ألا تزال "وحدات حماية الشعب" مرتبطة بـ"العمّال الكردستاني"؟

16 تشرين الأول 2019 | 16:21

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

جندي أميركي يراقب عناصر من قوات سوريا الديموقراطية ترفع علم مجلس تل أبيض العسكري وتدمّر تحصينات للمقاتلين الأكراد كجزء من عملية إنشاء "المنطقة الآمنة"، 21 أيلول 2019 - "أ ب"

يشدّد المسؤولون التركيّ على أنّ عمليّة أنقرة العسكريّة الجارية حاليّاً في سوريا ليست موجّهة ضدّ الأكراد وإنّما ضدّ "وحدات حماية الشعب/حزب العمّال الكردستانيّ" (YPG/PKK). ويؤكّد المراقبون الأتراك الموالون للحكومة أنّ المسؤولين الأميركيّين أنفسهم يشيرون إلى ارتباط "الوحدات" ب "العمّال" ارتباطاً عضويّاً. والحزب الذي أسّسه عبدالله أوجلان المسجون حاليّاً في تركيا مصنّف على لوائح الإرهاب الأميركيّة والأوروبيّة وفي دول أخرى. بالتالي، من غير المنطقيّ وفقاً للمنظور التركيّ الرسميّ، ألّا يخضع "فرعه" السوريّ إلى التصنيف ذاته وألّا تتمّ محاربته كما تُحارب التنظيمات الإرهابيّة الأخرى. فهل تطوّرت "الوحدات" مع مرور الزمن لتبتعد تدريجيّاً عن "العمّال" أم أنّها لا تزال تحتفظ بالروابط الفكريّة والتنظيميّة نفسها التي "برّرت" شنّ الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان توغّله الحاليّ في شمال شرق سوريا؟

"ميراث فلسفيّ وفكريّ"

بحسب "المشروع الكرديّ" وهو مؤسّسة رأي مقرّها سان فرنسيسكو هدفها "رفع الوعي" في الغرب حول الشعب الكرديّ وثقافته، إنّ "الأتراك مرتابون من التحالف بين ‘حزب العمال الكردستاني‘ و ‘وحدات حماية الشعب‘". ويضيف: "البشمركة قلقة من أنّ ‘وحدات حماية الشعب‘ وراعييها، ‘حزب الاتحاد الديموقراطي‘ الكردي و‘حزب العمال الكردستاني‘ قد يملكان نوايا حول توحيد كردستان الذي يمكن أن يشكّل تهديداً على حكومة كردستان العراق. إنّه وضع متحوّل ويتطوّر إلى حدّ كبير ولا أحد يعلم حقّاً ما الذي يحمله المستقبل".

علم "حزب العمال الكردستاني"

وضمن البرنامج السياسيّ الذي يروّج له الموقع الإلكترونيّ ل "حزب الاتّحاد الديموقراطيّ" الكرديّ، يذكر الأخير أنّ "ثورة 19 تموز 2012 في روج آفا التي انطلقت شرارتها من كوباني، وانتقلت إلى عفرين ومن ثم إلى الجزيرة اعتمدت على الميراث الفلسفيّ والفكريّ للقائد عبدالله أوجلان، الأخير الذي شكّل الأساس في اندلاع انتفاضة/ سرههلدان قامشلو 12 آذار 2004..." وفي نظامه الداخليّ، "يعتبر حزب الاتّحاد الديموقراطيّ (PYD) القائد عبد الله أوجلان – مؤسس نظرية الحضارة الديموقراطية والأمة الديموقراطية – ملهماً له..."

"جزء أيديولوجيّ وتنظيميّ وعسكريّ"

إذاً يعترف "الاتّحاد" بتأثّره الفلسفيّ والفكريّ بعبدالله أوجلان بما يجعل السرديّة التركيّة عن ترابط الحزبين قريبة من الواقع بالحدّ الأدنى. على أيّ حال، قد لا يحتاج المتجوّلون الأجانب في منطقة الإدارة الذاتيّة الكثير من المجهود لكي يعثروا على صور أوجلان معلّقة أو ملصقة على أعمدة وجدران مدن وبلدات تلك المنطقة.

أكراد في تركيا يحملون صورة زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبدالله أوجلان خلال احتفالات النوروز في اسطنبول، 21 آذار 2018 - "أ ب"

في دراسة أصدرتها سنة 2014، ذكرت "مجموعة الأزمات الدوليّة" أنّ "حزب الاتحاد الديموقراطي pyd هو عمليّاً جزء أيديولوجي، وتنظيمي وعسكري من هذا التنظيم اليساري (حزب العمال الكردستاني) الذي ينضوي نظريّاً تحت مظلّة اتحاد الجاليات الكردية. وهو يستفيد أيديولوجياً من سمعة عبد الله أوجلان، الزعيم المخضرم للحزب. وبدعم من حزب العمال الكردستاني، أصبحت قوات الحماية الشعبية (ypg) أقوى قوة عسكرية في المناطق التي يسكنها الأكراد، وتمثّل أحد نجاحاتها في منع المقاتلين الجهاديين من دون هذه المناطق..."

فصائل من الجيش الحر مدعومة من تركيا تطلق النار باتّجاه مسلحين أكراد في منبج، 14 تشرين الأول 2019 - "أ ب"

وتعتبر "وحدات حماية الشعب" نفسها "الجيش الرسمي لروج آفا، ونظمت نفسها بعد هجمات النظام البعثي السوري في عام 2004 على شكل مجموعات صغيرة بهدف حماية الشعب". وتذكر أيضاً على موقعها الإلكترونيّ أنّها "ليست مرتبطة بأي جهة سياسيّة بل هي قوة حماية الأمة الديموقراطية." ومع ذلك، تتّفق تقارير كثيرة، بما فيها ذلك الذي أوردته "مجموعة الأزمات" حول أنّ "الوحدات" هي الذراع العسكريّ ل "حزب الاتحاد الديموقراطي" الكردي. لكن على الرغم من ذلك، يرى مراقبون لشؤون الإرهاب والتطرف أنّ التأثّر الفكريّ منفصل عن التعامل الميدانيّ مع حزب إرهابيّ.

"طرق وأهداف مختلفة"

في 15 أيار 2017، كتب الرئيس المشترك للهيئة التنفيذية في المجتمع الديموقراطي الذي يشكّل "الاتّحاد" جزءاً منه ألدار خليل مقالاً في مجلّة "فورين بوليسي" الأميركيّة أوضح فيه أنّ المجموعات الكرديّة الحديثة تجد جذورها الفلسفية في أفكار واحدة من الشخصيتين التاليتين: مصطفى بارزاني وعبدالله أوجلان. وأوضح أنّ الاختلاف الجوهري بينهما هو دعوة بارزاني إلى دولة قوميّة كرديّة مبنيّة على الأرستوقراطيّة وحكم الأقلّيّة فيما دعا الثاني إلى دولة اشتراكية يتساوى فيها الجميع. لكن مع الوقت، تابع ألدار، تطوّرت أفكار أوجلان من الاشتراكيّة إلى الفيديراليّة حيث بات يعتقد أنّ الديموقراطية هي أفضل طريقة لحماية الحريّات الفردية والجماعيّة. وقال إنّ كردستان العراق طبقت نموذج بارزاني بينما طبّق حزب "العمال" و "حزب الشعوب الديموقراطي" التركيّ ومجموعات أخرى في العراق وإيران فكر أوجلان بطرق مختلفة واتّبعت أهداف مختلفة.

أوجلان معتقلاً في تركيا 1999- "أ ب"

لم ينكر خليل علاقات السوريين الأكراد مع جميع الأحزاب الكرديّة في الدول المجاورة لكنّ تعاليم "العمّال" مختلفة "بشكل عظيم" عن تعاليم "الاتّحاد" وينطبق الأمر نفسه على الظروف السياسيّة والجغرافيّة التي تُطبّق التعاليم في إطارها. وشدّد على أنّه "يمكننا تقاسم أب فلسفيّ مؤسّس من دون أن نكون المنظّمة نفسها مشيراً إلى أنّ لدى الطرفين قيادة وأعضاء مختلفين. وأضاف أنّ إردوغان يخلط بين الحزبين لأنّ هذا الخلط "يناسبه".

"خطأ جسيم"

يعتقد مراقبون آخرون فعلاً بوجود "خلط" على هذا المستوى. ترى مديرة "المركز الدولي لدراسة التطرف العنفيّ" الدكتورة آن سبيكهارد أنّ "حزب العمال الكردستاني" الذي يواصل الأتراك "الخلط" بينه وبين "الوحدات" يتمتع بمقرّاته في جبال قنديل العراقية لا في سوريا. و"الوحدات" التي تشكل الجزء البارز من "قوات سوريا الديموقراطية" تعبّر عن "الأكراد الذين قاتلوا ببسالة لهزيمة داعش ميدانياً وإنقاذ الأيزيديين من أن يُقتلوا بطريقة إبادية في جبل سنجار".

فصائل من الجيش الحر مدعومة من تركيا في مناورات استعدادية للتوغل العسكري، 7 تشرين الأول 2019 - "أ ب"

أضافت سبيكهارد أنّه في الوقت الذي يتعاطف مسؤولون بارزون في "قسد" مع المشروع الكردي الأكبر ويبجّلون أوجلان لتوحيده الكرد ورؤياه حول القيادة من القاعدة إلى الهرم، يعلن هؤلاء أنّهم لا يسمحون "للعمّال" بأن ينشط على أراضيهم "ولا وجود لديل واضح بأنّهم يفعلون ذلك". وأشارت إلى أنّ "العمّال" هو مسألة تركية مع تداعيات في العراق لا في سوريا، إذ إنّ الحزب انتقل من فترة طويلة إلى جبال قنديل في العراق حيث نجح من هناك بتجنيد كوادر إرهابية تركية داخل البلاد. وأكّدت سبيكهارد أنّ الخلط بين "الوحدات" و"العمال" هو "خطأ جسيم".

بين "التطوّر" و "التناقض"

كتّاب كثر ألقوا الضوء على التحوّلات التي استجدّت على أفكار أوجلان لكن أيضاً على التمايزات التي أمْلتها التطوّرات السياسيّة على "الاتّحاد" و "الوحدات" داخل سوريا. ذكر المراسل البارز في مجلّة "ماذر جونز" الأميركيّة شاين بوير في 8 تشرين الأوّل، أنّه حين كان أوجلان خلف القضبان، استمرّ أتباعه في سوريا بتنظيم أنفسهم فأسّسوا حزب "الاتّحاد" سنة 2003 التي كانت عقيدته متطابقة مع عقيدة "العمّال" لكنّ مظالم أتباع أوجلان من حكم البعث في سوريا صاغت تلك العقيدة. وأضاف أنّه من الصعب المبالغة في كيفية تحول السياسات بشكل جذريّ في روج آفا (غرب كردستان) منذ تأسيس الإدارة الذاتيّة سنة 2013. وشرح أنّها عوضاً عن أن تكون متمحورة حول رجل قوي واحد أو سلطة مركزية، تنتظم الأراضي الواقعة ضمن إدارتها وفقاً لكانتونات ومناطق خاضعة لحكمها الذاتي الداخلي بشكل كبير، إضافة إلى المؤسّسات.

"قوات سوريا الديموقراطية" التي تشكل "وحدات حماية الشعب" عصبها الأساسي - "أ ب"

في هذا الوقت، يتشبّث الأتراك بموقفهم من "الوحدات" وباتّهام الولايات المتّحدة ب "التناقض" في مواقفها بناء على التقارير الصادرة من واشنطن. في 13 شباط 2018، انتقدت شبكة "تي آر تي" التركيّة تقريرين صدر أحدهما عن المجتمع الاستخباريّ في الولايات المتّحدة والذي وصف "الوحدات" على أنّها فرع ل "العمّال" فيما صدر الثاني عن المفتّش العام في وزارة الدفاع الأميركيّة رفض اتّهام "الوحدات" بالإرهاب على الرغم من أنّه يذكر أنّ واشنطن تصنّف "العمّال" كحزب إرهابيّ. وفيما وصفته الشبكة ب "التناقضات"، تابعت الإشارة إلى مقاطع من التقرير الذي وجد أنّه "عقب تحرير الرقة، احتفل بعض المقاتلين الأكراد ضمن ‘قسد‘ بالنصر عبر رفع لافتة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وأعادوا الفضل إلى أوجلان لتأمين القوة العقيديّة التي مكّنتهم من السيطرة على معقل داعش."

صراع هامشيّ

مع وجود هذا الاختلاف الجذريّ في الرؤى إلى موقع "حزب الاتّحاد الديموقراطيّ" ودور ذراعه السياسيّة "وحدات حماية الشعب" وطبيعة ارتباطاتها مع "حزب العمّال الكردستانيّ"، تبقى المعركة السياسيّة والعسكريّة حول شمال شرق سوريا غير مرتبطة بشكل أساسيّ حول اختلاف التوصيفات. لم ينسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تلك المنطقة بناء على اقتناعه بالحجج التي قدّمها نظيره التركيّ لإقامة "المنطقة الآمنة". بالمقابل، إنّ المسؤولين الغربيّين الذي يناهضون التوغّل التركيّ، إنّما يبدون معارضتهم بناء على المخاوف من "تطهير عرقيّ" أو من فرار أسرى داعش وإعادة تنظيم صفوفهم. على هامش هذا الصراع السياسيّ، من المتوقّع أن يستمرّ صراع السرديّات حول مدى علاقة "الاتّحاد" و "الوحدات" ب "العمّال" لفترة غير قصيرة.

الحراك إلى أين؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard