هذا الغيتو

31 تموز 2019 | 13:37

اللوحة لـ ليزا بنسون.

رسالة مفتوحة إلى اللبنانيين

المرء في عالم وسائل التواصل الاجتماعيّ، أكان مُرسِلًا أم متلقّيًا يواجه على الدوام احتمال عدم رؤية (أو التعامي عن) جوانب الواقع المتعدّدة، عفوًا أو تقصيرًا أو قصدًا، الأمر الذي يضعه في حالٍ خطيرةٍ من النقصان، أي أنّه يضعه في حالٍ مغلقة من الامتلاء بذاته وبحقيقته.

أحد التحدّيات (الفخاخ - المغريات!) التي تواجه هذا المرء عمومًا، المُرسِل (خصوصًا)، في وسائل التواصل الاجتماعيّ (فايسبوك، تويتر، إنستاغرام...) أنّه يحيط نفسه، موضوعيًّا، بشبكةٍ - لائحةٍ شبه مغلقةٍ ممّن يتبادل وإيّاهم الرسائل.

هؤلاء يتألّفون على العموم من أفراد العائلة والأصدقاء والخلّان والأقارب، بالنسبة إلى الشخص العاديّ، ويتألفون على العموم من المعجبين والمحبّذين والمريدين، بالنسبة إلى أيّ شخصيّةٍ على اتصالٍ بالشأن العامّ، في مناحيه المختلفة.

هؤلاء وأولئك، منسجمون ومتآلفون اجتماعيًّا وفكريًّا وثقافيًّا (دينيًّا أحيانًا) على العموم. لكنّهم قد يتبادلون الآراء المتعدّدة والمتنافرة أحيانًا، ويتناقشون فيها، وقد يختلفون في ما بينهم – لكنْ بمجاملةٍ ولياقةٍ واحترامٍ وتحفّظٍ وودٍّ وخجل - في شأنٍ من الشؤون وموقفٍ من المواقف، من دون أنْ تصل الأمور إلى المواجهة، أو القطيعة والانفصال عن الشبكة - اللائحة.

ليس في هذه الظاهرة مبدئيًّا أيُّ مشكلة. بل هي على العكس تمامًا، ظاهرة إيجابيّة. إذ لا بدّ لهذه الظاهرة من أنْ تملأ الإنسان العاديّ بمشاعر طيّبة، بالغة التنوّع، ليس أقلّها شعوره بأنّه مُحاط وموضع حبٍّ واهتمامٍ ونظرٍ وإعجاب. وهلمّ.

اللوحة لـ دومينيك بير.

بالنسبة إلى الشخص العامّ، من شأن ذلك أنْ يحفّزه، وأنْ يضيء أمامه، وأنْ يوسّع أفقه، وأنْ يلفت نظره إلى جوانب لم ينتبه إليها. ولا بدّ من أنْ أشدّد في هذا المجال، على إحساس الكاتب، من جرّاء ذلك، بنوعٍ من العزاء والاكتفاء والامتلاء والحصانة.

لكن أين يكمن التحدّي – الإغراء – الفخّ، بل الخطر في هذه الظاهرة؟

يتمثّل الخطر في الحالة التي يمتلئ فيها المرء، أكان مُرسِلًا أم متلقّيًا (خصوصًا المُرسِل)، أكان شخصيّةً عامّةً (سياسيًّا، زعيمًا، كاتبًا...) أم شخصًا عاديًّا، امتلاءً مَرَضيًّا، من جرّاء سيل التقريظات والمدائح التي يتلقّاها في كلّ لحظة، وأحيانًا كثيرةً بطريقةٍ خاليةٍ من الموضوعيّة والحكمة والوعي والتعقّل والنقد.

في مثل هذه الحالة، تصبح الشبكة - اللائحة شبه المغلقة المحيطة بهذا المرء، أشبه ما تكون بالـ"غيتو"، حيث يعجز (أو يتعاجز) الشخص عن رؤية حقيقة ما يجري خارج هذه الدائرة.

تصبح الحقيقة، كلّ الحقيقة، ملك يديه، وملك هذه الشبكة - اللائحة شبه المغلقة.

هذا هو الإغراء الخطِر الذي يواجه قسمًا كبيرًا جدًّا من المتعاملين بوسائل التواصل الاجتماعيّ، وخصوصًا منهم المُرسِلين الممتلئين بذواتهم وحقائقهم، أكانوا أشخاصًا عاديّين أم شخصيّاتٍ ذات اهتمامٍ بالشأن العام، الاجتماعيّ – السياسيّ – الثقافيّ – الدينيّ... إلى آخره.

***

في ضوء ما جرى أخيرًا، ولا يزال يجري على "الساحة" اللبنانيّة"، يهمّني أنْ ألقي الضوء الخطير والخطير جدًّا على حالة الامتلاء المَرَضيّة بالذات، الفرديّة والجماعيّة، المترتّبة على تفاعلات شبكات التواصل الاجتماعيّ ولوائحها شبه المغلقة، التي تجرف، لا الأفراد فحسب، بل الجماعات الدينيّة، الطائفيّة والمذهبيّة، كما تجرف الجماعات السياسيّة والحزبيّة، من كلّ حدبٍ وصوبٍ، جرفًا دراماتيكيًّا أعمى، يحول بينهم وبين إعمال التفكّر والعقل والوعي والنقد في شأن المسائل والقضايا التي تعرض لهم، وينبغي لهم أنْ يواجهوها ويتّخذوا موقفًا (نسبيًّا) في شأنها.

اللوحة لـ مارك أرمسترونغ.

هذا الانزلاق الجماعيّ المنفعل والمتسرّع، هذا الانجراف الشعبويّ الهائل، هذا الامتلاء الخطير بالذات، وبحقيقة الذات، الفرديّة والجماعيّة، تضع الممتلئين بذواتهم، أكانوا في السلطة أم خارجها، في حالٍ من العماء والشطط والتخلّف والانحطاط والاحتكام إلى الغرائز.

أليس ذلك دليلًا على انحطاط مجتمعٍ، وتخلّفه، بجماعاته المختلفة؟

لا أستثني طائفةً ولا مذهبًا من المذاهب.

لا أستثني حزبًا وتيّارًا من الأحزاب والتيّارات.

لقد تعالى صوت الغريزة القطيعيّة تعاليًا منذرًا بالأبوكاليبس، وخفت صوت العقل فينا خفوتًا مريعًا.

لم نعد نرى أمامنا إلّا ذواتنا الضئيلة، وحقائقنا الضئيلة، وجماعاتنا الضئيلة، من منظار شبكاتنا – لوائحنا التواصليّة شبه المغلقة.

أليس ذلك كلّه من علامات الغيتو الأخرويّة؟!

انتبِهوا جيّدًا: الفائزون الآن في معاركهم الوضيعة، سيخسرون حتمًا، لأنّ الفوز النهائيّ الوحيد، هو للعقل، للعقل النقديّ.

هذا الامتلاء بالذات وبالوجود، هو من علامات الهزائم النكراء.

انتبِهوا جيّدًا إلى الرمال المتحرّكة تحت أقدام القطعان "الداعشيّة"، وإلى العروش والمقامات والكراسي التي تهتزّ.

هذا الغيتو: لا أفق له، ولا فائدة تُرجى منه. انتبِهوا جيّدًا!

Akl.awit@annahar.com.lb

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard