الأربعاء - 21 شباط 2024

إعلان

انقسامات عائلية وحزبية... لماذا يقلق الثنائي الشيعي من الانتخابات البلدية؟

المصدر: "النهار"
جاد ح. فياض
جاد ح. فياض
صورة تجمع برّي ونصرالله.
صورة تجمع برّي ونصرالله.
A+ A-
ينظر "الثنائي الشيعي" إلى الانتخابات البلدية بريبة، وهو يعلن غير ما يبطن. وبحسب المعلومات، فإنه يُفضّل تأجيلها خوفاً من نتائج غير مرغوب فيها في بعض البلدات الجنوبية التي تنشط فيها حركات مستولدة من انتفاضة 17 تشرين. ويُبدي قلقه من حصول انقسامات بين أحزاب الصّف الواحد في بعض البلدات، مع ارتفاع حدّة التوتر بين عناصر "حزب الله" وحركة "أمل" في عدد من المناطق، إضافة إلى الخلافات بين قيادات الحركة أنفسهم في مناطق أخرى، بخلفيّات حزبيّة وشخصيّة.
 
الجوّ الرافض للانتخابات البلدية قد يكون أفضل من عبّر عنه عضوا كتلة "التنمية والتحرير" النائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر في جلسة اللجان النيابية المشتركة رداً على اقتراح التوجّه نحو حقوق السّحب الخاصّة SDR لتمويل العملية الانتخابية، رفضاً منهم للصرف "العشوائيّ" لهذا الأموال، مع العلم أن هذه المبالغ تُنفق على تنظيف الوزارات، في حين أن تمويل إجراء الانتخابات البلدية إجراء مهمّ في سياق استحقاق دستوريّ يُنشّط عمل البلديات في المناطق.
 
خلافات بين حزبي الثنائيّ الشيعيّ؟
بالعودة إلى أسباب قلق الثنائي الشيعي من الانتخابات وما قد تخلّفه من نتائج، فالمعلومات تُشير إلى وجود خلافات في صفوف قيادات وعناصر حركة "أمل" في عدد من المناطق الجنوبية. وفي هذا السياق يمكن إدراج حادثة خطف رئيس بلدية المجادل التابع للحركة على يد مسلّحين، قيل إنهم ينتمون إلى الحركة نفسها، لأسباب مالية. وكذلك في جبشيت، إذ تمّ 
وضع قنبلة على باب سيارة مسؤول حركيّ في البلدة قبل فترة أيضاً، فيما من المسلّم به أن ينعكس هذا الواقع على الاستحقاق البلدي.

بالموازاة، التنافس على أشدّه بين "حزب الله" وحركة "أمل" سراً في إطار الصراع على النفوذ في بعض المناطق. والثنائية التي تجمع الطرفان سياسياً غير متحقّقة في الميدان، بل ثمّة منافسة شعبيّة. ولا بدّ من التذكير بالاشتباك الإلكترونيّ، الذي حصل الصيف الماضي على خلفيّة هويّة موقع جنتا وتاريخ الاشتباك مع إسرائيل بين مناصري الحزبين، وإطلاق النار الذي حصل في بلدة اللوبية قبل سنتين ونيف على خلفيّة تعليق راية عاشورائيّة.

يُترجم التنافس بين الجهتين الحزبيّتين بشكل أكثر وضوحاً في الانتخابات البلدية والطلابية الجامعية مقارنة بتلك النيابية، لأن للعائلات والعشائر كلمة أقوى، وللبلديات حسابات مغايرة، إذ إن توزيع "الحصص البلدية" ليس سهلاً كما هي حال توزيع المرشّحين، والاتفاق السياسي لا ينعكس دائماً اتفاقاً أهليّاً. وقد يُترجم هذا التنافس، أو حتى هذه الانقسامات، بنتائج سلبيّة للثنائي في الانتخابات البلدية.

أما بالنسبة إلى خصوم الطرفين، وبالتحديد مجموعات انتفاضة 17 تشرين التي تشهد نشاطاً لافتاً في مناطق الجنوب، فإنّها تتحضّر لخوض هذه الانتخابات بعد الاستحقاق النيابيّ، خصوصاً أنّ أرقام الانتخابات كانت مهمة وذات دلالات، وخوّلت هذا الفريق انتزاع مقعدين لفراس حمدان وإلياس جرادة، وشكّلت في محطّات معيّنة تحدّياً جدّياً للثنائيّ، أجبرته على تبديل خطّته، وعلى تدعيم صفوف مرشّحيه بدل منح الأصوات لحلفائه. لكن ذلك لا يعني تقدّماً لهذ الفريق، لأنّه يعاني التشرذم أيضاً.
 
أرقام الانتخابات النيابية ليست بسيطة
يرى مراقبون أن أرقام الانتخابات البلدية لا تُشبه كثيراً أرقام الانتخابات النيابية، لأنّ سن الاقتراع في "البلدية" 18 بدل 21 مما يعني أن ثمّة ناخبين سيدخلون في عداد المقترعين. وفي هذه الانتخابات لا دوائر بل مناطق، وتعكس في الوقت عينه واقعاً على الأرض.
بلغة الأرقام، وللتذكير، تمكّن الثنائي الشيعي من حصد أكثر من 336 ألف صوت في دائرتي الجنوب الثانية والثالثة، فيما تمكّنت مجموعات الانتفاضة من حصد أكثر من 53 ألف صوت. وهذا الواقع ستكون له ترجمته في الانتخابات البلدية، التي تُخاض على أساس القانون الأكثريّ، وهذه نقطة ستُسجّل لصالح الثنائيّ.

أما في البقاع الشمالي، فتمكّن الثنائي الشيعي من الحفاظ على مقاعده، لكنه واجه "مقاومة" شرسة من قبل خصومه. وفي حين تمكّنت لائحة "الوفاء والأمل" من تأمين أكثر من 154 ألف صوت، فإن حصّة الخصوم كانت أكثر من 35 ألف صوت، مما يعني أن للمعارضة صوتاً مسموعاً أيضاً في هذه المنطقة، علماً بأن للعشائر الكلمة الأخيرة فيها، والمعركة فيها أقلّ حدّة من معارك الجنوب.
 
هذه المشهدية لا تعني خسارة الثنائي الشيعي في الانتخابات، لا بل إن طرفي الثنائي قادران على حسم معظم البلديات لصالحهما، لكن العين ستكون على البلديات التي تفرض فيها قوى المجتمع المدني، والأهالي المعارضون للثنائي وسياساته، تحدّيات قد تمكّنهم من نزع مقاعد أو حتى بلديات بأكملها.
 
نقمة في الجنوب... ما سببها؟
المحاضر في التاريخ في "الجامعة الأميركية في بيروت"، والناشط السياسي مكرم رباح، يُشير إلى أن "مختلف الأحزاب لا ترغب في حصول الانتخابات البلدية، لأن هذا الاستحقاق قد يتحوّل إلى محاكمات حزبية يُجريها الأهالي والمناصرون، وبشكل خاصّ الثنائي الشيعي، بسبب ضعف السرديّة الإعلامية التي يعتمدها للحشد، كشعار "البيئة بخطر" أو "المقاومة" وما شابه".
 
ويؤكّد رباح لـ"النهار" "حصول انقسام في داخل البيئة الشيعية. فمن جهة، ثمّة بلدات ذات خصوصيّات معيّنة وخارج سيطرة الثنائي، ومن جهة أخرى، الانقسام موجود أيضاً بين "حزب الله" وحركة "أمل"، ولا تكامل بل تنافس بينهما، تُضاف الخلافات الموجودة بين أقطاب "الحركة" نفسها، وقد وصلت إلى حدود الأزمة بشأن خلافة رئيسها نبيه برّي، وأخرى موجودة بين "الحزب" والعشائر في البقاع، والهجوم على رفعت المصري (أحد أبناء العشائر النافذين) في الانتخابات النيابية ليس تفصيلاً".
 
ويرى فرصةً لمجموعات 17 تشرين يُمكن اقتناصها، في حال خاضت الانتخابات بطريقة صحيحة، من خلال التعاطي معها بلدةً بلدة، وليس بشكل عام وضمن لوائح موحّدة. ويلفت إلى أن ثمّة نقمة في صفوف أهل الجنوب نتيجة سياسات الفساد والمحسوبيات التي عملت وفقها البلديات التابعة للثنائي الشيعي.
 
معركة 17 تشرين والثنائي: هذه ميادينها
الأستاذ الجامعي وعضو تيار "التغيير" في الجنوب علي مراد يؤكّد مشاركة مجموعات الانتفاضة في الاستحقاق البلدي، ويُشير إلى تحدّيات كبيرة، منها قانون الانتخابات الأكثريّ الذي لا يمنح الفرصة نفسها لهذه المجموعات كالقانون النسبيّ، غياب حماسة الترشيح بسبب وضع البلديات المادي السّيئ وغياب التمويل الحكومي والإمكانيات الفردية.

وفي حديث لـ"النهار"، يُشير مراد إلى أن المعركة مع الثنائي الشيعي حاضرة، وثمّة بلديات كبرى قد تشهد منافسة حادّة، كالنبطية، صور، كفررمان، أنصار، دوير وغيرها من المناطق، وهي مختلفة نسبياً عن الانتخابات النيابية، لأن التوازنات ليست نفسها، وثمّة فئات مختلفة، منها عمريّة، ستكون قادرة على التعبير عن رأيها، كما أن الانتخابات البلدية دائماً ما تشهد حالة اعتراضيّة مختلفة عن الانتخابات النيابية، بسبب الاعتبارات العائلية، والتنافس الحزبي.

ويعتبر مراد أن الانتخابات البلدية تُشكّل قلقاً لأحزاب السلطة لاعتبارات عائلية بالدرجة الأولى، خصوصاً أن العصبيات العائلية تتحدّى هذه الأحزاب. ويلفت إلى الإرباك الذي تعانية حركة "أمل، و"حزب الله" بدرجة أقلّ نسبة لحديديّة تنظيمه، والانقسامات الموجودة في صفوفهما. لكنّه يقلّل من إمكانية أن تقلب هذه الانقسامات النتيجة، لكنها قد تؤدي إلى خروقات لصالح مجموعات المجتمع المدني.

وينطلق من هذا المبدأ ليؤكّد توافر حظوظ كبيرة لإحداث خروقات عديدة في صفوف الثنائي الشيعي، أكان لجهة الفوز في بعض المناطق، وخرق لوائح الثنائي المذكور في مناطق أخرى، أو حتى للضغط وتسجيل موقف اعتراضيّ في مناطق أخرى. لكنّه من المبكر تحديد هذه البلديات، علماً بأن العمل جارٍ على ذلك، ويكشف عن انطلاق تحضيرات مجموعات الانتفاضة، ولو متأخّرة، للتنسيق وخلق منصّة مشتركة لخوض الانتخابات.
 
انتخابات 2016: "أمل" ضد "أمل"
في سياق متّصل، يرى المهندس والناشط السياسي رياض الأسعد الاستحقاق البلدي "أهم" من الاستحقاق النيابي، والمشاركة محسومة في حال جرت الانتخابات، لكنّه يستبعد حصولها نسبةً لرفض القوى السياسية، والثنائي الشيعي ضمناً، لها في ظلّ الظروف الراهنة التي لا تصبّ في مصلحتهم، وفي ظلّ تذرّع أحزاب السلطة بغياب التمويل، علماً بأن المال يؤمّن في حال وجدت النوايا.

وفي حديث لـ"النهار"، يُشير إلى أن "أجواء الثنائي الشيعي غير ملائمة لخوض الانتخابات، وهو أساساً غير متحمّس لها لأسباب متعدّدة، منها عدم رغبته في تطوير العمل البلديّ والإنمائيّ، لإطباق سيطرته بشكل أكبر على المجتمع، مع ضرورة التذكير بأنّ الأداء البلدي في الولايتَين السابقتين لم يكن مشجّعاً لهذا الفريق، بسبب عقم العمل البلدي، واستقالة بلديات من دون انتخاب أخرى للحلول مكانها.

أما عن الانقسامات الموجودة في صفوف الثنائيّ الشيعيّ، وبشكل خاصّ حركة "أمل"، فيعود الأسعد إلى تجربة 2016، ويذكّر بأربع بلديات انقسمت فيها الحركة إلى لائحتين نافستا بعضهما البعض، لعدم وجود توافق؛ والبلديات هي الخرايب، حارة صيدا، عنقون والبيسارية. وفي الأخيرة، تحالفت إحدى لوائح الحركة "المتحرّرة" مع لائحة الأسعد، لكّنه يُشير إلى أن الانقسامات نفسها موجودة في صفوف مجموعات الانتفاضة.

وفي الإطار نفسه، يلفت الأسعد إلى أجواء العائلات، ويعتبرها رافضة لمنطق المحاصصة التي عملت وفقه حركة "أمل" و"حزب الله" في السنوات السابقة، ويُشير إلى بلدات عدّة في الزهراني لم تشهد انتخابات في عام 2016 كحركة اعتراضيّة، ويتوقع تدنّي نسبة المشاركة ترشيحاً واقتراعاً، بسبب الخلافات والانقسامات من جهة، وبسبب غياب التمويل والقدرة على العمل في البلديات من جهة أخرى.
 
الإشكالات "شخصيّة" ولا تؤثّر على الانتخابات
مصادر مقرّبة من الثنائي الشيعي تنفي ما يُحكى عن عدم حماسة "حزب الله" وحركة "أمل" لحصول الانتخابات البلدية، لا بل تُشير إلى أن الرغبة موجودة، وتتمثّل باقتراح قانون قدّمته كتلة "التنمية والتحرير" إلى مجلس النواب لتأمين الموارد المالية المطلوبة".

وفي حديث لـ"النهار"، تلفت إلى أن ما يميّز الثنائي الشيعي هو الوحدة والمحافظة عليها، وما يحصل في عدد من المناطق من تجاوزات لا يُمكن وضعه في خانة الانقسام الحزبي أو السياسي، بل في خانة المشكلات الشخصية التي لطالما كانت وستبقى في صفوف أهالي المناطق كافة، وليس الجنوبية منها فقط، ولا تأثير فعلياً لهذه الإشكالات على الانتخابات البلدية.
 
هاشم: البرلمان لن يغطّي التمويل "الاعتباطي"
عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب قاسم هاشم يتطرّق في اتصال مع "النهار" إلى ملف التمويل، ويقول إن "الكتل النيابية اتفقت على ألا يتمّ صرف أموال حقوق السّحب الخاصّة بطريقة اعتباطية، والمجلس النيابي لن يكون غطاءً لصرف هذه الأموال بطريقة عشوائيّة على الانتخابات البلدية، علماً بأن هذا الموضوع مرتبط بالحكومة، وهي صاحبة القرار".
 
ورداً على سؤال عمّا إذا كانت الكتلة في صدد الطلب إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بحكم العلاقة الجيّدة التي تجمعه ببرّي، إدراج ملف التمويل من حقوق السّحب الخاصّة على جدول أعمال جلسة حكومية، خصوصاً أن ثمّة وزراء يمثّلون الحركة والحزب في الحكومة ويحضرون اجتماعاتها وبالإمكان التصويت لصالح هذا الأمر في حال لم يتمّ إيجاد مصادر تمويل أخرى، يُجيب هاشم بالنفي، ويؤكّد أن "الكتلة لن تطلب هذا الأمر من ميقاتي، وفي حال أدرجه بنفسه، سنناقش موقفنا من الملف".
 
أما بالنسبة إلى الاعتبارات الشعبية، والتضعضع الحاصل بين طرفي الثنائي في بعض المناطق، فيُشير هاشم إلى أن "التماهي كلّي بين الحزب والحركة، والخلافات الشخصية والحزبية يتمّ تجاوزها عند هذا الاستحقاق"، مستبعداً أيّ تأثير فعليّ لها على النتائج.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم