هل يحقّق ترامب ما عجز عنه الـ"كاي جي بي"؟

8 أيلول 2019 | 18:44

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب - "أ ب"

"‘هنالك شخصان أعتقد أنّ بوتين يدفع لهما: (النائب الجمهوري السابق داينا) روراباكر وترامب‘ (...). حين ضحك بعض هؤلاء الحاضرين، أضاف ماكارثي: ‘أقسم بالله‘!"

هذا الحديث الذي تمّ تسجيله سرّاً والذي دار بين زعيم الجمهوريّين في مجلس النواب كيفن ماكارثي وزملاء له خلف الأبواب المغلقة في حزيران 2016، ينقله الباحث البارز في "معهد هوفر" (جامعة ستانفورد-كاليفورنيا) ستيفن كوتكين عبر دراسة مطوّلة نشرها عدد تمّوز-آب من مجلّة "فورين أفيرز" الأميركيّة.

كوتكين، وهو أيضاً مؤسس ومدير مشارك لبرنامج التاريخ وممارسة الديبلوماسيّة في جامعة برينستون (نيو جيرسي)، تطرّق إلى ما وجده وما لم يجده روبرت مولر في تحقيقه حول تواطؤ محتمل لحملة ترامب مع روسيا. لم تقتصر الدراسة على ما بات معلوماً من نقاط تقنيّة وقانونيّة حول تقرير مولر. لقد توسّع الباحث كي يشير إلى أنّ هذا التحقيق يمكن أن يعلّم أميركا الكثير عن كيفيّة استعادة دورها المؤسّساتي والوقوف في وجه التدخلات الروسيّة.

"إفلاس سابع" وفوضوية إيجابية

على الرغم من أنّ الباحث يبدي احتمالاً في أن تتحوّل رئاسة ترامب إلى "إفلاس سابع" بالنظر إلى ستّ إفلاسات لشركاته بين 1991 و 2009 علماً أنّه تفادى إعلان إفلاس شخصيّ فيها، ينقض كوتكين الكثير من المزاعم الأخرى حول علاقة ترامب بالروس: "لم تكن روسيا بحاجة للتواطؤ مع حملة ترامب الفوضويّة".

ويشير إلى ما قاله صهر الرئيس الأميركيّ جارد كوشنر سنة 2017: "ظنّوا أنّنا تواصلنا (مع الروس لمساعدتنا في حملتنا الانتخابيّة). لكن لم يكن بإمكاننا أن نتواصل حتى مع مكاتبنا المحلّيّة". وفي تعليق ساخر، يتابع كوتكين: "غير مذنب بسبب عدم الكفاءة". يبدو أنّ فوضويّة حملة ترامب هي التي عرقلت إلى حدّ بعيد تواصل الروس معها، وهذا ما وجده التقرير بالاستناد إلى ما قاله المسؤول الحكوميّ الروسي السابق بيتر أفين إلى محققي مولر: "وفقاً لأفين، أشار بوتين إلى أنّه لم يعلم مع من يتحدّث رسميّاً وعموماً لم يعلم الاشخاص المحيطين بالرئيس المنتخب". وأضاف الباحث نقلا عن التحقيق "لقد بدوا لا يملكون اتصالات موجودة سلفاً وعانوا في التواصل مع مسؤولين بارزين حول الرئيس المنتخب".

يرى كوتكين أنّ هذا كان "المفاجأة الكبيرة" التي خلص إليها التقرير. يفسّر ذلك بأنّ "عالم ترامب قد يكون فوضوياً جداً كي يتمّ التلاعب به". ويقدّم تفسيراً آخر مفاده أنّ الاستخبارات الروسيّة أقلّ مقدرة ممّا تخيّله البعض خصوصاً عند محاولة التحرّك على الأراضي الأميركيّة وتحت رقابة مكتب التحقيقات الفيديرالي "أف بي آي"، بالمقارنة مع ما هو عليه الأمر عند محاولة الهجوم عبر شبكة الإنترنت عن بعد.

ويرى الباحث أنّ أبرز ما كشفه التحقيق هو أنّ "بوتين، على افتراض، أمكن أن يساعد ترامب على أن يتمّ انتخابه، لكن لم يكن بإمكانه التحدث إليه...". وهذا ينفي أيضاً أنّ الروس كانوا يسعون لاختراق الحملة من أجل يكسبوا معلومات محرجة يمكن أن يبتزّوا بها ترامب، كما أوضح كوتكين.

لكن هل ينهي ذلك ملفّ الضرر ولو غير المباشر الذي يمكن أن يلحقه ترامب بالمؤسّسات الأميركيّة؟ لا. لكنّ هذا النفي يحتاج إلى تفصيل.

ثمّ أتى ترامب

برزت مشكلة في الداخل الروسيّ يبدو أنها انتقلت مؤخّراً إلى الداخل الأميركيّ. خلال الحرب الباردة، حاول جهاز "كاي جي بي" السوفياتيّ تحقيق حلمه بتفكيك حلف شمال الأطلسيّ والحلف الأميركيّ-الشرق آسيوي. كذلك، عمل على ضرب ثقة الأميركيّين بنزاهة قضائهم وإعلامهم ونظامهم السياسيّ. لا "كاي جي بي" ولا خلفاؤه بعد الحقبة السوفياتيّة كانوا قادرين على تدمير النظام الأميركي، مهما حاولوا. "ثمّ أتى ترامب"، تابع كوتكين.

يعترف الأخير بأنّ مقارنة غورباتشيف-ترامب ليست مكتملة. صحيح أنّ غورباتشيف بإصلاحاته الداخليّة والسماح بالمظاهرات ضدّ الحزب الشيوعيّ وإدخاله آليات السوق الحرّة وغيرها حقّق حلم وكالة المخابرات المركزيّة "سي آي أي وهو تدمير الاتّحاد السوفياتي. لكنّ الولايات المتّحدة ليست نظاماً شيوعيّاً بل نظاماً دستوريّاً ومجتمعاً منفتحاً وسوقاً ديناميّة.

مع ذلك، يضيء كوتكين على أنّ الرئيس الأميركيّ الحاليّ ينتهج خطاباً من قواعد عمل "كاي جي بي" مثل اعتبار الصحافة عدوة الشعب وأجهزة إنفاذ القانون فاسدة وأن "ناتو" منظّمة "عفا عنها الزمن".

اللافت في دراسة كوتكين إشارته إلى الأخطاء التي ارتكبها الأميركيّون على ضفّتي الصراع. ف "خيال" تمتّع كرملين بالقوّة المطلقة شتّت تركيز الأميركيّين كثيراً عن إخفاقاتهم الخاصّة. وهذا الخطأ وقع فيه السوفيات والروس أيضاً. فقد اعتقد هؤلاء أنّ غورباتشيف كان عميلاً للأميركيّين بدلاً من توجيه أنظارهم إلى الأسباب الموضوعيّة التي أدّت إلى انهيار الاتّحاد السوفياتي. ويضيف الباحث أنّ الجمهور الأميركيّ يحتاج لا إلى فهم ما فعلته روسيا بل أيضاً إلى فهم ما لم تفعله. فهي لم تختر مرشحَي الحزبين إلى الرئاسة ولم تخترع المجمع الانتخابي. كذلك، لم تصمم روسيا نقاط العطب في آلات التصويت الأميركيّة، كما لم تؤسّس منصّات تواصل اجتماعي تحفّز الأميركيّين على إشباع حاجتهم كي يكونوا دوماً غاضبين.

أمّا بالنسبة إلى حساسيّة ترامب تجاه أيّ ذكر للتدخل الروسي، فيشير التقرير إلى غياب الأمان النفسيّ لدى ترامب تجاه احتمال نزع الشرعية عن الانتخابات إضافة إلى رغبته ببناء برج في موسكو. وأبرز التقرير بشكل سريع أنّ ترامب حاول أن يعقد صفقات في دول سوفياتية سابقة كجورجيا وقازاقستان.

هوس أم هديّة؟

يخلص الباحث إلى أنّ ما فعلته روسيا كان مساهمة هامشيّة في فوز ترامب مضيفاً أنّ بوتين نجح في جعل الأميركيين "مهووسين" بروسيا بشكل "غير صحّي". لكنه لم يبدُ خائفاً على مستقبل بلاده: "تملك الولايات المتّحدة مؤسسات مرنة (كنقيض لمؤسسات روسيا الفاسدة)، اقتصاداً ضخماً (كنقيض لاقتصاد روسيا المتوسط) ومجتمعاً مدنياً قوياً ومنظماً (كنقيض للمجتمع المدني الروسي المضطهد). لهذا السبب يواصل روّاد الأعمال الروس المتعلمون جداً الهجرة إلى الولايات المتّحدة".

لا يُتوقع أن يخفّ التجاذب الكبير الذي ولّدته رئاسة ترامب خلال السنة المقبلة، أو السنوات الخمس اللاحقة إذا فاز بولاية ثانية. بالفعل، إنّ حوالي سنتين من التحقيقات لم تساعد المجتمع الأميركي على حلّ معضلة طبيعة علاقة ترامب بالروس وسبب إعجابه بالرئيس الروسيّ. لكن مع ذلك، تبقى تطلّعات الرئيس الأميركيّ إلى تحسين العلاقة مع موسكو نظريّة أكثر ممّا هي عمليّة. تؤكّد ذلك العقوبات الكثيرة التي فرضتها الإدارة على روسيا إضافة إلى استمرار توسّع الأطلسيّ شرقاً وتعزيز أمن الدول الأوروبية المحاذية لروسيا. على أيّ حال، أبقى تقرير مولر الباب مفتوحاً أمام كلّ التأويلات.

فالجمهوريّون يشدّدون على أنّ تقرير مولر لم يجد دليلاً "ضدّ ترامب أو أعضاء من حملته تواطؤوا أو نسّقوا مع الحكومة الروسية في نشاطات تدخّلها في الانتخابات"، بعد كلّ هذه المدّة وكلّ الاستجوابات التي طالت حوالي 500 شخص. بالمقابل، لا يزال الديموقراطيون مصرّين على أنّ مولر "لم يبرّئ" ترامب من التعاون مع روسيا ومن محاولة عرقلة سير العدالة. اللافت أكثر من أنّ التقرير لم يعطِ فوزاً لأيّ من الطرفين، هو أنّه لم يقدّم أي فرصة للمصالحة بينهما بحسب الباحث. بالنسبة إليه، ليس الرئيس الأميركيّ فرصة لانتقاد الروس على ما فعلوه في الانتخابات الرئاسية وحسب، لكن الأهمّ، أنّه فرصة لإجراء نقد ذاتيّ وتصحيح الخلل التقنيّ والاجتماعيّ والسياسيّ الذي يعتري النظام الأميركيّ:

"بكلفة مرتفعة، بإمكان ترامب أن يكون هديّة، إذا فُهمت بشكل مناسب".

أناشار بصبوص من "جيل" جبران تويني

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard