من الجهة المضادّة للموت هذا الصباح

6 تشرين الأول 2019 | 10:09

من الجهة المضادّة للموت.


ذهبتُ إليكَ هذا الصباح، في الجهة المضادّة للقهر، لأرى كيف تعيش أنتَ حياتكَ التي ربّما أنا لا أعرف أنْ أعيشها، ولألمس بالعين المجرّدة، ماذا تفعل أنتَ بالشمس عندما تقرّر هي أنْ تظلّ تُراودكَ، غصبًا عنكَ، فجرَ كلّ يوم، بعد ليلٍ عميق.

أنتَ منتقمٌ جيّدٌ لي، أيّها الصديق العزيز. فأنتَ منصرفٌ تمامًا إلى مساءلة أحوال ذاتكَ، وأنتَ – يا لجدارتكَ الشعريّة - تائهٌ للغاية عن أفكار الشمس تلك، إلى حدّ عدم إعارتها أيَّ اهتمامٍ يُذكَر.


إنّها – يا لصفاقتها – أنانيّةٌ بشكلٍ لا يوصَف. فهي لا تفكّر إلّا بأنْ تتعرّى لكَ، على طريقة نجمات الإباحة السينمائيّة.

هي ترسل إليكَ أشعّتها الجنسيّة الحميمة، وأنتَ تصرّ على مخاطبتها باللامبالاة.

أنتَ تسخر منها بإيقاعاتكَ اللاهية، وهي تمعن في استخدام السذاجة الحارقة نفسها.

كم ينبغي لها أنْ تدرك رغبتكَ المجّانيّة في اللاشيء، علمًا أنَكَ توهمها بهمهماتٍ مبهمة توازي الضحك على الذقون.

بيننا، أنتَ وأنا، لغاتٌ كثيفة، لكنّنا ننأى بنفسينا عن اللغات، في مسألة التخاطب، لئلّا نقع في ما يقع فيه الفلاسفة من تفسيرٍ وتأويل.

أنتَ لا تطالبني بشيء، وأنا في المقابل لا أبتغيكَ إلّا لذاتكَ.

إنّها زيارةٌ خاطفةٌ لكَ فحسب.

محضُ زيارةٍ عابرةٍ إلى جهتكَ المضادّة للموت، الهدف منها أنّها بلا هدف، سوى سؤال خاطركَ الذكيّ، والوقوف على آخر أفكاركَ في شأن فساد الدنيا، وانتصاركَ على منطق السوق، ولعبة الحياة والموت.

إنّي مضطرٌّ قليلًا إلى التغيّب، بسبب البحث عن الخبز.

إنّي مضطرٌّ دائمًا إلى التغيّب، لأنّي مقيمٌ في الجهة المصرّة على الموت.

هل ينبغي لي دائمًا أنْ أذكّركَ بأنّ أشغال الشرط البشريّ، هناك، ترهق كياني، وتمنعني من الانتباه إلى معناكَ، والسهر عليكَ، أو حتّى الإنصات إليكَ في العبث وفي الالتياع.

إنّها زيارةٌ لإحدى جهاتكَ المضادّة للموت، وللاعتراف لكَ أيضًا وأبدًا، بأنّي ما كنتُ أعتقدني قادرًا على منحكَ موهبتي الصافية في الصداقة. وبأنّكَ قادرٌ في المقابل على منحي موهبتكَ الموازية في الصداقة.

لكنّي، ها بتٌّ أستخلص الآن، كما في كلّ مرّة، أنّ المسألة بيننا، أنا وأنتَ أيّها الصديق - البحر، ليست مسألة وفاءٍ وصداقة، بقدْر ما هي إنعامُ نظرٍ في لاجدوى أيِّ اهتمامٍ آخر.

جهتكَ المضادّة للموت، أيّها البحر، سأظلّ أكافح لجعلها جهة الحياة الدائمة.

ليس لأجل ربحٍ عابرٍ، أيّها البحر. بل انتقامًا للحياة.

واعلمْ جيّدًا، أيّها الصديق، أنّ انتقامي ينبغي له أنْ يكون جيّدًا، نكايةً، أيضًا، أيّها الصديق، بالموت القهريّ الذي عندنا هناك!

Akl.awit@annahar.com.lb












أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard