هل ناور إردوغان الأوروبيين بنجاح؟

13 تشرين الأول 2019 | 15:34

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل نظيره التركي رجب طيب إردوغان في الإليزيه، كانون الثاني 2018 - "أ ب"

أبدت جميع الدول الأوروبية البارزة موقفاً مناهضاً للتوغّل التركيّ في شمال شرق سوريا ضمن عمليّة "نبع السلام" وفقاً للتسمية التركيّة. حتى بريطانيا التي احتفظت بموقف معتدل خلال هجوم "غصن الزيتون" ضدّ عفرين السنة الماضية، دعت أنقرة إلى وقف عمليّتها العسكريّة الحاليّة. وفي اتّصال مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس السبت، عبّر رئيس الوزراء البريطانيّ بوريس جونسون عن "قلق عميق" إزاء الهجوم مشيراً إلى أنّه قد يفاقم الوضع الإنسانيّ ويقوّض التقدّم الذي تمّ إحرازه ضدّ داعش. وحضّ الرئيسَ التركيّ على وقف الهجوم والدخول في حوار قائلاً إنّ بريطانيا والشركاء الدوليّين مستعدّون لدعم مفاوضات تفضي لوقف إطلاق النار.

تعليق مبيعات أسلحة بالجملة

إلى الآن، ترفض تركيا إيقاف العمليّة العسكريّة كما ترفض الحوار مع "الإرهابيّين"، وفقاً لما قاله وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في حوار مع شبكة "دويتشه فيليه" الألمانيّة ردّاً على وساطة عرضها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. وقال إنّ الحلّ الوحيد يكمن في إلقاء المقاتلين الأكراد أسلحتهم. في هذه الأثناء، علّقت دول أوروبيّة عدّة مبيعات أسلحتها إلى تركيا. أعلنت وزارة الخارجيّة الهولّنديّة هذا الأمر يوم الجمعة ودعا نائب رئيس الوزراء الهولّنديّ "الدول الأخرى الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي إلى القيام بالأمر نفسه". وكانت النرويج قد سبقتها إلى ذلك يوم الخميس.

وفي عددها الصادر اليوم، نقلت صحيفة "بيلد" عن وزير الخارجيّة الألمانيّ هايكو ماس إيقاف تصدير الأسلحة إلى تركيا علماً أنّ الأخيرة هي أكبر مستورد للأسلحة الألمانيّة داخل حلف شمال الأطلسيّ (ناتو). كذلك، علّقت فرنسا كلّ صادرات الأسلحة إلى أنقرة بدءاً من يوم أمس.

مخاوف خاصّة

لفرنسا مخاوف خاصّة إزاء ما يجري في شمال شرق سوريا. فهي تملك قوّات على الأرض إلى جانب القوّات الأميركيّة ممّا يجعل العمليّة العسكريّة مهدّدة لأمن جنودها. وكان مسؤولون أميركيّون قد تحدّثوا عن سقوط قذائف مدفعيّة بالقرب من مركز عسكريّ أميركيّ في كوباني بدون إصابات. من جهة ثانية، لفرنسا كما للدول الأوروبية الأخرى قلق من هروب عشرات آلاف المقاتلين من داعش وأسَرهم من مراكز الاعتقال التي يحرسها المقاتلون الأكراد بسبب اضطرار هؤلاء إلى إعادة نشر قوّاتهم باتّجاه الجبهات الأماميّة.

وهنالك حوالي 2500 مقاتل أجنبيّ من داعش يتحدّرون بمعظمهم من أوروبا وقد رفضت دولها إعادة استقبالهم خوفاً من تشكيلهم خطراً أمنيّاً على مجتمعاتها. وكرّر ترامب مراراً ضرورة تحمّل الأوروبيين مسؤوليّات هؤلاء المقاتلين، لكنّ أوروبا فضّلت تأجيل البتّ بمصيرهم إلى أن أوشكوا تجسيد صداع جديد للحكومات الأوروبية مع غياب اليقين بشأن إمكانيّة الأكراد في الاستمرار بحراستهم. وفرّ اليوم الأحد 785 شخصاً من عائلات داعش من مخيّم عين عيسى بعد تعرّضه للقصف التركيّ وفقاً للإدارة الذاتيّة الكرديّة.

في خطوات لفتت أنظار المراقبين حينها، استقبل الرئيس الفرنسيّ إيمّانويل ماكرون وفداً من "قوّات سوريا الديموقراطيّة" (قسد) في آذار 2018 مؤكّداً "دعم فرنسا" لها. وأمل الإليزيه في في "عقد حوار بين قسد وتركيا بمساعدة فرنسا والمجتمع الدوليّ". وفي كانون الأوّل 2018، استضاف ماكرون الرئيسة المشاركة ل "مجلس سوريا الديموقراطيّة" إلهام أحمد قبل أن يستقبل وفداً آخر من "قسد" في نيسان الماضي مجدّداً دعم بلاده لمقاتليه في مواجهة داعش. وفي الشهر نفسه، أعلن وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان إيف لودريان عن مساعدة إنسانيّة بقيمة مليون يورو للنازحين في المخيّمات التي يديرها الأكراد في شمال شرق سوريا.


التلويح ب "فتح البوّابات"

يقف الأوروبيون عموماً عند مفترق طرق بارز إزاء التوغّل التركيّ. بعدما أطلقت الحكومات الأوروبية تنديداتها بالعمليّة العسكريّة، ردّ إردوغان عبر تهديدها بإرسال 3.6 ملايين لاجئ سوريّ إلى أراضيها. لكنّ التهديد ليس جديداً، إذ قال أوائل أيلول إنّه "سيتفح البوّابات" أمام اللاجئين في حال غياب الدعم الأوروبي ل "المنطقة الآمنة". من بين أبرز الأسباب التي دفعته إلى شنّ هجومه على شمال شرق سوريا إضافة إلى تخلّصه ممّن يصفهم ب "الإرهابيّين"، إعادة توطين ما لا يقّل عن مليون لاجئ سوريّ في تلك المنطقة.

في العلاقة المتوتّرة بين تركيا والأوروبيين، برز طويلاً ملفّ اللاجئين السوريّين الذي تسلّح به إردوغان ليمارس ضغطه عليهم. ظنّ الأوروبيون أنّه بتوقيعهم على اتّفاق خاص مع أنقرة حول اللاجئين في آذار 2016، استطاعوا أن يطووا صفحة مهمّة من هذا الملفّ. لكن يبدو أنّهم كانوا مخطئين. دفع الأوروبيون 6.2 مليار دولار من أصل 6.6 مليارات تعهّدوها بموجب الاتّفاق، بينما تقول تركيا إنّ نصف هذا المبلغ فقط تمّ تحويله. في هذا الوقت يستمرّ إردوغان بممارسة الضغوط عليهم من خلال التلويح ب "فتح البوّابات".

ماذا ينقص الأوروبيين؟

يظهر أنّ استفادة أنقرة من قسم كبير من المبلغ على الأقلّ، لم تمنعها من التحرّك لتوطين عدد هائل من اللاجئين في شمال شرق سوريا. وسيترك هذا الأمر تداعيات على مستوى احتمال إعادة تجميع الإرهابيّين لأنفسهم وإطلاق حملة تغيير ديموغرافيّ قد تزعزعان استقرار المنطقة لسنوات طويلة. وستتعرّض أوروبا لتلقّي ارتدادات هذه النتائج أمنيّاً واجتماعيّاً، من دون أن يكون لديها بالضرورة نفوذ كبير لمواجهة الأتراك. غداً، سيعقد وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبي اجتماعاً في بروكسل من أجل مناقشة التوغّل التركيّ، لكنّ نتائج الاجتماع قد لا تكون حاسمة.

في حديث إلى شبكة "فرانس-24" منذ ثلاثة أيّام، قال مدير مكتب أنقرة في "صندوق مارشال الألمانيّ" أوزغور أونلوهيراشيكلي إنّ الأوروبيّين بحاجة للتعاون مع تركيا حول مسائل جوهريّة كإدارة شؤون اللاجئين. وهذا سبب أساسيّ لكونهم "لا يملكون نفوذاً كبيراً على أنقرة". أمّا المتخصص في الشؤون التركيّة في "جمعية هنري جاكسون" البريطانيّة سايمن وولدمان فرأى أنّ الأوروبيين "لا يزال ينقصهم الإرادة السياسيّة لاتّخاذ أي "تحرّك ذي معنى" خلال الأزمة الحاليّة. وفقاً لوولدمان، "تنقصهم الإرادة والأفكار" معاً.

الحراك إلى أين؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard