"صوتي" ينطلق الليلة في "مونو"... سينوغرافيا تحاكي ندوب المرأة والتغنّي بالعذابات

10 تشرين الأول 2019 | 15:02

المصدر: "النهار"

الثلاثي ثريا بغدادي، نادرة عساف ويولا خليفة أثناء تأدية عرض "صوتي".

كلّما كبر المرء، علق عليه غبار السنين، فيستحيل ملازماً له. يعتقد البعض أنّ رماد الأيام الميّتة والاختبارات المشتعلة تضفي على حاملها ألقاً وحكمةً. يوم تصفعنا الحياة وتخرمش وجهنا تاركةً ما درجنا على تسميته "تجاعيد"، تحاشياً للاعتراف بانتصار العمر، نقف تماماً كما وقفت ثريا بغدادي، الممثلة ومصممة الرقص، نتفرّس بوجوهنا أمام المرآة، نُدرك أنّنا أصبحنا أجداداً لأحفادنا. من هنا، تقدّم بغدادي بالإضافة إلى نادرة عساف، يولا ورامي خليفة عرض "صوتي"، على مسرح "مونو"، جامعين الشعر بالنثر والرقص. يبدأ العرض مساء اليوم عند الساعة الثامنة والنصف، ويستمر حتى الأحد 13 تشرين الأول.

يوم أدركت بغدادي ما آل إليه جسدها، وبعدما أصبحت "تيتا"، التقت بنادرة عساف التي سحرها عالم يولا خليفة وأدهشتها أغنياتها فعرضت عليها تصميم عرض راقص على أنغامها. تستذكر ثريا اللحظة فتبتسم. راحت الفكرة تنضج أكثر فأكثر مع اللقاءات المتكررة. فكان عرض "صوتي" (إخراج شادي الزين). الشوق لتقديم عمل محوره الأنوثة جمع سيدات ثلاث، لكلٍّ منها تجاربها وهويّتها وعالمها الخاص. بغدادي، الخارجة من بيروت الممزّقة عشيّة اندلاع الحرب إلى باريس، محمّلةً بما اكتسبته من تجربتها في الرقص الشرقي وتلمذتها على عبدالحليم كركلا. وعساف المتخصصة في الفنون الجميلة في الرقص، وصاحبة الخبرة الطويلة في الرقص المعاصر، وخليفة المنشدة التي تعرّف إليه الجمهور العالمي وأحبّ موسيقاها. انتقين مجموعة أغانٍ من مجموعة ألبومات خليفة وحضّرن كوريوغرافيا جمعت الشرقي بالمعاصر، الشعر بالموسيقى، والمسرح التصويري بالأنوثة الحكيمة.

"يوم قدّمنا العرض الأول كان شَعري قد ابيضّ وأصبحتُ جدّة"، تقول بغدادي لـ"النهار" بضحكتها الطفولية: "أردت أن أقول أنّ لكلّ عمر جماليته وخصوصيته". تتكلّم على النوستالجيا والحنين والتصالح مع الذات ومع الجسد والتغييرات الفيزيولوجية  - البيولوجية. هذه رسالتنا كثلاث سيدات في منتصف العمر". تضحك مجددةً، ينخفض صوتها قليلاً كأنّها تسرّ إلينا حديثاً خاصاً، يعود فيرتفع بالفرنسية، "تتخوّف المرأة من التقدّم بالعمر، أتعلمون؟ أحمل اليوم ندوب الزمن هذه كدروع تذكارية". تعود بالزمن إلى الوراء، إلى طفولتها. تستذكر هاجسها الأكبر يومها، "أن أكون الأفضل ولربما أكبر مما أنا عليه". تجزم اليوم أن الأفضل أن يبقى الإنسان "على قد حاله".

ترى بغدادي في العرض عملاً حميماً يخصّ كلّ مَن شارك فيه ويعنيه بشدّة. تركّز فيه، إلى جانب خليفة وعساف، على "تآلف الإنسان مع حماميته". بالنسبة إليها، حمّلته كلّ رسائلها وكل ما أرادت أن تقوله عن الأنثى. تعتبره "انطلاقة نحو الآخر، وفيه تتحدّد هويات مجموعة نساء من أعمار مختلفة".

بعد نجاح "صوتي" قبل عامين، يوم قدّم للمرة الأولى وحضره مئات الأشخاص، عاد شادي الزين وتولّى الإخراج ثانيةً. نجاح العمل في العام 2017 حضّه والسيدات الثلاث على إعادة الكرّة. "أولّف وأقتبس العرض، هذا عملي كمخرج". استوحى الزين من أغاني خليفة، يوم ولج بدوره عالمها. راق له تدرّج الأغنيات كما انتقاها الثلاثي. "أخلق توليفةً عن حواء والانسان بالمطلق". يعتبر أنه، بطبيعة الحال، "في حديثنا عن حواء نتكلّم على آدم". يبحث من خلال العرض عن تلك الأنثى الصغيرة التي تسكنه. "في داخل كلّ رجلٍ زاوية أنثوية في شخصيته، والعكس، مما يُكمل دورة الحياة". يرفض الزين أن يحمل العمل شعار "النسوية". لا يجب جمع التضداد ضمن إطار "صوتي". "العمل يركّز على الرجل كما المرأة ولا يُعلي من شأن أحدهم على حساب الآخر".

تقدّم يولا خليفة في العمل نخبة من أغنياتها. تغنّي عن الهجرة، والحرب، والشرخ ضمن البيئة الواحدة والعائلة الواحدة. تسأل بغدادي وعساف المنشدة عن ابنها ساري. "أين هو؟". يظهر فجأة. يعزف مقطوعات موسيقية تضقي سحراً على العرض. الفلكلور والحب والغربة والشجن وغيرها، مواضيع كثيرة تثيرها الأغنيات المنتقاة وتتناولها. يسعى الزين عبر الإدارة الفنية والسينوغرافيا والإضاءة إلى تبيان المراحل العمرية التي تمر بها المرأة. يُظهِر حالاتها النفسية كافة، امتلاءها بالحكمة، حملها وإعطاءها الحياة. في العرض أيضاً، سعيٌ لإظهار حقيقة المرأة. تتعرّى النفس الأنثوية على المسرح، فتتسربل بالكوريغرافيا والسينوغرافيا "ذات العناصر البسيطة". يرى الزين أنّ "بين هذه العناصر، من ثياب إلى إضاءة وأغانٍ ومؤدّين من فرقة "لبيروت" والسيدات الثلاث، حديثٌ وانسجام". يروق له ألبوم "في الطريق"، الرابع ليولا. يسحره جملة "قل لهم يا حب لمَ على السماء يقتتلون؟". هذا العمق أسره فطفق يفكّر بمشهدية ملائمة لها. "العرض حالم ومبهر، يأخذنا في رحلة بين طيّات حياة المرأة والرجل، بعيداً من الضوضاء والزحمة اليومية". يرى فيه "تغنياً بعذابات الرجل والمرأة".

"تاريخ المرأة مليء بالمعاناة"، يؤردف زين، "في الأنتروبولوجيا نسمّيها "اسمنت المجتمع"، أي أنها تعمل على اللُّحمة بين عناصر المجتمع. نريد أن نقول أن آدم خرج من امرأة، استكمالاً لقصة خروجها من ضلعه". لم يشعر الزين بأي صعوبة في التعامل مع السيدات الثلاث. وضعن ثقتهم في المسرحي ومدرّب الرقص الشاب، المتخصص بالعلاقات الانسانية وعلم النفس. لشادي خبرة واسعة في عالم المسرح وتحريك الدمى. استوحي من عالم يولا خليفة، وزاد الطبقة الإخراجية على ما حضّرت وزميلتيها. زاد عناصر السينوغرافيا، نظّم التحرّكات، وعمل بشغف مع أعضاء جمعية "لبيروت الثقافة والفنون الجميلة" التي أسسها العام الماضي ومع رامي خليفة.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard