لا يحبّون الخريف. أنا أحبّه

16 أيلول 2019 | 14:03

المصدر: "النهار"

أحبّ الخريف.

الناس عمومًا، في غالبهم الأعمّ تقريبًا، لا يحبّون الخريف، لأسبابٍ جمّة ومتنوّعة، وأحيانًا متضاربة. من هذه الأسباب، أنّه خريف. ومنها أنّه يحمل معه، دفعةً واحدةً، هموم الحياة واستحقاقاتها، فضلًا عن كونه يحمل في طيّاته نُذُرَ الشتاء.

الحياة المفضّلة التي أبتغيها لنفسي، هي حياتي في الخريف.

لا أقصد خريف العمر، ولا ربيعه. بل الخريف، باعتباره زمنًا، أو وقتًا، حيث أواكب أحوال الطبيعة المتغيّرة، غيومًا، أو نسائم، أو أمواج بحر، أو شروقًا، أو غروبًا، أو أواكب – يا لنزقه – ذاك الشجر الذي يروح، كلّ لحظةٍ، يتعرّى من أوراقه ومن ظلاله، في بدايات هذا الفصل، وصولًا إلى مرحلة العري الكامل.

الشجرُ الخريفيُّ، أعشق تعرّيه.

الشجرُ الخريفيُّ، ممحونٌ تعرّيه.


هو يمزّ التعرّي مزًّا محنّكًا، كمَن يشرب العرق بتؤدة، بأريحيّة، بطول أناة، بتبحّر، بنسيان، بشرود، بهذيان. معًا وفي آنٍ واحد.

ذلك عندي، لا يستدعي أيّ حزنٍ، من مثل الأحزان التي تتناهى إلى مُستشعِري الزوال، الرومنطيقيّين، الذين يستدرج عندهم هذا الوقتُ من السنة، أحاسيس السويداء والميلانخوليا، فيغمرهم بها، ويصيرون أسرى كآباتٍ جامحةٍ قد تفضي ببعضهم أحيانًا إلى الانطواء، أو الانهيار النفسيّ، أو الهلوسة، أو الانتحار.

لا شيء من ذلك البتّة. بل العكس تمامًا.

بل أكثر: إمعانٌ في الخريف إلى حدّ الاتّحاد بأرواحه الدفينة، التي تفضي بي إلى نوعٍ من استشعار الحصانة العارية من كلّ قناع، والخالية من أيّ متراسٍ، أو دفاع، حيث ذروة العزاء الأعزل السعيد، الذي لا يوفّره لي أيُّ فصلٍ آخر من فصول السنة، سوى الشتاء نفسه بالذات.

وإذ أدّعي هذا الشعور بالعكس، وأغتبط به أيّما اغتباط، فإنّي أقصد تلك المشاعر المضادّة للاكتئاب، من مثل الامتلاء، أو الانتشاء، أو الشبق الكامل، الذي لا ينغّصه منغّصٌ، ولا يعتريه نقصان.

إنّي لو استطعتُ، لأمضيتُ وقتي كلّه، خلال هذا الفصل، في عيش هذا العري عيشًا كيانيًّا وشعريًّا، هاشلًا في براري الكلمات، وهاشلًا خصوصًا، وأوّلًا، في براري الذات، في دخيلائها، مستمدًّا منها طاقةً ديناميّةً خلّاقة، تجعلني قادرًا، أكثر وأعمق، على امتصاص جهنميّة الشرط البشريّ ومعاييره، هنا والآن.

ها هو يتعرّى الشجرُ أمامي، وفي أعماق روحي، كما في خيالي، مثلما تتعرّى امرأةٌ موهوبةٌ، تحت عينيَّ المغمضتَين.

تحت عينيَّ المغمضتَين، أقول، من أجل أن أرى عريها بكامله، بمراياه، بظلاله، بأحلامه، وبصرخة انتشاءاته الجنسيّة، وارتداداتها المتلاحقة.

ثمّ، هناك عري الغيوم يمنحني الاختفاء، والامّحاء، والانتقال، من دون أنْ أُرى بالعين، ومن دون أنْ أُدرَك بالحواسّ.

هكذا، بموهبة هذا العري، في مقدوري أنْ "أنتقل" لأرى ما لا تتيسّر رؤيته، وأدرك ما يعجز عنه الإدراك، فأحظى بعريٍ نادرٍ غير مسبوق، أستبقيه مؤونةً لفصول الشقاء!

لا يحبّون الخريف. خسارة. أنا أحبّه!

Akl.awit@annahar.com.lb

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard