البندقية ٧٦ - روي أندرسون من مخرج دعايات إلى "برغمان المهرّج"

1 أيلول 2019 | 23:08

المصدر: "النهار"

"حمامة تحط على غصن وتتأمل الوجود".

روي أندرسون (١٩٤٣) سينمائي أسوجي مُقلّ، لم ينجز سوى ستّة أفلام روائية طويلة في نصف قرن. عام ٢٠٠٠ خطف جائزة لجنة التحكيم في كانّ من يد لوك بوسون عن "أغنية الطابق الثاني" الذي اشتغل أربعة أعوام على تحقيقه. بعدها قدّم "أنتَ، العيش" (٢٠٠٧)، سجّل به مشاركته الثانية في كانّ، ولكن هذه المرة في قسم "نظرة ما". قبل خمسة أعوام، فاز بـ"أسد البندقية" عن "حمامة تحط على غصن وتتأمل الوجود"، وها اننا ننتظر بعد غد جديده "عن الأبدية".

معروف عن أندرسون اجتهاده في مجال الدعايات التلفزيونية. هو رجل صورة لا كلام. لهذا أفلامه شبه صامتة، تتخللها تمتمات ووشوشات لا أكثر. فبين ١٩٧٥، تاريخ إنجاز فيلمه الثاني "غيلياب"، و٢٠٠٠ الذي جاء بـ"أغنية الطابق الثاني"، لم يقدّم أندرسون أي عمل جديد. السبب هو ان "غيلياب" لم يستحوذ على الإعجاب النقدي ولم يُغوِ الجمهور، فابتعد عن السينما كلياً. ولكن هذا لا يعني انه جلس على غصن شجرة يتأمل الوجود، بل أنجز نحواً من ٤٠٠ اعلان تجاري لمحطات اسكندينافية مختلفة، صاقلاً بها معارفه التقنية.

"أنت، العيش".


إعلانات أندرسون الترويجية تستحق وقفة. فهي تفيض بالطرافة والسخرية الهدامة المتفلتة من كلّ قيود الأخلاق الحميدة، لكن مع المحافظة على مكانة الشخصيات المقترحة واحترام عقل المتفرج. إنغمار برغمان كان يعتبر أندرسون أفضل مَن أنجز أفلاماً دعائية، وهي للمناسبة ساعدت صاحبها في تمويل أفلامه الروائية الطويلة. وتصعب معرفة اذا كانت أفلامه السينمائية أثّرت في الدعايات أو العكس. فهناك نقطة مشتركة بينهما: تلك البرودة في تصوير الشخوص، الجمود، الحركة البطيئة، العبثية، اللقطة الواحدة، الخ. هذا كله يعطي الدعاية بُعداً آخر، يمسّ المتلقّي مسّاً مختلفاً، فيبدأ يلمس فيها فلسفة المخرج في التعاطي مع الطبيعة البشرية، تلك التي يعتمدها في أفلامه للشاشة. إعلانات أندرسون تتسم بهذا الاختلاف الذي يجعل مخرجها يقول عنها بأنها "ليست تجارية". فكيف لإعلان تجاري ألاّ يكون تجارياً؟ وكيف منحت شركة "تريغ هانسا" للتأمين كلّ هذه الحرية لفنّان يريد إنجاز إعلانات تجارية "غير تجارية"؟ وحده أندرسون يمتلك الجواب عن مثل هذا السؤال.

ذات مرة اعترف المخرج الدانماركي لارس فون ترير إنه "يخاف" أندرسون، ويشكّل بالنسبة اليه تهديداً حقيقياً. صرّح بهذا يوم تسابقا معاً على "سعفة" كانّ التي ذهبت في النهاية إلى ترير وفيلمه "راقصة في الظلام". لعل أندرسون كان أحق بها.

ينتج أندرسون، بكادراته الأنيقة والمشغولة والثابتة، التي تطغى عليها ألوان ميتة ودافئة كالأزرق والرمادي والبيج والأخضر الباهت، تشكيلا بصريا فيه شيء من كآبة الروح والضجر والأسى المكبوت. أفلامه نظيفة، مهذّبة، إلى حد الاختناق، والانفجار... والموت. انه موت يحكيه الضوء، الضوء الخافت للبلد الذي يأتي منه، وقد يفهمه الإنسان أفضل اذا زار مدينته غوتنبرغ كما أتيحت لي الفرصة في العام ٢٠١٧. بعضهم أطلق عليه تسمية "برغمان المهرّج". فلا شيء جدّياً عنده، ولا شيء مضحكاً فعلاً. سينماه بين بين. تستخرج المأساة من قلب الملهاة، والملهاة من قلب المأساة. عبثية المواقف التي يضع فيها شخوصه هي من مقوّمات سينماه. شخوصه نماذج في البلادة، لكنه لا يهزأ منهم، كما هي الحال مع زميله النمسوي أولريش زيدل، اذ يمنحهم أسباباً تخفيفية ويراعي معاناتهم الشخصية. سينماه تحاول إعادة النظر في القيم الاسكندينافية ليعرّيها ويتأملها.

"أغنية الطابق الثاني".

لا تتوقّعوا فيضاً من المشاعر المتضاربة وعذابات ناتجة من التأرجح المستمر بين الشك واليقين، كمخرج أسوج الأشهر. المشاعر عند شخصياته مكبوتة كي تنفجر من الداخل. ولا يمكن تجاهل الجسمانية في عمله. الشخصيات التي نراها هي أولاً حضور جسدي قبل أن تكون قلباً وعاطفة. أفلامه مصممة ومهندسة كي تبقى راسخة في الذهن، وتقيم في الذاكرة السينيفيلية لأطول فترة ممكنة.

في "حمامة تحط على غصن وتتأمل الوجود"، هناك بضعة مَشاهد قد تدخل بأسرع وقت في معاجم السينما: ١) رجل يقع على الأرض في مطعم. إنها النهاية بالنسبة اليه: ولكن، بمَ تهتم موظفة الصندوق في تلك اللحظة؟ بالطعام الذي دفع الراحل ثمنه. همّها الآن مَن الذي سيأخذ هذا الطعام. ٢) فوج من العسكر يدخل حانة ومعهم ملك. على جلالته أن يدخل الحمّام لقضاء حاجة. بيد أن الحمّام مشغول!

عبثية وانعدام منطق وإيقاع بطيء وملل ما هو سوى المللالأوروبي. هذا بعض ما نجده في محتوى أفلامه، التي بعضها ليست سوى تمرين فيلمي على إضاعة الوقت وإطالته. ولكن أي محاولة لشرحها وتفنيدها وإيجاد معنى لها، أشبه بمحاولة شرح الحياة نفسها. ماذا يُمكن الكتابة في أفلام هذا الرجل ونحن نعلم أنها أولاً وأخيراً تجربة بصرية وحسية لا شفهية، أي أن الكلام فيها لا يفيد اذا لم يكن مصحوباً بمشاهدة تخوّلك "لمس" ألوان الفيلم الباهتة القريبة من حالة الاحتضار. مهلاً: لن يفيدك أيضاً أن تسأل أندرسون عمّا أراد قوله، فأندرسون غير قابل للتصنيف على الرغم من المحاولات، يفسر الماء بالماء، ويذكّرنا بأن وظيفة المخرج ليست بالضرورة التعليق على فيلمه. وعندما يشرح أن فيلمه "حمامة…" مستوحى من "سارقو الدراجات" لفيتوريو دو سيكا، عبثاً نحاول أن نفهم العلاقة بين الفيلمين!

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard