراعات إقليميّة ودوليّة؟

يجيب مالي بأنّ المنطقة أصبحت الأكثر استقطاباً واندماجاً على الصعيد العالميّ. يتزامن ذلك مع هيكليّات ضعيفة ومراحل انتقاليّة في عدد من الدول. كذلك، إنّ قصّة الشرق الأوسط المعاصر عبارة عن شقاقات متعاقبة، تطغى كلّ واحدة منها على سابقاتها، بينما لا تجد أيّ منها حلّاً شاملاً وفقاً له. إضافة إلى الصراع بين إيران وتل أبيب، كما بين إيران والسعودية، لا يغفل مالي أهمّيّة الصراع السنّيّ-السنّيّ بين السعودية ومصر والإمارات والبحرين من جهة وقطر وتركيا من جهة أخرى. وسبق للكاتب أن ذكر في مجلّة "نيويوركر" في آذار أنّ هذا الصراع هو الأكثر أهمّيّة حتى ولو كان الأقلّ حصولاً على التغطية الإعلاميّة، حيث يدور الانقسام حول زعامة العالم السنّي ومصير الإسلام السياسيّ.

حين يكون الاندماج سياسيّاً لا اقتصاديّاً

ثمّة عنصر آخر يذكره مالي: غياب التواصل الفعّال. لا قناة اتّصال بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والسعوديّة أو أيّ ديبلوماسيّة حقيقيّة باستثناء بعض الخطابات بين التكتّلين السنّيّين المتعارضين. تعترض الشرق الأوسط أيضاً تعقيدات سياسيّة أخرى تجعل التوتّرات متضاعفة. من بين الأمثلة المذكورة، اتّفاق دول الخليج على إطاحة الأسد واختلافها على التطوّرات في مصر. وقوف "حماس" إلى جانب سوريا في مواجهة إسرائيل ووقوفها إلى جانب المعارضة ضدّ الرئيس السوري بشار الأسد.

الملاحظة الأخرى التي يرسمها مالي هي أنّ الشرق الأوسط من بين أقلّ المناطق اندماجاً في العالم على المستوى الاقتصاديّ، بعكس ما هو الأمر عليه سياسيّاً وعقيديّاً. وعلى المستوى المؤسّسيّ، الجامعة العربيّة هي أقلّ انسجاماً من الاتّحاد الأوروبّيّ على سبيل المثال. ومن الناحية العقيديّة، تتخطّى العقائد حدود الدول كما كانت الحال مع العروبة والناصريّة والإسلام السياسيّ والجهاديّة وغيرها. حتى القضيّة الفلسطينيّة التي يرى مالي أنّها تضرّرت، لا يزال صداها يتردّد على امتداد المنطقة وهي قادرة على تعبئة المواطنين فيها بحيث تعجز أيّ قضيّة أخرى عن حشد التعبئة بمقدارها. وللقضيّة الكرديّة أيضاً تأثير في أربع دول شرق أوسطيّة.

طريق بخطّين

ينتقل مالي إلى إعطاء أمثلة عن الهيكليّات المقوّضة في بعض الدول والتي تمثّل عنصر تفجير محتملاً آخر. تنقص الحكومات المركزيّة في ليبيا وسوريا واليمن السيطرة على العديد من مناطقها. بالمقابل، يتصرّف لاعبون من غير الدول على أنّهم دول افتراضيّة كالحوثيّين والأكراد وحماس وداعش قبل انهياره. ويواجه هؤلاء اللاعبون مقوِّضون داخل مناطق سيطرتهم. ويضيف مالي أنّه في الدول ذات الهيكليّات الأكثر استقراراً كما في العراق ولبنان، ينخرط حزب الله والميليشيات الشيعيّة في نشاطات لا تسيطر عليها الحكومتان. "إنّ تساكن دول ضعيفة مع لاعبين من غير الدول يخلق ظروفاً مثاليّة للتدخّل الخارجيّ".

لكنّ هذا التدخّل عبارة عن طريق باتّجاهين: الدول الخارجيّة تستغلّ المجموعات المسلّحة لتعزيز مصالحها وتتوجّه المجموعات المسلّحة إلى الدول الخارجيّة للترويج لقضاياها الخاصّة. ويتساءل الكاتب عمّا إذا كانت مساعدة إيران للحوثيّين والميليشيات العراقيّة تعني سيطرتها عليهم وما إذا كان المقاتلون الأكراد في سوريا المرتبطون ب "حزب العمّال الكردستانيّ" يتبعون أوامره. ويرى مالي أنّ تحرّك اللاعبين من غير الدول كوكلاء وكلاعبين مستقلّين يصعّب تأسيس المسؤوليّة عن العنف أو ردعه في المقام الأوّل.

في الهجوم على "أرامكو"، يرجّح الباحث أن يكون الحوثيّون تبنّوا المسؤوليّة لتعزيز موقعهم وأن يكون الإيرانيّون أنكروها لتفادي انتقام أميركيّ. ويثار في الدول القويّة أيضاً أسئلة حول هويّة المتحكّم بالقرارات، كما هي الحال في إيران والصراع بين الحكومة والحرس الثوريّ. كذلك، شكّل مجيء ترامب إلى البيت الأبيض وبروز الصين وروسيا على الساحة الدوليّة عوامل مضاعفة للتهديدات في المنطقة، بما أنّ لاعبيها وجدوا سنداً دوليّاً لسياساتهم إلى حدّ معيّن.

اعتراف

مالي الذي عمل مستشاراً خاصّاً لأوباما ومنسّقاً لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض اعترف بالإخفاقات التي واجهتها الإدارة السابقة في المنطقة مشدّداً على وجوب استخلاص صعوبة رسم واشنطن حدوداً واضحة لانخراطها في المنطقة. خلال عهد أوباما، دعمت واشنطن الثوار المناهضين للأسد وداعش وأعلنت أنها لا تريد تغيير النظام على الرغم من دعمها المقاتلين الذين سعوا لهذا الهدف. وقالت إنّها لا تريد تغيير موازين القوى في المنطقة على الرغم من أنّ سقوط الأسد كان سيؤدّي إلى ذلك.

كما تحدّثت عن أنّها لا تريد تعزيز خصوم تركيا على الرغم من دعمها مقاتلين أكراداً مرتبطين ب "حزب العمّال الكردستانيّ". وقالت أيضاً إنها لا تريد إضعاف روسيا على الرغم من العلاقة بين الأسد وموسكو. هذه التناقضات التي استعرضها مالي دفعت واشنطن إلى أن تكون لاعباً في لعبة إقليميّة ودوليّة لم تكن تريدها. مع ذلك، يدافع مالي عن أوباما بوصفه رجلاً يؤيّد التغيير التدريجيّ ويؤيّد "تصحيح بعض الدرجات" متوقّعاً أن يحدث التغيير الأكبر على المدى البعيد. فمثلاً حين دعا الرياض لفتح قنوات حوار مع طهران، فعل ذلك بليونة فساعدها بالمقابل في الحرب على الحوثيّين. وكتب أنّ أوباما اعتقد بأنّ أحداً آخر سيتابع مسيرته لاحقاً، كهيلاري كلينتون، لكن ليس ترامب.

معالم حلول

ينتقد مالي ترامب لأنّه لم يتّخذ موقفاً أكثر توازناً في الشرق الأوسط، معتبراً أنّ سياساته دفعت إيران إلى تكثيف نشاطاتها الإقليميّة وتجاهل بعض قيودها النوويّة. دعا المسؤول السابق الإدارة إلى وقف مضاعفة التوتّرات، مع أنّه اعترف بأنّ خفض التصعيد مسألة لا تستطيع الولايات المتّحدة وحدها تحمّلها. كذلك، دعاها لوقف ضرب الاقتصاد الإيراني والعودة إلى الاتّفاق النوويّ ثمّ التفاوض على القضايا العالقة. وحضّ الإدارة على وقف معاقبة السلطة الفلسطينيّة وعلى دراسة أساليب جديدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ. شدّد مالي أيضاً على ضرورة تشجيع إيران والسعودية على بناء الثقة في مجالات الأمن البحري والأمن النوويّ وحماية البيئة وشفافية التدريبات العسكريّة، قبل الانتقال لتأسيس هندسة إقليميّة شاملة تهدف إلى معالجة المخاوف الأمنيّة لدى الطرفين.

عن "تقاسم" المنطقة

قدّم مالي صورة تفصيليّة عن المشاكل البنيويّة التي تعاني منها الدول الشرق أوسطيّة والتي تسمح بانتشار الأزمات إلى ما وراء حدودها. إنّ تراكم الأزمات غير المحلولة يصعّب إيجاد علاج للانقسامات المتقاطعة والمتعدّدة المستويات. فدعوة مالي ترامب إلى وقف الضغط الأقصى على إيران والعودة إلى الاتّفاق النوويّ قد تفقد واشنطن ورقة الضغط للتفاوض حول سياساتها الإقليميّة وفقاً لما اقترحه. والأمر نفسه ينطبق على احتمالات التفاوض حول برنامجها الصاروخيّ.

بالمقابل، إنّ دعوة واشنطن إلى بناء الثقة المشتركة بين طهران والرياض قد ينقصها السند الأساسيّ لذلك. حين دعا أوباما الدولتين إلى "تقاسم" المنطقة، وهو ما ذكّر به مالي، أغفل الرئيس السابق أنّ هذه الدعوة هدفت عمليّاً إلى تقاسم السعوديّة أراضيَ عربيّة مع دولة غير عربيّة. حتى أنّ وزير الخارجيّة الأسبق هنري كيسنجر كان يقول إنّ على إيران "أن تختار ما إذا كانت دولة أم قضيّة". فالخيار الثاني يصعّب مسار بناء الثقة. ومع افتراض أنّ هيلاري كلينتون فازت بانتخابات 2016، ليس مؤكّداً أن تكمل مسيرة أوباما من حيث أنهاها في جميع الميادين. فهي أرادت سياسة أكثر راديكاليّة من خيارات أوباما تجاه الأزمة السوريّة مع تأييدها لإقامة منطقة حظر جوّيّ أمكن أن تغيّر المعادلة.

ليست قادرة في كلّ الملفّات

وإذا كان على واشنطن اتّباع خيار جديد كلّيّاً بالنسبة إلى القضيّة الفلسطينيّة، أقلّه لإنجاح "صفقة القرن" الخاصّة بها، فإنّ الملفّات الأخرى تبدو أبعد من أن تتمكّن الولايات المتّحدة حلّها بمفردها، بصرف النظر عن جهودها، كالصراع الخليجيّ-الخليجيّ. حتى الحديث عن دراسة تصنيف الإخوان المسلمين على لائحة الإرهاب في نيسان الماضي، عاد ليخفت مؤخّراً، ربّما بسبب عدم رغبة واشنطن في الانحياز إلى أحد طرفي الصراع في الخليج. ومن الواضح أنّ واشنطن لا تملك رؤية موحّدة إلى دور المقاتلين الأكراد وتركيا في شمال شرق سوريا، مع استعار الخلاف بين الإدارة والكونغرس حول الموضوع. وتضاف التظاهرات في إيران والعراق ولبنان إلى لائحة العوامل الموتّرة للمواجهة الأميركيّة-الإيرانيّة.

في نهاية المطاف، قد تبدو واشنطن عاجزة عن إيجاد الكثير من الحلول التي تتطلّبها الأوضاع الهشّة في الشرق الأوسط. لكنّ شيئاً واحداً يبقى مؤكّداً: مهما علت الوعود الانتخابيّة الأميركيّة بفكّ الارتباط السياسيّ والعسكريّ عن هذه المنطقة، تبقى هذه الوعود أسهل على المستوى النظريّ من المستوى التنفيذيّ.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard