"جرائم الشرف" في مصر... تدريب على الارهاب؟

20 آب 2019 | 15:34

المصدر: "النهار"

تعبيرية.

أعادت جريمتا قتل مروعتان تعرضت لهما 3 فتيات، خلال الأيام القليلة الماضية، ما يسمى بـ"جرائم الشرف" إلى واجهة النقاش العام في مصر. وما يثير دهشة البعض، أن غالبية ردود الفعل جاءت مؤيدة لقتلهن.
هذا التأييد يحدث على الرغم من أن اثنتين من الفتيات قتلهما والدهما نتيجة شكوك غير مؤكدة أثارها الجيران حول سلوكهما، حسبما قال الأب القاتل في التحقيقات، والثالثة قتلت هي وشاب كان برفقتها في غرفتها، بعدما رآهما والدها وشقيقها، في وضع مخل، فقتلهما الأب وقام بإلقاء جثتهما من نافذة المنزل إلى الشارع.

هاتان الجريمتان تطرحان أسئلة حقيقية حول جدوى عملية القتل كحل، هل تمحو العار حقاً؟ أم أنها توثقه وتخلده، وتخرجه من السر إلى العلن، أو من مجرد ظنون غير مؤكدة في الأذهان، إلى جرائم قتل موثقة في الأوراق الرسمية للدولة، وعلى صفحات الجرائد وفي وسائل الإعلام؟

تحريض مجتمعي

يقول الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي لـ"النهار": "إن جرائم الشرف بشكل خاص، تتعلق بقيم متوارثة، على سبيل المثال لدينا في جنوب مصر، بالصعيد، يكون الشرف مساوياً للحياة، ونحن لدينا مقولة شهيرة (تموت الحرة ولا تأكل بثديها)".

ويضيف الأستاذ الجامعي: "أي شخص في العائلة تشوبه شائبة، لا يستطيع تحمل العار الذي يلحق به أمام المجتمع، ولا يستطيع السير في وسط الناس، أو النظر في أعينهم، وبالتالي يصبح التخلص من ذلك الشخص (الذي هو غالباً امرأة)، هو الحل الوحيد للانتهاء من هذا العبء النفسي الذي يمثل كارثة بالنسبة له".

"هذه الأفكار موجودة في جنوب مصر، وكذلك في شمالها، وفي الكثير من المناطق، وهذه أمور لا علاقة لها بالدين، لكنها موروثات شعبية" يقول فرويز، "كنت أحكي لبعض أصدقائي قصة، تكشف عن كيف يدفع المجتمع أفراده إلى القتل دفعاً".

ويروي أستاذ الطب النفسي القصة قائلاً: "ونحن في المدرسة كان لي صديق تربطني به صلة قرابة، وكان والده قد قتل. حين عاد الفتى إلى القرية، كان طفلاً في الرابعة عشرة من عمره تقريباً، ولم يكن يحمل أي ضغينة في نفسه".

"ذهب الفتى لشراء زجاجة مياه غازية، وبدأ يشربها، فمر أحد الأشخاص من أهل القرية ورآه، فقال له: (كيف تتقبل نفسك شرب المياه الغازية ووالدك مقتول؟)، فما كان من هذا الفتى سوى أن ذهب إلى الغيط، حيث يجلس عدد من أفراد الأسرة التي قتلت والده، وكانوا داخل خص (من البوص)، فسكب حوله البنزين، وأشعل النار، فقتل 7 أشخاص".

قتل مغتصبة

تروي صفاء -اسم مستعار- لـ"النهار" قصة شقيقتها الصغرى التي تعرضت للاغتصاب من زوجها السابق فقتلت: "كانت شقيقتي تقضي بعض الوقت معي، وكان عمرها نحو 15 عاماً، أي ما زالت طفلة صغيرة لا تدرك الكثير من الأمور، وفجأة ظهرت عليها علامات الحمل، لم نكن نعرف ما السبب، وبسؤالها، عرفنا أن زوجي قد اغتصبها، ولم تستطع أن تخبر أحداً خشية ما سوف يحدث لها".

وتضيف السيدة: "ابن عمنا كان يرغب في الزواج منها، وبعد علمه بما حدث، اخذ شقيقتي إلى إحدى المناطق، وقام بشج رأسها بمنجل فماتت في الحال، واتفق مع أفراد الأسرة التي ترغب في محو عارها، أن يقولوا إن من قتلها هو شقيقه الأصغر، الذي ما زال حدثاً، ومن ثم لن تكون عقوبته القانونية المؤبد أو الإعدام، وستكون عقوبة مخففة لأنه طفل صغير".

"كما اتفقت أسرتي على تطليقي من زوجي السابق، وحرموني من طلفتي الاثنتين، اللتين لم أرهما سوى بعد زواجهما وموت والدهما موتاً طبيعياً. فقد قررت أسرتي أن يرحل مع ابنتي عن قريتنا" تقول صفاء، "لقد كان الله عادلاً، أكثر منهم جميعاً، أتعرف كيف مات ابن عمي (القاتل)؟ لقد سقط من ميكروباص، فاصطدم رأسه بالرصيف، وشجّ فمات على الفور".

ويقول الروائي والكاتب الصحافي ممدوح الشيخ لـ"النهار": "إن الوصف الدقيق لهذه الجريمة، هي أنها تدريب على الإرهاب".

ضحية قبل التاريخ

منذ عهد الفراعنة، وقبل ظهور الديانات الإبراهيمية الثلاث، والعلاقة الحميمة خارج إطار الزواج من الأمور التي يعتبرها المجتمع المصري جريمة في حقه، وليس حرية شخصية. وكما هو الحال اليوم، تتحمل المرأة العبء الأكبر من هذا "الإثم".

الرجل الزاني يتعرض للجلد ألف جلدة، أما المرأة، فتحظى بالعقوبة الأكبر، التي تظل مرافقة لها مدى الحياة، حيث يتم قطع أنفها.

ومن المثير للدهشة، أنه مع تزايد المطالبات بالمساواة بين المرأة والرجل، وتأكيد الدستور المصري على هذه المساواة، ظهرت مطالبات حقوقية وبرلمانية بأن تخفف عقوبة القتل على الزوجة إذا قتلت زوجها بعد ضبطه في وضع مخل مع سيدة أخرى، تماما كما تخفف عقوبة القتل عندما يرتكبها الرجل بحق زوجته إذا ضبطها مع رجل آخر في وضع مخل.

حالة خاصة

يقول المحامي هاني صبري لـ"النهار": "جرائم الشرف أو القتل بدعوى الشرف هي جريمة يرتكبها غالباً أحد الأعضاء الذكور في أسرة ما بحق أنثى من ذات الأسرة".

ويضيف صبري "يقدم الجاني على القتل لأسباب في الغالب تكون ظنية تتعلق بشكوك حول ارتكاب الأنثى فعلاً مخلاً بالأخلاق بنظر الجاني، ويزعم مرتكبو مثل هذه الجرائم أن جريمتهم حصلت من أجل الحفاظ على شرف العائلة، أو ما يوصف بالعامية بعملية (غسل العار)".

وبالرغم من تورط الأزواج في ارتكاب جرائم القتل، حسبما يوضح المحامي "إلا أن عقوبتهم لا تصل إلى الإعدام أو المؤبد كما ينص القانون في جرائم القتل، حيث خفف المشرع العقوبة في تلك الجرائم فيعاقب بعقوبة الجنحة وليست الجناية".

ويشير صبري إلى أن "المادة 237 من قانون العقوبات المصري تنص على (من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزني بها يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبات المقررة في المادتين 234، 236)".

ويؤكد أن "هذه المادة هي الوحيدة التي تنص على عقوبة مخففة في جريمة القتل، وخلاف ذلك فإن كل حالات القتل تعدّ جناية قتل عمد ويحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام". وإن الزوج إذا ضبط زوجته فى وضع مخل مع عشيقها، يحق له، وفق ما يؤكده المحامي المصري "التحفظ عليهما ويشهد عليهما آخرين، فإن العقوبة التي توجه للزوجة وعشيقها هي جريمة الزنا، وأن إثبات جريمة الزنا من الأمور الصعب تحقيقها، حيث حددتها الشريعة بإشهاد 4 أشخاص وأن يراهما متصلين كالعود في المحكلة والقلم في المحبرة، لكن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى وجود علاقة تثبت الخيانة مثل وجود مراسلات بين الزوجة وعشيقها، وجريمة الزنا عقوبتها الحبس ويحق للزوج التصالح والتنازل حتى لو صدر حكم نهائي في القضية".

"هناك قصور تشريعي في المادة 237 من قانون العقوبات المصري التي قصرت العذر المخفف على الزوج فقط الذي يفاجئ زوجته حال تلبسها بـ(الزنا)، فيقتلها في الحال هي ومن يزني بها، وتحتاج هذه المادة إلي تعديل تشريعي، ويجب مراعاة الحالة النفسية التي تحيط بالجاني وقت ارتكاب الجريمة، وجعلها أساساً موضوعياً للعذر المخفف، ويترتب على ذلك تمتع كل من الزوجين بالعذر المخفف ـ وليس الزوج وحده كما في النص قانون العقوبات المصري ـ كما يجب أن يتمتع بالعذر المخفف أصول وفروع وإخوة الزانية"، وفق صبري.

الحراك إلى أين؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard