هل سيتقرّب جونسون من بوتين؟

26 تموز 2019 | 17:14

المصدر: "النهار"

جونسون (أ ب).

لم يكن رئيس الوزراء البريطانيّ الجديد بوريس جونسون يعلم على الأرجح أنّ اسمه قد يحلّ ضيفاً على جلسة الاستماع التي عقدتها لجنتا القضاء والاستخبارات في مجلس النواب الأميركي مع المحقق الخاص روبرت مولر. خلال المناقشات، أظهر النائب الجمهوري ديفين نيونز صورة لجونسون وهو يقف بالقرب من الأكاديمي جوزف ميفسود من مالطا والذي اتُهم بأنّه كان صلة الوصل بين الحكومة الروسية وحملة دونالد ترامب الرئاسية سنة 2016. وتوجّه نيونز إلى مولر سائلاً إيّاه: "ما نحاول معرفته هنا، سيّد مولر، إذا كان حلفاؤنا في ‘الناتو‘ أو بوريس جونسون قد تعرضوا للاختراق". لكنّ مولر رفض الإجابة على تكهّنات.

يصعب أن يكون ملف العلاقات بين لندن وموسكو بعيداً من أولويات جونسون. منذ حادثة تسميم الجاسوس السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في بلدة سالزبوري البريطانية في 4 آذار 2018، انزلقت العلاقات في دوامة من التوتر احتفظت بها بريطانيا بموقفها إزاء إدانة روسيا بينما أصرت الأخيرة على براءتها. طردت لندن 23 ديبلوماسيّاً روسيّاً عقب الحادثة وتضامنت معها دول أوروبية أخرى إضافة إلى الولايات المتحدة. وبلغ عدد الديبلوماسيين الذين طُلب منهم مغادرة الدول الغربية حوالي 120، وقد ساهمت واشنطن وحدها في طرد حوالي نصف هذا العدد.


تلاقٍ ذاتيّ؟

وقعت حادثة التسميم خلال المفاوضات البريطانية-الأوروبية حول "بريكست". لم تمنع صعوبة تلك المفاوضات الاتحاد الأوروبي من التضامن مع لندن. وإذا كانت روسيا تقف خلف الاعتداء فعلاً، فلا استبعاد عندها لوجود رهان روسي على خلق شرخ كبير بين لندن وبروكسل بالاستناد إلى توقّع تلكّؤ أوروبي محتمل في التضامن مع بريطانيا. وأمكن أن يمتدّ هذا الشرخ إلى ضفتي الأطلسيّ أيضاً. لكنّ الاستجابة الموحّدة بعثرت أوراق الرهان المفترض. اليوم، يواجه جونسون خيارات صعبة مع روسيا.

أعرب رئيس الوزراء الجديد مراراً عن عدم تردّده في اختيار طريق الخروج من الاتّحاد بدون اتفاق لو تعذّر التوصّل إلى ذلك مع الأوروبيين. وعلى اعتبار أنّ جونسون يريد سلوك طريق متشدد مع بروكسل، سيكون الكرملين مهتماً بمتابعة الأحداث عن قرب بما أنّها قد توفّر فرصاً شتّى. وجونسون الذي تربطه علاقة صداقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد يجد نفسه على مسار التلاقي الذاتيّ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويتّهم جزء من البريطانيين الكرملين بالوقوف خلف حملة تعزيز المناخ المؤيّد للخروج خلال استفتاء حزيران 2016. لكنّ هذا التلاقي بين جونسون وبوتين ليس حتمياً.

اتّهام شخصيّ

لم يتوانَ جونسون نفسه، حين كان وزيراً للخارجية، عن اتّهام روسيا بالوقوف خلف الاعتداء بل ذهب إلى الحد القول إنّه من "المرجح كثيراً" أن يكون بوتين شخصياً قد أصدر أوامر استخدام غاز "نوفيتشوك" للأعصاب لمهاجمة سيرغي سكريبال. بالتالي، لم يخرج جونسون عن إجماع حكومة تيريزا ماي إزاء اتهام روسيا بالحادثة. وتوجّه جونسون بنعوت قاسية إلى روسيا مثل كونها "دولة بغيضة ومناهضة للديموقراطية".


زيارة جونسون إلى موسكو في كانون الأول 2017 وقد استقبله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف

خلال اجتماعها مع بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في أوساكا اليابانية الشهر الماضي، كانت مصافحة ماي للرئيس الروسي أمام الإعلام بالغة الجمود. وعقد المسؤولان اجتماعاً مغلقاً لحوالي 40 دقيقة لم يحضره سوى مترجميهما. وقال مسؤول حكومي بريطاني إنّ ماي أبلغت بوتين أنّ ما حدث في سالزبوري "شكّل جزءاً من نمط أوسع لسلوك غير مقبول وكان عملاً حقيراً حقاً أدى إلى وفاة المواطنة البريطانية داون ستيرجس".

في 30 حزيران 2018، غاب الثنائيّ البريطانيّ داون ستيرجس وتشارلي رولي عن الوعي في أمزبوري التي تبعد حوالي 12 كيلومتراً عن سالزبوري بعدما فتحا ما اشتبها بكونها قارورة عطر عثرا عليها في حديقة عامّة تبيّن في ما بعد أنّها غاز "نوفيتشوك". تمكّن تشارلي من النجاة فيما توفّيت ستيرجس بعد حوالي تسعة أيّام على الاستنشاق. وكان الثنائيّ موجوداً بالقرب من الطرق التي أقفلتها الشرطة البريطانيّة حين كانت تحقّق في تسميم سكريبال.


"خطر على الأمن القومي"

تحدثت ماي عن "الدليل الدامغ" على تورط روسيا وطالبت بتقديم المتّهمَين إلى العدالة، مضيفة أنّ العلاقات لن تعود إلى طبيعتها قبل أن تغيّر روسيا مسارها وتحقق هذه المطالب وتتوقّف عن استخدام حملات التضليل الإعلامي وعن احترام الديموقراطيّة الليبيراليّة. اليوم، تتجه الأنظار إلى جونسون لمعرفة كيف سيتعامل مع بوتين وما إذا كان سيتخلّى عن مطالب ماي من أجل تحسين العلاقات البريطانية-الروسية. ويبدو أنّ هنالك شكوكاً وحتى مخاوف من طريقة تعاطي جونسون مع الروس، ليس بسبب إعجابه بسياسة بوتين بل بسبب طريقته المرتقبة في إدارة "بريكست".


المصافحة الجامدة التي قابلت بها رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال قمة مجموعة العشرين، حزيران 2019 - "أ ف ب"

الباحث البارز في "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" مارك غاليوتي شرح في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، مدى انتشار الخوف من تأثير سلبي ل "بريكست" بدون اتّفاق على الاقتصاد البريطاني ممّا يترك الحكومة يائسة للحصول على السيولة والاستثمار الخارجي وخصوصاً الروسيّ في البلاد. ويذكر غاليوتي وجود قلق من أن تكون بريطانيا ما بعد "بريكست" أكثر انفتاحاً على "المال القذر" الذي يؤمّن بعضاً منه أوليغارشيّون روس، خصوصاً أنّ جونسون لم يدعُ سابقاً إلى قطع مصدر هذه الأموال بل إلى فرض ضرائب عليها. ونقل عن مسؤول سابق في الاستخبارات البريطانية قوله إنّه يجب على الأوليغارشيين الروس أن يُصنّفوا ك "خطر على الأمن القومي، لا كفرصة اقتصادية".

لكنّ غاليوتي يدعو جونسون للانتباه إلى تفصيل أن ليس كل أوليغارشيّ روسيّ مرتبطاً بالكرملين، وأنّ معاقبة كلّ ثريّ روسيّ عشوائياً، قد تخدم الخطاب الروسي بأنّ الغرب يعادي المواطنين الروس لا الكرملين وحده.

انزلاق نحو أبواب الكرملين؟

قد تبدو احتمالات فتح أو عدم فتح صفحة بريطانية جديدة مع روسيا في عهد جونسون متعادلة. وعلى أيّ حال، بمجرّد أن التقت ماي ببوتين حتى ولو لتوجيه رسالة قاسية إليه، فقد سهّلت على جونسون مهمة عقد لقاءات مع الرئيس الروسي بغض النظر عن أجندتها أو مخرجاتها.


جونسون ولافروف يناقشان ملفات مشتركة، 22 كانون الأول 2017 - "تويتر"

هنالك الكثير من التفاصيل التي سيتعيّن على جونسون أخذها بالاعتبار حين يتعاطى مع الملف الروسي، هو الذي أقدم على بعض الخطوات "العشوائية" خلال مسيرته السياسية. فهل يدفعه تطرفه في ملف البريكست إلى الانزلاق نحو أبواب الكرملين لتحصين الاقتصاد البريطاني؟

الجواب غير واضح اليوم. لكن بالنسبة إلى غاليوتي، لا يُعرف عن جونسون الانتباه إلى التفاصيل.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard