رومان بولانسكي: وسائل التواصل تدين وتحاكم من دون محكمة

3 أيلول 2019 | 18:53

المصدر: "النهار"

رومان بولانسكي.

غاب المخرج الفرنكو بولوني رومان بولانسكي عن مهرجان البندقية السينمائي (٢٨ آب - ٧ أيلول) هذا العام لتقديم "إني أتّهم" المشارك في المسابقة. الفيلم عن قضية الضابط الفرنسي اليهودي ألفرد درايفوس الذي اتُّهم زوراً في العام ١٨٩٤ بالتجسس لمصلحة الألمان وبيع أسرار عسكرية لهم. حوكم بالخيانة العظمى واستُبعد من الجيش، قبل ان تتم تبرئته، بعد نشر اميل زولا رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية. كُثُرٌيعتبرون ان هذه الحادثة تمهّد لأوروبا النازية. اليهودي بولانسكي عانى بدوره من الاضطهاد على مر حياته: في زمن النازية (عاش في غيتو كراكوفيا وهو طفل)، ثم بعد مقتل زوجته شارون تايت في الولايات المتحدة، وأخيراً اثر واقعة ممارسته الجنس مع قاصر في العام ١٩٧٧، القضية التي تلاحقه منذ عقود، بالرغم من ان الضحية اسقطت حقّها.

مشاركة بولانسكي في البندقية هذا العام كادت تتحول إلى أزمة قبل ان تتم لملمتها. فرئيسة لجنة التحكيم المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتل عبّرت عن انزعاجها من وجوده في المسابقة، وقالت انها لن تحضر الحفل المخصص للفيلم بعد عرضه الأول، ثم وضّحت كلامها في بيان قائلة انها فُهمت خطأ وإنها ليست ضد مشاركة بولانسكي.

جان دوجاردان ولوي غاريل في “إني أتّهم”.

مدير المهرجان ألبرتو باربيرا كرر مراراً انه يجب فصل الفنّان عن الإنسان. أيضاً من المدافعين عن بولانسكي كاترين دونوف. الممثّلة التي جسّدت دور كارول في"نفور" لبولانسكي في العام ١٩٦٥، اعتبرت ان الرجل دفع ثمن غلطته، وكفى!

في الملف الصحافي لـ"إني أتّهم"، نُشر حوار للكاتب الفرنسي باسكال بروكنير مع بولانسكي. سأله بروكنير من بين أسئلة عدة: كيهودي ملاحق أثناء الحرب ومخرج مضطهد في بولونيا الستالينية، هل ستتمكن من الانتصار على ماكارثية النسوية الجديدة التي تطاردك إلى كلّ مكان وتحاول منع عرض أفلامك؟ فيرد بولانسكي: "إنجاز فيلم كهذا يفيدني جداً. أحياناً، أجد في حكاية درايفوس لحظات عشتها بنفسي. أرى الاصرار نفسه في إنكار الوقائع وادانتي بأمور لم أفعلها. معظم الناس الذين يطاردونني لا يعرفونني ولا يعرفون شيئاً عن القضية".

يسأله بروكنير: هل تنوي الدفاع عن نفسك؟ فيرد: ما النفع؟ كأني أنحني أمام طواحين الهواء.

يرفض بولانسكي اعتبار الفيلم بمنزلة علاج. "لا، لا أعمل على هذا النحو. عملي ليس علاجاً. مع ذلك، يجب أن أعترف بأني لستُ غريباً عن الاضطهاد الذي نراه في الفيلم، ومن الواضح انه ألهمني".

فريق الفيلم في مهرجان البندقية.

يقول بولانسكي ان كلّ شيء بدأ بعد مقتل زوجته شارون تايت في العام ١٩٦٩. "النحو الذي يراني فيه الناس اليوم بدأ مع موت شارون تايت. عندما وقعت الجريمة، رغم أني كنت أمر في حالة مرعبة، استحوذت الصحافة على القضية، وغطّتها بأكثر الطرق حقارةً، ملمّحةً، من بين أشياء أخرى، إلى أنني من المسؤولين عن مقتلها. بالنسبة إلى هؤلاء، فيلمي "طفل روزماري" كان يؤكد أنني على صلة بالشياطين. استمرت هذه الحال أشهراً عدة إلى أن قبضت الشرطة على القتلة الحقيقيين، تشارلز مانسون و"عائلته". هذا الشيء لا يزال يطاردني إلى اليوم. ككرة ثلج، كلّ موسم يضيف اليها طبقة جديدة. حكايات عبثية لنساء لم أرهنّ في حياتي تتّهمني بأشياء مفترض انها حصلت قبل أكثر من نصف قرن".

يقول بولانسكي ان الحكايات الكبيرة غالباً ما تصنع أفلاماً كبيرة، وقضية درايفوس حكاية استثنائية. حكاية رجل يُتَّهم زوراً دائماً مدهشة في نظره، لكنها مشكلة آنية جداً، نظراً إلى صعود معاداة السامية في أوروبا والعالم. يحكي بولانسكي لبروكنير انه عندما كان يافعاً، شاهد الفيلم الأميركي "حياة إميل زولا"، وصعقه مشهد اذلال درايفوس. حتى يومها، قال في سره: "قد أنجز يوماً ما فيلماً عن هذه الحكاية الرهيبة".

"عندما اقترحتُ المشروع قبل سبعة أعوام على أصدقائي وشركائي، تحمّسوا للفكرة، لكنهم كانوا يعتقدون انه من الضروري إنجازه بالإنكليزية لضمان تمويل الموزعين العالميين، خصوصاً في أميركا. (…) ستانلي كوبريك صوّر فيلمه "دروب المجد" عن الحرب العالمية الأولى بالإنكليزية. ولكن شخصياً، لم يكن في إمكاني رؤية كلّ هؤلاء الجنرالات الفرنسيين يتحدّثون الإنكليزية. بعد الانتهاء من اقتباس "الكاتب الشبح" مع روبرت هاريس، بدأنا مباشرة العمل على درايفوس، لأن روبرت كان جد متحمّس. في البداية، بدا بديهياً أن نروي الحكاية من وجهة نظر درايفوس، ولكن سرعان ما أدركنا ان الأمر لن ينجح، فكلّ الحركة مع كلّ شخصياته وتقلباته، كانت تحدث في باريس، في حين درايفوس قابع في جزيرة الشيطان. الحكاية الوحيدة الممكنة كانت عن عذاباته. عانينا من هذه المشكلة لوقت طويل، ثم بعد عام من العمل، وجد روبرت الحلّ لمعضلتنا: كان الأفضل أن نترك درايفوس على صخرته، ونقول الحكاية من وجهة نظر الكولونيل بيكار. ولكن، كان يجب أن نعتاش، فقررنا أن نضع المشروع جانباً. أخرجتُ خلال هذه الفترة فيلماً آخر، وكتب روبرت رواية عن قضية درايفوس. عمل على الموضوع لعام، وتحوّل كتابه "ضابط وجاسوس" المستند إلى بحوث تاريخية،إلى بست سيلر. في غضون ذلك، انتهيتُ من "فينوس بالفراء"، وعندما عدنا إلى حكايتنا، كنّا نعرف كيف نرويها".

عن الكولونيل بيكار (الشخصية الرئيسية في الفيلم التي يضطلع بدورها الممثّل جان دوجاردان)، يقول بولانسكي انه كاراكتير مدهش ومعقّد في آن واحد. "هو ليس من الناشطين في معاداة السامية. لا يحب اليهود، ولكن هذا الشيء تقليد أكثر منه قناعة. عندما يدرك براءة درايفوس، يعتبر القضية شخصية، ويقرر كشف الملابسات. عندما يخبر مراجعه العليا بالحقيقة، يُؤمَر بالسكوت: الجيش لا يرتكب أخطاء كهذه! رغم فشل ١٨٧٠ (الحرب بين فرنسا وألمانيا) الجيش، على غرار الكنيسة، مقدّس. لا يهمّ اذا شعر الجنود بالندم أو وجدوا أنفسهم أمام معضلة أخلاقية: العسكر فوق الحقيقة وفوق العدالة. في الفيلم، يوجد حوار بين بيكار والرائد هنري. يقول هنري لبيكار: "اذا طلبتَ مني أن أقتل، فسأقتل. ثم عدتَ لتقول اننا أخطأنا في حق القتيل، فسأقول لك هذا ليس ذنبي؛ أنا أنفذ أوامر. نحن عسكر، هكذا هم العسكر". فيردّ عليه بيكار بالقول: "قد يكون هذا عسكرك، أيها الرائد، ولكن ليس عسكري". هذا التبادل يعكس واقعاً لا يزال موجوداً إلى اليوم. الجنود مجبرون على القتل من أجل بلدانهم. واذا وقعت جريمة، غير مجبرين على كشفها. في تلك المرحلة، كان هناك معادون لدرايفوس ومساندون له! ثم أُثبِتت براءته. لذلك، خرجت فرنسا من القضية بصورة جيدة نسبياً، حتى لو لم تُحل القضية الا بعد ١٢ عاماً وكادت تجر البلاد إلى حرب أهلية".

يؤكد بولانسكي ان زولا هو الذي كشف النقاب عن القضية عندما كتب "إني أتّهم" متوجهاً بالرسالة إلى رئيس الجمهورية. "من دونه، لا أحد يعرف كيف كانت ستنتهي القضية. جورج كليمنصو كذلك اضطلع بدور مهم. بعدها بسبع سنوات، عندما أصبح رئيساً للوزراء، عيّن بيكار وزيراً للحرب. زولا دفع سبب التزامه غالياً، كونه حوكم بالسجن لمدة عام ودفع غرامة قدرها ٣٠٠٠ فرنك فرنسي. مات مسموماً من دخان احتراق الموقدة في بيته، والبعض يقول ان المعادين لدرايفوس قتلوه. أياً يكن، جريدة "لا ليبر بارول" المعادية للسامية لصاحبها ادوار درومون، عبّرت عن بهجتها لخبر موته.

أخيراً، يقول بولانسكي انه في ظلّ التكنولوجيات الحالية، قضية يُدان فيها شخص استناداً إلى تحليل مفبرك لخط يده مستحيلة اليوم. "قضية كهذه لن تحصل حتماً في الجيش اليوم، لأن عقلية الجيش تغيرت، فلم يعد مقدّساً. اليوم، مسموح بأن ننتقد أي شيء، بما فيه الجيش، خلافاً لفترة ماضية كانت سلطة العسكر فيها مطلقة. ولكن، قضية أخرى ممكنة بالتأكيد. كلّ المكوّنات هنا: إتهامات باطلة، إجراءات قضائية فاشلة، قضاة فاسدون، وفوق هذا كله وسائل تواصل اجتماعي تدين وتحاكم من دون محكمة وحق في الاستئناف".

اقرأ للكاتب أيضاً: البندقية ٧٦ – "نحو النجوم": جيمس غراي تائهٌ في الفضاء!

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard