مهرجان البندقية الـ٧٦: لا تحفة سينمائية حتى الآن!
Smaller Bigger

حتى مساء الأحد الفائت، كان قد عُرض في مهرجان البندقية السينمائي (٢٧ آب - ٧ أيلول) نحو نصف عدد أفلام المسابقة التي تترأس لجنة تحكيمها هذا العام المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتيل. جرياً على العادة، بدت الأفلام التي شاهدناها على جزيرة الليدو متفاوتة القيمة والمستوى. وكالعادة أيضاً، سألنا أنفسنا والزملاء غير مرّة عن السبب الذي جعل فيلم المخرج الفلاني يدخل المسابقة رغم ضعف قيمته الفنية.

لا تتوافق آراء النقّاد دائماً مع آراء الجمهور العريض الذي توجّه إلى البندقية بأعداد كبيرة تحت حرارة عالية جداً. حتى النقّاد منقسمون حول العديد من الأفلام، أحدها "نحو النجوم" لجيمس غراي الذي خذلنا، في حين اعتبره آخرون تحفة سينمائية. فيلم آخر لم يكن هناك اجماع حوله وهو "إني أتّهم" للمخرج الكبير رومان بولانسكي. أما الفيلمان اللذان نالا أكبر قدر من التصفيق خلال عرضهما الصحافي (العروض الجماهيرية كلها متشابهة لناحية التصفيق)، فهما "الجوكر" لتود فيليبس حيث يقدّم يواكين فينيكس أداء باهراً، و"حكاية زواج" لنوا بومباك. أما الفيلم السعودي، "المرشّحة المثالية" لهيفاء المنصور (الفيلم العربي الوحيد الذي يتسابق على "الأسد الذهب")، فلم يقنع كثرا من النقاد. في الآتي، جولة على بعض الأفلام المعروضة في الدورة السادسة والسبعين (التي تنتهي السبت المقبل)، على أن نعود في جولات لاحقة للتحدّث عن أفلام أخرى أبهرتنا أو خذلتنا أو بقينا لامبالين حيالها.

"نحو النجوم" هو الخذلان الأكبر في هذه الدورة إلى الآن. فيلم مخيب بقدر عظمة جيمس غراي الذي مدّنا بروائع في السنوات الأخيرة. يغامر غراي بعيداً من عالمه الواقعي المعتاد، سواء الذي بناه في نيويورك أو في أدغال الأمازون، لكنه يحافظ مع ذلك على بعض تيماته مثل رابط الدم بين الشخصيات الذي يعمّق الصراع، إلا أنه يتبدى جلياً، وبسرعة قياسية، أنه ليس سوى لزوم ما لا يلزم.

غراي ليس الأول ولن يكون آخر مَن يتيه في الفضاء الخارجي الواسع، الوجهة التي اختارها لفيلمه، في نوع من مغامرة علمية خيالية تحاول التميز، إلا أنها، في النهاية، لا تسمن ولا تغني عن جوع. كثر تاهوا في الفضاء، من ديفيد لينتش إلى براين دبالما وغيرهما. الفيلم إذاً رحلة رائد الفضاء روي ماكبرايد (براد بيت) إلى أقاصي النظام الشمسي، بحثاً عن والده (تومي لي جونز) الذي سافر إلى هناك قبل سنوات ولم يعد، يوم كان البحث عن حياة في كواكب أخرى دارجاً. سيتولى روي المهمة مع إحساس أنه المخلّص، مدفوعا بحجّة شخصية. يموضع غراي أحداث فيلمه في مستقبلٍ قريب يشبه حاضرنا، مع الفرق ان شركات سفر باتت ترسل سياحاً إلى القمر حيث نشأت مستعمرات. ومن هنا السؤال: لماذا يريد غراي هذا "التشويش" على حاضرنا، ذلك ان لا فرق كبيراً بين ما نعيشه وما نراه على الشاشة لناحية التطور التكنولوجي؟ المسألة الأخرى، ولعلها أجمل ما في الفيلم، هي هذه البساطة التعبيرية التي تثري سينما غراي. المخرج الكبير لا يحتاج إلى الكثير ليبهر، الا ان المساحات المتاحة أمامه تؤكد أن البعض يحتاج إلى قيود وضغوط كي يخرج أفضل ما لديه.