"العدالة والتنمية" يتشقّق... تداعيات صفقة "أس - 400" الروسية لم تظهر بعد

2 آب 2019 | 16:02

إردوغان (أ ف ب).

تتكاثر الضغوط وتتعدد الأزمات الداخلية والخارجية على الرئيس رجب طيب أردوغان مما يجعل حكمه صعباً ويعرض عهده للغروب.

بعد أقل من شهر على الهزيمة النكراء لحزب العدالة والتنمية في انتخابات بلدية اسطنبول بدأت الانشقاقات والتصدعات تظهر في الحزب. أول المنشقين وأهمهم علي باباجان، العقل الاقتصادي وراء الانتعاش والازدهار التركي بعد عام 2000 والذي كان يشتغل نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للخارجية والاقتصاد وشؤون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.

انتظر باباجان خسارة الحزب لدورتين متتاليتين في اسطنبول وقدم استقالته شخصياً إلى أردوغان تمهيداً لتأسيس حزب جديد مع رئيس الجمهورية السابق عبدالله غول. طريقة تقديم الاستقالة ذكّرت المراقبين بما قام به أردوغان عام 2001 عندما قدم استقالته إلى رئيس حزب الفضيلة نجم الدين أبكان وأسس حزب العدالة والتنمية. في نفس الوقت أعلن منظر العثمانية الجديدة و"صفر مشاكل" داوود أوغلو وزير الخارجية السابق استقالته وتأسيس حزب جديد ايضاً من رحم حزب العدالة والتنمية.

عرض أوغلو على باباجان التعاون ودمج الحزبين على أن يتولى باباجان الرئاسة وأوغلو نيابة الرئاسة. إلا أن العرض رفض نظراً لاختلاف الآراء والرؤى بين الرفاق. باباجان وغول يريدان حزبهما أن يكون وسطياً جامعاً بينما أوغلو يريده حزباً إسلامياً محافظاً.

انفراط عقد الحلقة الضيقة لشخصيات حزب العدالة والتنمية التاريخيين والمؤسسين يدل على أن قبضة أردوغان المستحكمة منذ 18 عاماً بدأت تتفكّك. وتركيا مقدمة على مرحلة سياسية جديدة تعمل بنهج جديد يقوم على المشاركة في الرأي لإخراج البلاد من الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية الراهنة. القشة التي قصمت ظهر البعير كانت معاناة الحزب من خسارة انتخابات 31 آذار و23 حزيران الماضيين التي فازت بهما المعارضة وفقدان الحزب مدناً مهمة مثل اسطنبول مرتين متتاليتين في ثلاثة أشهر. الرسالة كانت واضحة. رغبة شعبية عارمة بالتغيير والتطلع إلى بدائل عن أردوغان وفتح باب المنافسة والتغيير على مصراعيه. نزعته الشخصية وانفراده في السلطة بعد تبني النظام الرئاسي في 2018 أبعدت حلفاء الأمس عن السلطان اردوغان وبين وجود خلافات عميقة في القيم والأفكار والممارسات معه. ترتفع أصوات داخل حزب العدالة والتنمية وخارجه الآن تطالب بالعودة إلى النظام البرلماني الديموقراطي!

دخل أردوغان السياسة من باب الاقتصاد والحكم الرشيد. حقق في عهوده الأولى نمواً اقتصادياً لافتاً وسجل أرقاماً قياسية في النمو بلغت نحواً من 9% مما أنعش الداخل وحاز إعجاباً خارجياً عند المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.

النجاح الاقتصادي منح أردوغان ثقة بالنفس. فسوق نفسه السلطان العثماني الجديد الذي يريد استرجاع هيمنة بني عثمان على الدول الإقليمية والعربية المجاورة. كما جاء رهان الغرب وبخاصة الرئيس أوباما ليكرس تركيا نموذجاً للاعتدال الإسلامي وأردوغان قائداً للإسلام السياسي.

أردوغان الذي ينتمي إلى فكر الإخوان المسلمين صوّر نفسه زعيماً وقائداً للحركة الإسلامية السياسية الدولية. وثق ونسق علاقاته مع قطر. ساند حكم الإخوان المسلمين القصير في مصر. أيّد حكومة الوفاق الليبية المدعومة من جماعة الإخوان المسلمين والميليشيات الإسلامية المسلحة، ومدّها بالسلاح والمستشارين، دعم حكومة البشير الماضية في السودان وأقام قواعد عسكرية هناك. أيد الثورة السورية وفتح أبواب تركيا أمام المجاهدين من داعش. تدخل في العراق – توسع في أحلامه وأمعن في غروره وأنانيته وصدق انه سلطان زمانه. افتعل عداوات وخصومات مع اقرب المقربين إليه الذين اختلفوا معه حول تدخلاته الخارجية وانتهاكاته لحقوق المدنية والإنسانية لمعارضيه من الأتراك الذين زجّوا في السجون أو اضطرّوا إلى الهروب. المقربون اخذوا عليه تدخلاته مع البنك المركزي وعزله حاكم المصرف وإسناده وزارة الخزانة والمالية إلى صهره بيراث البيراق... رفاق الأمس وخصوم اليوم حملوه شخصياً مسؤولية تدهور العملة التركية والجمود الاقتصادي وأطلقوا صرخة مدوية لضرورة انتشال البلاد من الوضع السيئ السائد.

والأمل معقود على علي باباجان لإنقاذ تركيا من الإرباك والفوضى والتخبط. هو الأبرز لمنافسة أردوغان في قيادة البلاد لأن تركيا بحاجة إلى رؤية جديدة مستقبلية في ضوء المتغيرات في العالم وصعود أجيال جدية تتطلع إلى توقعات مختلفة... وأعلن باباجان تصوّره للرؤية المستقبلية التي تتطلب تحليلات صحيحة واستراتيجيات وخططاً وبرامج لإعادة التفكير والمراجعة في أكثر من مجال "أشعر بمسؤولية كبيرة وتاريخية لضرورة عمل شيء ووجدت العديد من الأصدقاء والزملاء الذين يشاطرونني المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية لضرورة القيام بما يمليه واجبنا لإنقاذ تركيا". وباباجان قدم ملفاً حول الأزمة المالية والاقتصادية التي تعانيها تركيا والتي نتجت برأيه من انحراف حزب العدالة والتنمية عن المبادئ والمسار الذي نشأ عليه.

ويراهن الأتراك ويرحبون بعودة باباجان إلى المسرح السياسي إذ يحظى باحترام وصدقية كبيرة محلياً وإقليمياً ودولياً. كما يتمتع بخبرة سياسية كنائب عن أنقرة ووزيراً لعدة حقائب مهمة طوال 14 عاماً. عيّن وزيراً للاقتصاد وللمرة الأولى في حكومة اردوغان عندما كان في سن الـ 35. مساهماته السابقة في إصلاح الأوضاع الاقتصادية أدت إلى تحقيق انتعاش اقتصادي بعد عامين من مباشرة عمله عقب سنوات عجاف من الأزمات التي كانت تعانيها تركيا.

أيضاً عودة باباجان إلى المشهد السياسي سيكون موضع ترحيب من المستثمرين والأسواق الدولية حيث ينظر إليه كتكنوقراط راسخ وموثوق به وعلى معرفة جيدة بالسياسات الاقتصادية التقليدية لكونه يتمتع باحترام مؤسسات التمويل الغربية.

والأنظار تتجه لمراقبة التطورات التركية الداخلية ومصير حزب العدالة والتنمية بعد هذه التصدعات. والرهان يبقى على موعدين مهمين لاستقراء المناخ التركي والمزاج الشعبي، انتخابات نيابية في 2021 وانتخابات رئاسية في 2023.

منظومة الصواريخ الروسية

إضافة إلى المشاكل الداخلية والمالية جاء تصميم تركيا لشراء منظومة الصواريخ الروسية "أس – 400" لتوتر العلاقات مع أميركا. أثناء اجتماع الدول العشرين في أوساكا فسّر أردوغان للرئيس ترامب حاجة تركيا الأمنية لشراء المنظومة الروسية. الرئيس الأميركي هدّد بالعقوبات إنما ردّة فعل حلف شمال الاطلسي من توجه أنقرة شرقاً بعد خمسين سنة من انضمام تركيا إلى الحلف لم تأتِ. والاعتقاد السائد أن العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وأنقرة أعمق وأثبت ويمكن أن تتخطى قضية الصواريخ.

تدعي تركيا أن قرار شراء "أس 400" يثبت توازن في علاقاتها الخارجية انسجاماً مع وزن تركيا في 2019 كقوة إقليمية ولاعب أساسي في منطقة الشرق الأوسط. بينما تعتبر واشنطن أن صواريخ "أس - 400" لا تزيد من طاقة تركيا الدفاعية لأن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي "الناتو" تؤمن الأبعاد الدفاعية. وكان بإمكان أنقرة استبدالها بمنظومة أخرى غير روسية.

واشنطن منزعجة من تصرف أردوغان ومن الاتجاه نحو الشرق. إذ تعتبر شراء "أس - 400 " نقطة تحول. والخلاف مع أميركا ملتبس وله عدة تفسيرات ايجابية وسلبية. إذ تركيا لا تزال عضواً في "الناتو" وتستضيف على أراضيها قواعد أميركية وصواريخ نووية.

التوتر بين أنقرة وواشنطن ليس جديداً. إنما لم يصل إلى درجة القطيعة وربما لأسباب إستراتيجية. على مدار الأعوام القليلة الماضية كان اردوغان يشن هجوماً على أميركا والحلف الاطلسي وأوروبا. واشنطن اعتبرت مواقف أردوغان المتشددة تستهدف الرأي العام المحلي ومصدراً محدود الإزعاج. انما بعد شراء الصواريخ الروسية الوضع اختلف، حيث تبدو تركيا تخلت أو ستتخلى عن الغرب وعن سابق تصور وتصميم. واشنطن تعتبر منظومة الدفاع الروسية "أس – 400" تحدياً واضحاً للناتو وواشنطن. فالإدارة الأميركية حذرت أنقرة من إتمام الصفقة إنما أردوغان لم يأبه. أميركا أوقفت تزويد تركيا مقاتلات "أف – 35" ورحلت الطيارين الأتراك الذين كانوا يتدربون على استعمالها واستبعدت الشركات التركية من الشراكة في برنامج تصنيع أجزاء من المقاتلات.

أردوغان بنى حساباته على أنه يستطيع تحقيق مصالحه الأمنية بشكل أفضل من خلال التحالف مع الروس تدعيماً للدور التركي في سوريا طالما واشنطن تقف إلى جانب الأكراد وتمدّهم بالمال والسلاح، وأن الرئيس ترامب سيتفهم وسيسمح بتغيير تركيا توجهاتها بالقطعة وعلى أن الغرب لا يتجرأ على فرض عقوبات قوية على تركيا.

إلا أن وكالة "بلومبيرغ" الأميركية أشارت إلى قائمة طويلة من العقوبات المالية القاسية الممكن فرضها على تركيا مثل تجميد أصول مالية خاصة بكبار المسؤولين الأتراك، حجب القروض الكبيرة عن تركيا، إزالة تركيا من النظام المالي الأميركي بالكامل... مما سيكون له تداعيات على الوضع المالي والاقتصادي التركي الذي يشكو من الضعف، وهي لم تظهر بعد.

وصول دفعات من صفقة الصواريخ الروسية ابتداءً من شهر تموز الماضي يعني أن أردوغان ضرب ضربته ومستمر في خياراته رغم انزعاج واشنطن وتهديدها بالعقوبات. لم يسبق أن طرد حلف شمال الاطلسي أي عضو من الحلف إنما هناك قضايا أكثر خطورة يمكن أخذها في الاعتبار كمصير وجود عسكريين غربيين وعتاد وأسلحة عسكرية أميركية من بينها أسلحة نووية في قواعد "الناتو" التركي. بحسب "بلومبيرغ" يجري البحث جدياً، أميركياً وأطلسياً، عن مواقع بديلة في الشرق الأوسط لهذه القواعد. رغم أهمية هذه التسريبات وخطورتها، يبقى من السابق لأوانه نعي العلاقات الأميركية - التركية ووصولها إلى درجة القطيعة. إذ تبقى تركيا حاجة استراتيجية مهمة في الشرق الأوسط في الحسابات الأميركية الجيوسياسية.

وبرزت مشكلة خارجية أخرى تواجه أردوغان هي البحث والتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، قرب جمهورية قبرص التركية الشمالية. أرسلت تركيا سفينتين وحذرت شركات الطاقة التي تقوم بالتنقيب والإنتاج في المناطق التي تدخل في نطاق الجرف القاري لجمهورية قبرص التركية. خطوات تركيا لاقت اعتراضات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وروسيا ومصر كما تبنى الاتحاد الأوروبي قراراً بسحب القروض عن تركيا وأصدر قراراً بفرض عقوبات...

تركيا لم تأبه. احتلت شمال قبرص في 1974 لحماية الأقلية المسلمة ذوي الجذور التركية ومضى على وجودها 45 عاماً ولم تفعل أوروبا شيئاً. تركيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بجمهورية قبرص التركية، ولها وجود عسكري في الجزيرة يربو على 30 ألف جندي.

وتثير مطالبة تركيا بالتنقيب والبحث عن النفط والغاز في حدود شمال قبرص إشكالية مع أكثر من طرف. جمهورية قبرص اليونانية هي عضو في الاتحاد الأوروبي عكس شقيقتها الشمالية التي تعيش في عزلة وفقر وتحت حماية تركيا.

رغم المحاولات العديدة للأمم المتحدة لتوحيد الجزيرة، أفشلت التدخلات التركية المساعي الدولية وأبقت الجزيرة مقسمة طوال أربعة عقود. أردوغان يمنع توحيد الجزيرة ويمنع انضمام قبرص الشمالية إلى الاتحاد الأوروبي، علماً أن شمال قبرص تشكل 15% منه من السكان و38% من مساحة قبرص. وباسم حماية القبارصة المسلمين تمارس أنقرة هيمنة وتسلطاً في الشمال بينما الجزء اليوناني ينعم بالاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي.

ربما يوجد فرصة الآن بتحسن العلاقات التركية - اليونانية بعد وصول رئيس وزراء جديد في أثينا ميثوتاكيس كيرباكوس للبدء بمفاوضات وتعاون يوناني - تركي في بحري إيجه والمتوسط، تستفيد منه قبرص خصوصاً أن اليونان مرشحة أن تلعب دوراً كبيراً في مشاريع الطاقة الجديدة في المتوسط ومؤهّلة أن تستضيف مصافي النفط والغاز القادم من مصر وقبرص وإسرائيل وامتدادها إلى ايطاليا لتوزع في أوروبا.

يبقى السؤال، هل يستطيع أردوغان مواجهة كل هذه التحديات الداخلية والتوترات الخارجية ويضمن بقاءه في السلطة حتى 2023 موعد الانتخابات الرئاسية!

الرئيس متهم بالعناد والعنجهية والغرور والتهوّر وحب المغامرات والعنتريات والممارسات الاستفزازية المتعمدة، إنها طريقته في الحكم ونهجه في الممارسة، هل تتضافر وتلتقي التداعيات الداخلية مع التطورات الخارجية لإزاحته؟

mahasamara33@gmail.com

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard