الثورة الاجتماعية الوطنية اللبنانية

19 تشرين الأول 2019 | 14:00

المصدر: "النهار"

أحذية المتظاهرين. (تصوير حسن عسل)

لا بدّ من القول أنه خلال يومين فقط من الإنتفاض، انتفاض أعدادٍ كبيرةٍ جداً من الشعب اللبناني الذي يكبر ككرة ثلج ليضمّ فئات من الناس المنضوية تحت حماية طوائفها لتيقّنها من كذب زعمائها الذين أثروا بشكلٍ فاحش، تاريخيٍ وسريع على حساب لقمة عيشها ومستقبل أولادها، بل ولم تشبع بعد. لقد قرّرت هذه الطائفيات السياسية، منع الهواء والماء والخبز عن رعاياها وعن كل اللبنانيين، وحمّلتها وزر جشعها وخدّرتها لفترةٍ طويلة برمي الفتات لها وبتجنيدها لحماية حقوق الطائفة الوهمية، وذلك، من أجل إبقاء سيف الخضوع مسلطاً على رقابها. في ظلّ هذا الواقع الذي لم ينجح في إيجاد فعاليٍة شعبيةٍ توقفهم عند حدّهم وتقول لهم كفى، على الرغم من عدة انتفاضاتٍ جديّةٍ جرت منذ العام 2011، من حملة إسقاط النظام الطائفي إلى انتفاضات العام 2015، إلى المشاركة الحثيثة في الانتخابات البلدية والنيابية  لكسر الهيمنة اللئيمة وغيرها الكثير من التحرّكات التي جرى قمعها وإخراسها وتدجين وتمييع جزءٍ منها لصالح السلطات الحاكمة، عادت تلك المجموعات للإنتفاض من جديد بعد جملة الضرائب التي فرضتها وبعد أن أوصلت الناس إلى حائطٍ حياتيٍ ووجوديٍ مسدود، إمعاناً منها في التجويع والسيطرة. غير أن مراقبة الحدث هذه المرة، يوضح بأنه بات يتخطىّ بأشواط الإنتفاضات السابقة في بلدٍ صغيرٍ يعرف بعضه جيداً، بلد يتميّز بوجود أحزابٍ فيه عابرة للطوائف حاولت على مدى عشرات السنين تغيير الوضع القائم، وانتزعت ما استطاعته من شبكات تأمينٍ وتعليمٍ وحقوقٍ للطبقة الفقيرة والمتوسّطة في حينه، وأناس واعية للبّ المشكلة، ومثقفين ومتعلمين منفتحين وصحافيين  وخبراء في قراءة التاريخ وفي كيفية الخروج من المآزق، كما بوجود حريات  سمحت بالتعبير والعمل ضمن حدودٍ معينة.  

أقول يتخطّى بأشواط الإنتفاضات السابقة، لأمرين، الأول هو التغيير الحاصل في البنية السياسية التي باتت مسرحاً لمحادل طائفيةٍ ومذهبيةٍ وعائلية تمارس الفساد العلني دون رادعٍ أو وازعٍ أو قانون محاسبة، وفي البنية الاقتصادية التي تعدّت شكلها الرأسمالي الريعي التابع، وباتت تضمّ في صفوفها أشكالاً جديدة من الأثرياء الجدد المنتفعين، الأوليغارشيين المستعلين على كل فئات الناس؛ والثاني، هو الدور الذي لعبته الثورات العربية ولا تزال، في إمكانية  فتح آفاق التغيير كما دور شبكات التواصل الإجتماعي في تطوير وتعزيز الوعي العام.

تراكم

ما يحدث اليوم في لبنان، هو تراكم لكل ما حدث في المراحل السابقة، ويمكن توصيفه بالثورة، بل هو ثورة بكل ما للكلمة من معنى، تحمل في جوانبها أوجاع السواد الأعظم من اللبنانيين بوجه من يحرمهم الحدّ الأدنى من الحياة، هي ثورة طبقةٍ محرومةٍ ضد طبقةٍ أخرى يمتلك أفراد منها كل مقدّرات الدولة والبلاد حتى فاقت تخمتهم القدرة على الإستيعاب وصولاً إلى حالة التسمّم. هذه الطبقة الحاكمة، وهي طبقة، كونها تتقاسم النفوذ وتتفّق على السرقات وتوزّع المغانم وقوت الشعب فيما بينها وتتقاتل فقط على الحصص، جعلت الطبقة المواجهة المتألفة من الناس، كل الناس من كل الطوائف ومن كل الأعمار، تلامس خط الإفقار المتعمّد. والدليل على ذلك، هو مشاركة هذه الأخيرة في الإحتجاجات الأخيرة بقوةٍ وزخم بصفتها الشخصية، الإنسانية، متخطيّة بوعيها ما يسمّونه زوراً "حقوق الطائفة"، وصولاً إلى تحديد حقوقها كأفراد ومواطنين، وهذا تغيير نوعي بمقدوره قلب كافة الموازين إن أُحسن استخدامه.

على أن ما يجعل قلب هذا الواقع رأساً على عقب ممكناً، وهذا هو المطلوب، هو تنظيم مجلس قيادةٍ لهذه الثورة تمنع مصادرتها من أي ثورةٍ مضادّة تتربّص بها. والعناصر المؤهّلة للعب هذا الدور كثيرة جداً، هم الفئة الشبابية والمتوسطة المتمتّعة بحسٍّ وطنيٍ ومعرفي وبخبرات نظريةٍ وعلميةٍ وعمليةٍ كبيرةٍ، وهم يعرفون أنفسهم ويحاولون منذ ما قبل العام 2011 القيام بذلك.

 الظرف الموضوعي الآن، مؤاتٍ، والظرف الذاتي جاهز كذلك، يبقى التبصّر ودرس الخطوات في أوقاتها وتسلسلها دون حرق المراحل، أي، 1) تحديد الأهداف؛ 2) تنظيم مجلسٍ مركزي للقيادة والتشاور؛ 3) تنظيم مجالس محلية في كل المدن والبلدات والأحياء؛ 4) وضع الخطط لكيفية التنفيذ مع خطط بديلة لها؛ 5) الحفاظ على وحدة التحرّكات وإبعاد المجموعات المتطفّلة والإنتهازية والمخرّبة؛ 6) تحديد المفاصل الأساسية التي ينبغي العمل على تعطيلها؛ 7) السير برويّة في تحديد الأولويات والخطوات المتتالية؛ 8) وضع خطط بديلة لعدم إيقاف عجلة الحياة على المواطنين؛ 9) وهذا الأهم، هو إجراء تقويم ساعة بساعة لمجرى الأمور وتبديل الخطط عند الضرورة؛ 10) العمل على إشراك كل الناس بتحمّل المسؤوليات المطلوبة منها؛ 11) الحفاظ على السلمية النسبية للتحركّات...

هذه باختصارٍ شديد، الرؤية اليوم لما يحدث اليوم في لبنان، اليوم لدينا ثورة، علينا حسن استخدامها لقلب الطاولة على رؤوس المافيات الإقتصادية والطائفية والإجتماعية لاستبدالها بممثّلين فعليين للشعب. وليس هناك وهم بتحقيق الكثير مباشرةً، يكفي الآن فقط، النجاح بإسقاط السلطات الثلاث تباعاً، كي تكسر الناس حاجز الخوف لديها الذي بدأ أصلاً، وتشارك في عملية رسم مستقبلها الذي يلبّي طموحاتها ويُبرز وجهها الإنساني  والحضاري، ومن بعده، لكل حدثٍ حديثٍ وصلة. هي الخطوة الجديّة الأولى التي يمكن إطلاق اسم "الثورة الإجتماعية الوطنية اللبنانية" عليها.

لبنان ينتفض!

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard