محاكمة البشير ستتحوّل إدانة للإسلام السياسي

27 آب 2019 | 12:42

الاحتجاجات في الخرطوم (أ ب).

يعيش السودان فرحاً طال انتظاره. بعد 30 سنة من حكم عمر البشير المستبد و61 سنة من الانقلابات العسكرية المتلاحقة يتحول السودان إلى الحكم المدني بموافقة المجلس العسكري الذي طوى صفحة نظام البشير إلى غير رجعة.

ما تحقق في السودان إنجاز تاريخي عظيم. التوقيع على وثيقة السلم المجتمعي بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني ممثلة بقوى الحرية والتغيير حدث غير مسبوق وغير مألوف في العالم الثالث. ثمانية شهور من التظاهرات السلمية الحضارية التي عمّت ساحات ومدن السودان كافة أنهت حكم الطاغية الذي انتهك القرارات الدولية والعقوبات وارتكب أبشع جرائم التعذيب والقتل...

حدث السودان سوريالي. أعطى الربيع العربي نموذجاً ودرساً وأملاً علّه يستنسخ في الجزائر وغيرها من بؤر التوتر والعنف. لم نألف قبلاً الانتفاضات الناجحة والثورات الراقية الحضارية. ولا المفاوضات العميقة الجدية القائمة على رغبة الطرفين العسكري والمدني لتقديم التنازلات المتبادلة للتوصل إلى تسوية سياسية انتقالية تمنح السودان السلام والهدوء بعد حروب أهلية ثلاث.

الجديد والمهم هو اقتناع العسكر بالتسليم بالحكم المدني وضرورة المحافظة على هيبة الدولة بالمشاركة وتداول السلطة لمدة ثلاث سنوات بين العسكريين والمدنيين، في مجلس رئاسي بقيادة الفريق أول عبد الفتاح برهان وعضوية 11 شخصية أربعة عسكريين رفيعي الرتب وأربعة مدنيين وسيدتين تعزيزاً واعترافاً بدور المرأة السودانية في النضال والبناء هما الدكتورة عائشة موسى السعيد والمستشارة القانونية رجاء نقولا عيسى عبد المسيح، عن الطائفة المسيحية القبطية تأكيداً لاحترام تعددية المجتمع السوداني.

في الأشهر الـ 21 الأولى سيكون رئيس المجلس عسكرياً (عبد الفتاح برهان) وستسند وزارتي الداخلية والدفاع إلى عسكريين. في 18 شهراً اللاحقة سيكون رئيس المجلس مدنياً. وخلال ثلاث سنوات سيعمل المجلس والحكومة على ترتيب إجراء انتخابات حرّة ونزيهة.

المجلس العسكري الذي تسلّم مقاليد الحكم في 11 نيسان الماضي عقد الإطاحة بنظام البشير استدرك الأغلاط والهفوات التي ارتكبت بحقّ الطلاب والشباب عندما استعمل الرصاص الحي لتفريق التظاهرات. اعتذر عما حصل وقطع الطريق أمام المشككين وصيادي الأخطاء الذين يضمرون الشرّ للثورة ويراهنون على استمرار العنف والفوضى. ففاجأ الرأي العام بالإقرار بالأخطاء والاعتذار ووعد بمحاسبة المسؤولين...

تبادل التنازلات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير انقذت السودان وأسرعت في التوصل إلى وثيقة الاتفاق. وهذا دليل نضج وخبرة لقطع دابر الفوضى واستعداد للتوصل إلى قرار سياسي حاسم يوقف الحرب وتبدأ ورشة الإنتاج والإصلاح. تعيين المجلس الرئاسي السريع للخبير الدولي عبدالله حمدوك رئيساً للوزراء. وهو الشخصية الاقتصادية المعروفة لدى المؤسسات المالية الدولية والافريقية الذي شغل سابقاً الأمين العام للجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة ويتمتع بخبرة واسعة على مدى 30 عاماً في إصلاح القطاع العام والحوكمة مؤشر لجدية التعاطي السوداني الداخلي بالاسراع في الإنقاذ.

والمؤمل أن يمنح حمدوك الحرية الكاملة في اختيار فريق عمله من التكنوقراط لأن اهتمام الحكومة سينصب بالدرجة الأولى على تحسين الأوضاع الاقتصادية المهترئة وتحقيق برنامج وطني سريع التنمية. وفي تصريحه الأول بعد أداء القسم اختصر حمدوك شعار حكومته بأقانيم ثلاثة "الحرية والسلام والعدالة" منوّهاً بخروج البلد من النفق والدخول في مرحلة الإصلاح وبناء الديموقراطية التوافقية والتعددية.

وبدون أوهام تأهيل السودان ووضعه على سكة الحلول ليست عملية سهلة لأن تركة نظام عمر البشير ثقيلة جداً. والتحديات المنتظرة غير قليلة خصوصاً أن جماعة "الإخوان المسلمين" وحزب الإصلاح أذرع السلطة البائدة والمتنفذين الأولين في أجهزة الدولة الماضية يشلّان الدولة العميقة مع غيرهم من الأحزاب والجماعات التي لها مآخذ على التسوية ورفضوا الانضمام إليها في اللحظة الأخيرة. لذلك حذّر حمدوك بأنه لا يحمل عصا موسى السحرية والإصلاح يتطلب تعاون الجميع بدءاً بوقف الحروب وبدء ورشة الإنتاج والإصلاح الزراعي، وإصلاح مؤسسات الدولة... والقضاء المستقل النزيه.

والأنظار تتجه إلى حمدوك لأنه الرجل المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب لإصلاح اقتصاد السودان، السادس في أفريقيا، والمعروف انه في خلال أشهر حكم البشير الأخيرة طلب من حمدوك استلام وزارة المالية. رفض الطلب "إذ لا يستطيع الملاح البارع إنقاذ السفينة الغارقة" إنما بعد الثورة قبل أن يكون رئيساً للحكومة وليس وزيراً للمال.

ومهمة الحمدوك صعبة وفيها تحديات جمّة. تنتظره خزانة خاوية، وفساد ورشوة وتبديد أموال، وبنية تحتية خربة، ومخزون استراتيجي ضئيل من الغذاء والوقود، ونسبة تضخم كبيرة. وبلد منقسم على ذاته، وحروب داخلية في ثلاث مناطق وإرث طويل من العلاقات الخارجية الملتبسة، وعقوبات أميركية، ووصمة بالإرهاب. رغم كل هذه المشاكل والأزمات، الداخلية والخارجية، يميل الحمدوك إلى مزاوجة بين النظام الغربي وتجربة النمور الاسيوية بالاعتماد على نهج براغماتي تراعى فيها المصلحة الوطنية ومحاسبة المفسدين والمسؤولين عن الجرائم بين الناس بحسب القانون.

خلال التظاهرات السلمية التي امتدت طوال ثمانية شهور، من كانون الثاني إلى آب تعرف العالم عبر شاشات التلفزة والبرامج السياسية إلى كادرات بشرية سودانية عالية المستوى نساء ورجالاً. هذا غير مستغرب على السودان، البلد المعروف بوفرة مثقفيه ومهنييه وشبابه وشاباته من الأجيال الصاعدة التي لم تفارق الشوارع وبرعوا في إفراغ احتقانهم المزمن من القمع والاستبداد والتهميش التي قاسوها خلال حكم البشير.

تحولت علا بردائها الأبيض الطويل أيقونة الثورة ورسولة الحرية والسلام في أفريقيا، واضطلعت المرأة السودانية بدور جوهري في انهاض الأمة وكانت رائدة في تفنيد وانتقاد السنوات العجاف بثقة ومعرفة وانخراط في اللعبة السياسية والحزبية واستعداداً للمشاركة في الصفوف القيادية للبلاد. واعترافاً بدورها ومؤهلاتها كافأت القيادة العسكرية والمدنية للثورة بدورها وعيّنت القاضية نعمات عبدالله خير رئيسة للقضاء وسيدتين في المجلس الرئاسي. إصلاح القضاء واستقلاليته ونزاهته من الأركان الأساسية للحكم الرشيد. والآمال معلقة على تعيين رئيس للقضاء والنائب العام لأن السودان بحاجة ماسة إلى تثبيت دولة القانون ومحاسبة المفسدين والمسؤولين عن الجرائم بين الناس بحسب القانون.

لا أوهام أن رحلة السودان إلى الأمان خلال الأشهر الـ 39 القادمة مليئة بالاشواك ولن تكون سهلة. إنما بالادارة الصلبة والنيات الحسنة والاتعاظ من دروس الماضي السحيق ووجود مناخ سياسي ملائم عبر المشاركة العسكرية المدنية ستنجح التجربة بإذن الله وتعبر البلاد إلى برّ الأمان.

حتماً سيكون هناك عوائق أمام التغيير المطلوب والمنتظر، إلا أن القوى الوطنية التي تمثل أغلبية السكان مصممة على قيام سودان آمن ومستقر. البشير حكم ثلاثة عقود في عباءة الإخوان المسلمين حيث كان لهم اليد الطولى في ازمات السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

المجلس العسكري طوى صفحة نظام البشير إلى الأبد. وأودع الرجل السجن في جلبابه الأبيض وعمامته وساعة اليد الثمينة وظهر في قفص الاتهام يواجه ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي لدوره في حرب دارفور وإرساله مخابراته الجنجاويد التي فظعت تنكيلاً وقتلاً بالناس.

محاكمة البشير ستتحول إلى إدانة حكم الحركة الإسلامية ومشروع الإسلام السياسي. الرجل مطالب من المحكمة الجنائية الدولية لسنوات بجرائم حرب ضد الإنسانية وتهم بالفساد المالي وتبديد أموال على ملذاته الشخصية... سارع الإخوان إلى تعيين أكثر من 90 محامياً للدفاع عنه أبرزهما المحاميان الاخوانيان أحمد ابراهيم الطاهر ومحمد حسن الأمين.

السودان يعيش عرساً هذه الأيام. عرس الفرح الذي يدعو إلى بداية جديدة لبلد الانقلابات المتلاحقة منذ 1958 وحكومات القمع والاستبداد والفوضى... حان للشعب أن يرتاح وينعم بالهدوء والطمأنينة وللمحاربين أن يستريحوا. لأول مرة منذ الاستقلال سيتسنى للشعب السوداني بكل اطيافه ومناطقه وطوائفه الاشتراك في صنع النظام السياسي الذي يريد بلا تهميش لفئة ولا استبعاد لجهة. انه حقاً فجر جديد وانطلاقة واعدة.

التحدّي الأكبر الذي يواجه السودان، حكومةً وشعباً. هو تحسين الأوضاع المعيشية والالتفات إلى مطالب الشارع الأساسية المتصلة بتحسين الاقتصاد بعيداً من الغرق في التفاصيل السياسية. السودانيون يتوقون لرؤية نتائج على الأرض. تأمين الخبز والوقود والكهرباء والسيولة في البنوك. تأمين خطوط الهاتف والانترنت والتواصل الاجتماعي... مطالب معيشية يومية تهمّ المواطن العادي.

الرهان على رئيس الوزراء حمدوك وفريق العمل الذي سيساعده في هذه المهمة الصعبة غير المستحيلة. والأمل كبير أن تمنح القوى السياسية والعسكرية لهذا الخبير الاقتصادي المرموق الحرية الكاملة في اختيار معاونيه بدون اللجوء إلى الحصحصة بل اعتماد الاختصاص العلمي والكفاءة.

السودان أعطى الأفارقة والعرب درساً ونموذجاً في التحول الاجتماعي السياسي السلمي. خط نمط جديد من الاحتجاجات والبقاء الطويل في الشارع بعيداً من العنف. موقف المجتمع المدني والمهني والشبابي أربك الأحزاب التقليدية العريقة والدولة العميقة التي خلقها البشير والترابي.

هل يمكن أن تستلهم الجزائر من تجربة السودان وتتعلم بعد أن أصبح نموذجاً للتغيير السلمي والحراك المجتمعي الشبابي!! استفقد عند متابعة أحداث السودان إلى الروائي الراحل الطيب الصالح لتصوير عرس السودان وتجديد عرس الزين بملحمة جديدة تتناول التغيير الحاصل. السودان تحوّل إلى مدرسة في صيانة الأوطان من الديكتاتورية المتوحشة، وشره الإسلام السياسي الذي جسّده نظام البشير وأدّى إلى شقّ الشمال عن الجنوب.

استئثار الإسلام السياسي بالسلطة وفشلهم في الحفاظ على التنوع والتعددية خسر السودان جزءاً عزيزاً من ارضه وخيراته وخصوصاً النفط الذي عرفت إسرائيل والدول الغربية كيف تستغله.

السودان بلد مهم ويستحق الدعم والمساعدة الدولية والعربية والأفريقية. موقعه الجغرافي ومساحته المترامية وموارده المتعددة من ماء ونفط وزراعة وقوى بشرية، عوامل تستطيع أن تتفاعل وتتضامن ليعود "سلة الغذاء" ويستعيد الدور التاريخي الذي عرف به.

mahasamara33@gmail.com

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard