البندقية ٧٦ – "المرشّحة المثالية": هيفاء المنصور تنشر الغسيل الشرق الأوسطي

30 آب 2019 | 11:21

المصدر: "النهار"

ميلا الزهراني في “المرشّحة المثالية” لهيفاء المنصور.

في "المرشّحة المثالية"، لا تتردد المخرجة السعودية هيفاء المنصور في نشر الغسيل الشرق أوسطي القذر أمام أضواء البروجكتورات والرأي العام العالمي. ذكورية، احتقار للمرأة، عقلية محافظة، قوانين بالية، هذا بعض ممّا ينتظرنا في جديد هذه السينمائية التي كانت شدّت الانتباه قبل سبع سنوات بـ"وجدة". كلّ هذه المصائب نجدها مدسوسة في فيلمها الروائي الطويل الرابع الذي يتسابق على "الأسد الذهب"، جنباً إلى جنب مع كبار السينمائيين في البندقية (٢٨ آب - ٧ أيلول)، من رومان بولانسكي إلى آتوم إيغويان.

يُمكن الاستدلال إلى الفيلم باستخدام الكثير من النعوت، لكن أكثرها تعبيراً عن حقيقته هو الجرأة. نعم، فيلم هيفاء المنصور يقول بصوت عال ما يتردد عادةً بنبرة صوت لا تكفي للتغيير، وإن لم تعجب خطابيته وتلقينيته بعض النقّاد الأجانب ممن أتيحت لي محادثتهم. فهو فيلم يلجأ إلى التلخيص، الإيجاز، العرض الشامل، حصر المشكلة الاجتماعية، تشخيص المرض، من دون أي لجوء إلى العمق. شتّان بين أن تُري الشيء وأن تكشفه.

تلقّى الفيلم دعماً رسمياً سعودياً، وهذا الأمر يعني ما يعنيه في ما يخص الحدود التي ترسمها ارتباطات مماثلة في بلد مثل المملكة العربية السعودية. لذلك، رغم الجرأة الآنفة الذكر، يبقى فيلماً يخضع لضوابط معينة واحراجات وتنازلات لتشكيل صورة تمنح الانطباع بأنها تقلب الطاولة، لكنها صورة استيعابية تميل إلى الوسطية. انه الانفتاح والحرية وحدودهما في الآن نفسه، كما رسمهما عهد محمّد بن سلمان.

الحكاية هي الآتية: يخطر لطبيبة شابة (ميلا الزهراني) الترشّح للانتخابات البلدية في الرياض. هذا كلّه يحصل من طريق المصادفة. لا مشكلة في ترشّحها سوى أنها امرأة، ولا صدقية لها عند الناخب السعودي. يبدو انها ستدفع ثمن ذلك، رغم ان والدها رجل تقدمي نسبياً، يعزف في فرقة موسيقية ويجول المدن برفقتها. لهذه الفرقة حكاية أيضاً: فهي تبحث عن الاعتراف الرسمي بعد فترة من الحظر، بسبب القوانين المجحفة التي تمنع الموسيقى. لكن، دعونا نكتفي ببطلتنا الثائرة. فهي ستسعى لفرض الاحترام، حتى لو تحقق ذلك من خلال كسر تقاليد المجتمع السعودي المحافظ. ولكن، دائماً تحت سقف الأب، شأن المنصور نفسها.

نحن أمام نموذج صارخ للفيلم النسوي الذي يرى في الرجل مصدراً لكلّ الشرور، وينتصر ليس لقضية المرأة الشرق أوسطية فحسب، بل لأبسط حقوقها: الحق في السفر والعيش بكرامة، والحق في إسماع صوتها والمشاركة في صناعة قرارات بلادها. بهذا المعنى، نحن حيال فيلم نضالي لا يخفي نضاليته بل يتباهى بها إلى حدّ ما، يسعى إلى تحويل الشخصية الرئيسية "أيقونة تغيير منشود"، تغيير لن يتحقق الا بالمزيد من النضال، لأن الطريق طويلة أمام النساء لاطاحة العقلية المتجذرة، ولا يكفي تعديل القوانين.

بعد فيلمها "ماري شيلي"، عن فصل من سيرة الكاتبة البريطانية التي اخترعت شخصية فرانكنشتاين، تعود المنصور إلى شؤونها الخاصة التي ستظل تطاردها مبدئياً مهما فعلت وأينما حلت. فلا مهرب من ثقافة متجذرة بنت إحساسها الداخلي وشكّلت وعيها. طبعاً، لا يخلو الفيلم من استعارات، ولو انه تم هضمها بشكل جيد من المخرجة. نفكّر في صوفيا كوبولا مثلاً ما إن نشاهد هذا التكاتف بين الشقيقات.

فنياً، لا شيء لافتاً. الشغل سليم، لا أكثر. التمثيل مقبول، مع تنويه خاص بحضور الممثّلة التي تضطلع بالدور الرئيسي، وكانت لتكون أشد حضوراً مع المزيد مع الاشتغال عليها. المساحة المخصصة للغناء والعزف غير مستغلة بشكل كافٍ. مع ذلك، أفلت الفيلم من السمات الفولكلورية التي كان يمكن ان يسقط فيها. الإيقاع يهبط في بعض المشاهد، ويحتاج إلى "دفشة" في مشاهد أخرى. مشهد مشاركة المرشّحة في حلقة تلفزيونية، كاريكاتوري ويستحق الحذف. في المقابل، لبعض المَشاهد الأخرى القدرة غير المتوقعة على تحريك المشاعر، وخصوصاً مشاعر ذاك الذي يأتي من خلفية اجتماعية تسمح له بإدراك حجم معاناة المرأة في بعض بلدان الشرق الأوسط.

هل يجوز تقييم رابع أفلام هيفاء المنصور كما لو كان الأول؟ حتماً لا! فسكرة البدايات تبددت، وطافت على السطح مسائل أخرى تحتاج إلى نقاش أعمق، بعيداً من قضية وجود سينما سعودية من عدمها. صحيح ان مشروع سينما كهذه لا يزال حبراً على ورق، لكن المنصور مشت مسافة معينة من المفترض ان تكون طوّرت خلالها أدواتها التعبيرية. الا انه لا بد من الاعتراف أيضاً، بأن المشكلة ليست كامنة في الحرفة السينمائية، بل في النظرة المتأصلة عند الفنّان العربي إلى الأشياء. أعني هنا نظرته إلى ذاته وواقعه والنحو الذي يقدّم فيه هذا كله إلى الآخر.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard