انفجار روسيا... "عصا غليظة" أميركيّة أخرى؟

14 آب 2019 | 12:55

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستمع إلى نظيره الأميركي دونالد ترامب خلال حديثه في مؤتمر صحافي عقب قمتهما في هلسينكي - "أ ف ب"

تشيرنوبيل تطلّ برأسها مجدّداً. لكن هذه المرّة من قاعدة نيونوكسا شمال روسيا حيث يُعتقد أنّ صاروخاً روسيّاً ذا دفع نوويّ انفجر الخميس الماضي أثناء تجربته ممّا أدّى إلى مقتل خمسة علماء نوويّين على الأقلّ، تمّ تشييعهم في مدينة ساروف التي تبعد 370 كيلومتراً عن الانفجار.

صحيح أنّ الانفجار أقلّ حجماً وخطراً بكثير ممّا حصل في تشيرنوبيل الأوكرانيّة ربيع عام 1986، لكنّه مع ذلك يطلق مؤشّراً واضحاً إلى حجم مخاطر سباق التسلّح النوويّ الذي أطلقه إنهاء روسيا والولايات المتّحدة التزاميهما بمعاهدة القوى النوويّة المتوسّطة المدى.

ويرجّح مسؤولون عسكريّون أميركيّون أن يكون الصاروخ المنفجر من نوع "9 أم 730" أو "أس أس سي – أكس – 9 سكاي فول" وفقاً لتسمية حلف شمال الأطلسيّ. علماً أنّ ما دفع واشنطن للانسحاب من المعاهدة هو نشر روسيا صواريخ أقلّ تطوّراً من طراز "9 أم 729".

تحرّكات سابقة أثارت الانتباه

انتهى الحادث في نيونوكسا هذه المرّة بالطلب من سكّانها المغادرة. وكاد سكّان بلدة سفيرودفينسك التي تبعد حوالي 30 كيلومتراً عن مكان الانفجار أن يغادروها بسبب ارتفاع النشاط الإشعاعيّ بين 4 إلى 16 ضعفاً المستوى الطبيعيّ من هذا النشاط لفترة وجيزة. لكنّ السلطات ألغت طلب المغادرة في ما بعد. وبقي هذا الارتفاع في المستوى الإشعاعيّ بعيداً من أن يشكّل خطراً على الصحّة العامّة. في هذا الوقت، أشار رئيس الوكالة الاتّحادية للطاقة الذرّيّة الروسيّة "روساتوم" الاثنين قد تعهّد مواصلة الاختبارات على "الأسلحة الجديدة" التي كان يطوّرها العلماء قبل الانفجار "حتى النهاية".

منذ يومين، أضاء خبير شؤون حظر الانتشار النوويّ في معهد "ميدلبوري للدراسات الدوليّة" في كاليفورنيا جيفري لويس على مخاطر سباق التسلّح وتحديداً على الجوانب التي لا يتمّ الانتباه إليها كثيراً عند مقاربة هذا الملفّ. وذكر في مجلّة "فورين بوليسي" أنّ تجارب صاروخ "سكاي فول" كانت تجري بداية في منشآة نوفايا زمليا القريبة من القطب الشماليّ، لكن في صيف 2018، بدأت روسيا تسحب تجهيزاتها العسكريّة بالتزامن مع تقارير أميركيّة استخباريّة تعتقد أنّ التجارب في الخريف الذي سبقه فشلت جميعها وأنّ أطول اختبار بلغ بالكاد 22 ثانية. وبعدها نقلت موسكو المنشأة إلى نيونوكسا حيث وقع الحادث.


"نوستالجيا غريبة".. وتصريح أغرب

يُرجع جيفري سباق التسلّح بين واشنطن وموسكو إلى "نوستالجيا غريبة" أو لأن لا أحد "يمكنه التفكير بشيء أفضل ليفعله". وأضاف أنّه حتى مع وضع مسألة نهاية الحضارة البشريّة بسبب حرب نوويّة جانباً، يجب سؤال البيئيين في روسيا والولايات المتّحدة عن أكلاف سباق التسلّح النوويّ في البلدات التي تحيط بمواقع الاختبار خلال الحرب الباردة. "هنالك بشر في العالم الحقيقيّ سيتحمّلون كلفة سباق التسلّح هذا".

غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على "تويتر" أنّ لدى الولايات المتّحدة صاروخ أقوى بكثير من "ساكاي فول". لكنّ قسماً كبيراً من المحلّلين العسكريّين، من بينهم جيفري، ينفي هذا الأمر، لأنّ الولايات المتّحدة تخلّت منذ وقت طويل عن صاروخ يتمتّع بدفع نوويّ بما أنّها مرفوضة ك "كابوس بيئيّ، استراتيجيّ، تقنيّ". بالمقابل، لا تزال أسئلة كثيرة تحوم حول ما إذا كان نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين مصرّاً على الوصول إلى هذا الهدف.

دمار حتى تحت مساره الجوّيّ

إن استطاع بوتين تحقيق ذلك فقد تكون الولايات المتّحدة أمام تحدّ استراتيجيّ كبير والعالم أمام تحدّ وجوديّ أكبر. بالتالي، قد يكون نجاح روسيا بتجربة صاروخ نوويّ الدفع منعطفاً هائلاً في التاريخ العسكريّ والسياسيّ على قاعدة سرعته في إصابة الهدف وقدرته على تفادي جميع الرادارات. كذلك، إنّ صاروخاً كهذا سيتمكّن من تخطّي مسافات أطول بكثير وسيكون قادراً على إصابة أيّ منطقة حول العالم.

كايل ميزوكامي من موقع "الميكانيكيّات الشعبيّة" ذكر كيف عملت واشنطن في خمسينات وستّينات القرن الماضي على صواريخ منخفضة المستوى وأسرع من الصوت، كان يمكنها أن تكون "أخطر سلاح نوويّ تمّ اختراعه على الإطلاق". كان هذا الصاروخ الذي عُرف باسم "العصا الغليظة" سيحلّق على مستوى 300 متر فيما كانت قدرته النفّاثة قادرة على مسح المباني والغابات التي يمرّ فوقها خلال مساره. وكان من المتوقّع أن يحمل 26 قنبلة هيدروجينيّة أقوى بمئات المرّات من القنبلتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي.

وإذا كان بوتين مصرّاً على استكمال برنامج "سكاي فول" فمتى قد ينجز طموحه؟


حتى الجواب المتفائل غير مطمئن

من المرجّح ألّا يصل إلى ذلك "أبداً" وفقاً لأليكس وارد من موقع "فوكس" الأميركيّ. ويشرح بالاستناد إلى عدد من الخبراء أنّ هذا النوع من الصواريخ يحتاج إلى محرّك يسحب الهواء إلى الداخل باتّجاه المفاعل النوويّ الذي سيسخّن الهواء ويدفع الصاروخ جوّاً. لكن على الصعيد العمليّ، سيواجه الصاروخ مشكلة لا يمكن تجاوزها لأسباب عدّة، من بينها أنّ العمليّة ستضيف وزناً كبيراً إلى ذلك الصاروخ ممّا يجعله أثقل من أن ينطلق.

وأشار إلى أنّ الولايات المتّحدة تعلم ذلك جيّداً بما أنّها حاولت بناء برنامج كهذا خلال الخرب الباردة (مشروع بلوتو) وتخلّت عنه. وبالنسبة إلى ميزوكامي أيضاً لم يُبنَ هذا الصاروخ قط، لأنّه كان خطيراً جداً حتى على مستوى التجربة، ليس أقلّه بسبب الانبعاثات النوويّة التي يخلّفها هذا الصاروخ.

وبغضّ النظر عمّا إذا كان بوتين سيكمل تجربته هذا النوع من الصواريخ أم يتراجع عنها، تبقى أخطار سباق التسلّح النوويّ قائمة، سواء أكان تسلّحاً نوويّاً تقليديّاً أم ثوريّاً. لا يرتبط الأمر فقط بالتداعيات التي لا تزال تشيرنوبيل تشهدها إلى اليوم. تكفي معرفة أنّه بعد حوالي ثماني سنوات على الحادثة، لم تستعد مدينة فوكوشيما الحياة الطبيعيّة بعد الكارثة النوويّة التي واجهتها بسبب التسونامي الذي ضرب أحد مفاعلاتها للطاقة الكهربائيّة.

إذا كانت الطاقة النوويّة السلميّة في إحدى أكثر الدول تقدّماً يمكن أن تشكّل خطر على محيطها البيئيّ والسكنيّ، فكيف بسباق تسلّح قد تتسارع تجاربه في المستقبل القريب؟

كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard