وسط القاهرة... نموذج للتسامح رغم المدّ السّلفي

17 تشرين الأول 2019 | 17:28

المصدر: النهار

وسط القاهرة في أربعينيات القرن الماضي

ظلت منطقة وسط القاهرة، منذ إنشائها في نهايات القرن التاسع عشر، ولنحو قرن من الزمان، حيّاً راقياً، يمتزج معماره غربي الطراز بعبق الشرق الساحر: بنايات أنيقة، شوارع مرصوفة ومتسعة، ومجتمع منفتح يحتضن أناساً من جنسيات وخلفيات فكرية وعقائدية متباينة. أحوال المنطقة تبدلت شيئا فشيئاً بعد قيام ثورة 23 تموز 1952، وبلغت ذروة تحولاتها مع تصاعد تأثير تيارات الإسلام السياسي بمصر، خاصة التيار السلفي بشقيه الجهادي والدعوي، وسريان خطابه المتشدد كالنار في الهشيم.
مع تصاعد تلك التيارات في سبعينيات القرن الماضي، وتغلغلها في المجتمع المصري وداخل المؤسسات الدينية الرسمية، بدأت شرارات الفتنة تتطاير في كل مكان، لتشعل نيران الكراهية بين أناس عاشوا معاً بسلام وتقبّل للآخر. وما سرّع وتيرة توهج نيران الفتنة، الرياح السياسية التي أعقبت ثورة 23 تموز، والتي ظلت تدفع نحو رفض المختلف، وبثّت الكراهية ضد الأجانب، وخوّنت المعارضين للسلطة، ورسّخت نظرية المؤامرة عبر آلة إعلامية ضخمة ووحيدة أمّمتها الدولة حينها، وأذكى خطابها الأحادي الصراع العربي مع إسرائيل، وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

إلى جانب هذا، غيّرت الثورة التركيبة السكانية لوسط المدينة، ولعل فيلم "عمارة يعقوبيان"، يطرح رؤية سينمائية تكشف بعضاً مما شهدته تلك المنطقة الحيوية من تحولات ديموغرافية وثقافية واجتماعية، من خلال تركيزه على إحدى أهم عمائر "وسط البلد"، التي كان يسكنها أجانب وأثرياء مصريون إلى جانب بعض اليهود.

ومن المثير للتأمل، أنه على الرغم من رفض نسبة كبيرة من المصريين لتيارات الإسلام السياسي، بعد إطاحة جماعة الإخوان المسلمين من السلطة في 30 حزيران 2013، وانكشاف الكثير من المعلومات حول هذه الجماعات وتضليلها وضلالها وأهدافها ومدى خطورتها على المجتمع، إلا أن الرفض النسبي لخطاب الكراهية التي روّجته تلك التيارات، لم يواكبه قدر مماثل من رفض التعصب وإقصاء الآخر، حيث بدا هذا التوجه وكأنه مكوّن ثقافي جديد يصعب فصله عن المجتمع وتفكير نسبة كبيرة من أفراده، بمن في ذلك مَن دفعته الصدمة الفكرية إلى إقصاء الدين جانباً، والاتجاه نحو الإلحاد أو اللادينية.

شارع طلعت حرب

التشدّد يزحف

يقول منير أديب الخبير المتخصص في الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي لـ"النهار": "إن الخطاب الديني المتشدد أثّر بشكل كبير في المنطقة العربية بشكل عام، وليس في مصر وحدها، وهو ما أدى لانكماش فكرة التسامح، وتلاشت أية أفكار لها علاقة بقبول الآخر في هذا البلد".

يضيف أديب: "وسط العاصمة في أي دولة بالعالم يكون فيها تقبل للآخر بنسبة كبيرة، ودائماً ما ينتشر التشدد في الجنوب أو على أطراف العاصمة. في باريس على سبيل المثال، تجد المتعصبين الذين ينفذون عمليات إرهابية يعيشون في الجنوب، أو على أطراف العاصمة الفرنسية، وغالباً يكونون من أصول عربية، ولا يعيشون في وسط العاصمة أبداً".

"ما حدث في مصر أن الخطاب الديني زحف إلى وسط العاصمة والأحياء الراقية التي تمتعت في وقت من الأوقات بتنوع فكري وعقائدي وأيديولوجي وحتى إثني، إن جاز التعبير" يقول خبير الحركات الإسلامية، "هذا أدى إلى غياب التسامح إلى حد كبير، وقد حدث تغيّر ديموغرافي فكري عقائدي ثقافي في وسط القاهرة. هذا انعكاس لانتشار التشدد والأفكار السلفية التي زحفت إلى أغلب الأماكن بمصر".

ويرى أديب أن "هذا يدل على مدى انتشار تأثير جماعات العنف والتشدد على مساحات واسعة كبيرة، والانتشار ليس بالضرورة أن يكون مادياً، أي في شكل تواجد عناصر تلك الجماعات كأشخاص في وسط المدينة، أو حصولهم على مقاعد برلمانية فيها، ولكن من الممكن أن يكونوا غائبين مادياً، ولكنهم في الوقت ذاته، حاضرين بأفكارهم وتأثيرهم. كيف يمكننا أن نلحظ هذا؟ يمكننا أن نتلمسه من خلال ما نشهده من تغيرات سلوكية وفكرية على منطقة وسط البلد".

تحولات نفسية

ويقول الدكتور جمال فيرويز استشاري الطب النفسي لـ"النهار": "كانت الشخصية المصرية (قبل زحف تيارات الإسلام السياسي)، طيبة ومتسامحة، وكان هناك تعاون داخل الأسرة، كما أن المصريين كانوا يسارعون لمساعدة الغرباء، وأي شخص يحتاج لعونهم".

ويضيف الأستاذ الجامعي: "كان الجانب الديني مهماً، لكنه كان يسيراً، وكما كنا نقول، إن المصري مؤمن بالفطرة، لأن الحياة كانت بسيطة، والتدين بسيطاً وميسراً، وحينما ظهر السلفيون على الساحة، تشددوا في كل شيء، وأخذوا يكفّرون الناس، ويحضّون على القتل والعنف، وتعنتوا في أمور بسيطة مثل من لا يغسل كوعه في الصلاة فهو آثم، ومن لا يفعل كذا يُقتل، ومن يفعل كذا يُقتل، فبغّضوا الناس في دينهم".

هذا التشدد، وفق رأي استشاري الطب النفسي "جعل الناس لا تتقبل الحديث الميسر من الدين، وحتى حين يتحدث بعض رجاله بالأسلوب القديم البسيط، لم يعد يتقبله الناس. وقد لاحظنا أن هناك موجة مضادة للتشدد، فقد تزايدت نسب الإلحاد والمثلية الجنسية، وارتفعت موجات الرفض للدين والتدين".

غزو ومقاومة

المشهد تبدل كثيراً هنا، تلك الشوارع والميادين التي كانت تضاهي شوارع باريس وأوروبا، والتي كانت تستقبل الأمراء والنبلاء والأدباء والفنانين بملابسهم الأنيقة، باتت تعج بالمتسولين وعمال مواقف السيارات المنتشرة في شوارع مختنقة مرورياً.

واجهات البيوت ذات الطراز المستوحى من العمارة الأوروبية، يكسو معظمها غبار أدخنة السيارات، تماماً كما غشي روح هذه المنطقة "غبار الحرائق" التي أشعلها خطاب "الفتنة" السلفي.

احتلت واجهات تلك العمائر متاجر الملابس والأحذية ومطاعم الوجبات السريعة التي يملك كثيراً منها منتمون للتيارات الإسلامية.

وأسطح المباني التي كانت نظيفة وفيها غرف مخصصة للغسيل وخدمة سكان العقارات، بات بعضها مهجوراً تحتله أكوام القمامة، وبعضها الآخر يسكنه أشخاص قدم أغلبهم من بيئات ريفية هي الأكثر تأثراً بالخطاب الديني المتشدد.

ورغم هذا، ما زالت منطقة وسط القاهرة، تجاهد للحفاظ على ما تبقى من طابعها المميز. السواد الأعظم من سكانها أضحى من المصريين، القليل منهم من أبناء وأحفاد سكانها الأصليين، اختفى اليهود واليونانيون والأوروبيون الذين كانوا يسكنون ويعملون في هذا الحي العريق.

تبقّى القليل من البارات وقاعات الرقص الشرقي، إضافة إلى عدد صغير من المقاهي التي تستقبل أطيافاً متنوعة أيديولوجياً، وفكرياً، وعقائدياً، وجنسياً، وهم في الغالب لا يبوحون صراحة بحقيقة أفكارهم وميولهم سوى في دوائرهم الضيفة المغلقة، فالمجتمع المحيط بهم لم يعد متقبلاً للاختلاف، يرفض الإسلاميين، وروحه متأثرة بتعصبهم ورفضهم للآخر المختلف.

هل هناك أزمة غذاء ومواد استهلاكية في السوق؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard