الخميس - 30 أيار 2024

إعلان

"حركة بلا بركة؟" دراسة جديدة عن أزمة الحركة النقابية اللبنانية

المصدر: "النهار"
غسان صليبي
الاتحاد العمالي العام.
الاتحاد العمالي العام.
A+ A-
تصدر قريبا عن منشورات مؤسسة فريدريش ايبرت دراستي الجديدة عن الحركة النقابية اللبنانية. هدفت الدراسة الى رصد وتحليل بعض التحركات النقابية ما بعد 2020، اي ما بعد تسارع الانهيار على المستويات كافة، المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والسياسية والوطنية، وذلك بغية مساعدة النقابات والتجمعات العمالية والروابط على قيادة تحرّكاتها بالفعّاليّة اللازمة، عن طريق تزويدها بنتائج الدراسة، وربما مواكبة تحركاتها عبر التنظيم وورش العمل والحملات. الحاجة الى البحث فرضها العجز العام والتام والمتمادي عن تحقيق المطالب النقابية، والمتفاقم في ما أسميناه ب"زمن الانهيار"، هذا الزمن المرشح للاستمرار لسنوات طويلة بحسب التقديرات الاقتصادية والسياسية.
 
يفترض البحث ان الحركة النقابية في أزمة، على مستوى الاتحاد العمالي العام وعلى مستوى النقابات والروابط وتحركاتها القطاعية. شملت الدراسة بالإضافة الى الاتحاد العمالي العام، التحركات القطاعية البارزة التي حافظت على هامش من الاستقلالية، وهي مستمرة حتى يومنا هذا: نقابة الممرضات والممرضين، اللجنة الفاعلة للمتعاقدين في التعليم الرسمي الأساسي، نقابة أوجيرو، نقابة الإختصاصيين في العمل الإجتماعي، تجمع نقابة الصحافة البديلة.
 
امتداد الأزمة على مرحلة الإنهيار وما قبلها، لا يلغي بسبب ذلك تأثيرات الظروف الخارجيّة على أزمة الحركة النقابيّة اللبنانيّة، لكنّه يسلّط الضوء أيضا على أعطابها الداخليّة المرافقة للتحوّلات الخارجيّة. كما تفترض الدراسة ان الظروف الخارجية الحالية، على المستويات كافة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، شهدت تحولا جذريا، يكاد يقطع الى حد ما مع الظروف التي سبقتها، ويستحق بالتالي قراءة خاصة في "زمن الانهيار" وتاثيراته، التي قد يطول بحسب معظم التقديرات.
 
منهجيّة البحث المعتمدة للتحركات، والتي طُبقت في المجموعات المركّزة، هي "مقاربة مصادر القوة في النقابات" التي طوّرتها مؤسسة فريدريتش إيبرت دوليًّا ووضعت بشأنها كتيبا على المستوى العربي. تنظر مقاربة مصادر القوّة في إمكانيّة ان تستخدم النقابات العمّاليّة في تحركاتها أربعة أنواع مختلفة من مصادر القوّة، سواء بشكل منفصل أو متّحد، وهي: القوّة التنظيميّة والقوّة البنيويّة والقوّة المؤسّسيّة والقوّة المجتمعيّة
 
"تنبع القوّة التنظيميّة من وحدة العمّال لتشكيل نقابات عمّاليّة وتجمعات سياسيّة"."تشير القوّة البنيويّة الى موقع الأجراء في النظام الإقتصادي". و"يعود الى القوّة البنيويّة التسبّب بالتعطيل وبالتالي تقويض أو الحدّ من زيادة رأس المال". "يتم إستخدام تعبئة القوّة المؤسّسيّة عادةً ضمن مؤسّسات حوار إجتماعي ثلاثيّة الأطراف على غرار المجلس الإقتصادي والإجتماعي أو من خلال عمليات المفاوضة الجماعيّة، سواء على مستوى الشركة أو القطاع. "القوّة المجتمعيّة تعني مجالات التصرّف النابعة عن سياق تعاون قابل للتطبيق مع مجموعات أخرى في المجتمع ومنظمات، إضافةً الى دعم المجتمع لمطالب النقابات العمّاليّة". "وتستند القوّة المجتمعيّة الى مصدرين وهما: القوّة من خلال التعاون والقوّة الخطابيّة. ويعزّز كل من مصدري القوّة الآخر".
 
قُسّم البحث الى قسمين رئيسيين بالإضافة الى المقدمة المنهجية: الاول تناول بالعرض والتحليل تحركات الاتحاد العمالي العام ومعارضته النقابية، كإطار عام للحركة النقابية اللبنانية. الثاني أستعرض وحلل أزمة تحركات نقابية قطاعية.
 
خُصصت الخاتمة لمقترحات عملية بغية فتح ابواب للخروج من الأزمتين.
 
يمكننا تلخيص ملاحظاتنا حول مسارات التحركات بالنقاط التالية:
• استمرت جميع المسارات على فترة طويلة من الزمن تجاوزت السنة الكاملة.
• تغيّرت مطالب التحركات عبر الزمن.
• هناك نسبيًّا عجز عن تحقيق المطالب الاساسية المتعلقة بتعديل عادل للأجور والتقديمات، لكنه جرى تحقيق بعض المطالب الأخرى بجهود حثيثة.
• تنوّعت وسائل تحقيق المطالب بين المفاوضة والضغط.
• المفاوضات لم تأخذ شكل المفاوضات الكلاسيكيّة التي ينص عليها مثلاً قانون عقود العمل الجماعيّة والوساطة والتحكيم، بل كانت أشبه بإتصالات متقطّعة.
• تراوحت وسائل الضغط بين الاعتصامات والإضرابات. وحدها نقابة الاختصاصيين في العمل الإجتماعي لم تستخدم الضغط بعد.
• اقتصرت خطط التحرّكات على تفاهمات ضمنيّة او معلنة بين الأعضاء، بإستثناء نقابتي الممرضين والاختصاصيين الإجتماعيين الذين طوّروا خططًا مكتوبة بالإستعانة بخبير وبدعم من جهة ممولة للمشاريع (مؤسسة فريدرش إيبرت).
• رغم وجود خطط ضمنيّة أو مكتوبة، لم تستطع التنظيمات جميعها من إتباع الخطوات المرسومة بسبب تسارع الانهيارات الإقتصاديّة من جهة وتلكؤ المسؤولين من جهة ثانية، وغرقت بعض التحركات بردود فعل على مبادرات السلطة.
 
كما يمكننا تلخيص بعض النتائج العامة والمقترحات المناسبة على الشكل التالي:
1_ تقديم الدعم التنظيمي والإستراتيجي للتحرّكات النقابيّة الحاليّة والتي برهنت عن إستقلاليّة في طروحاتها ونهجها، ولا سيما للتحركات التي شملها البحث، إذ يمكن الاستفادة من نتائجه لتحديد هذا الدعم التنظيمي والاستراتيجي. وقد أظهر البحث بوضوح الحاجة الى تطوير مصادر القوة الاربعة، التنظيمية والبنيوية والمؤسسية والمجتمعية، كما الى تكوين شبكة من هذه التنظيمات تتجاوز المطالب القطاعية وتناضل من اجل طرح رؤية نقابية لخطة التعافي والتفاوض حولها مع السلطات، على أثر تحركات ضاغطة.
2_ لا بدّ من مواكبة هذا الجهد التنظيمي، بقراءة الواقع الإجتماعي والإقتصادي والسياسي الحالي بموضوعيّة، لا تقطع مع تحليلات الماضي، لكنّها تفتح أعينها جيّدًا على الواقع الجديد المتغيّر جذريًّا في زمن الإنهيار والمرشّح للاستدامة طويلاً، والإبتعاد عن إجترار التحاليل المعهودة التي فشلت أصلاً في فهم الواقع السابق وتوقع مآلاته.
3_ إن تحوّل الحركة النقابيّة الى مفاوض مع صندوق النقد الدولي والى مشارك في صياغة "خطة التعافي"، وكما اقترحت في إطار معالجتي لل"القوة المجتمعية"، يفترض دعما من الحركة النقابيّة الدوليّة التي اعتادت على مفاوضة هذه المؤسّسات وراكمت خبرات في كيفيّة التعاطي معها كما في كيفيّة معالجة الأزمات الماليّة والإقتصاديّة في البلدان المختلفة. التواصل مع الحركة النقابيّة الدوليّة، لا بل الإنتماء الى تنظيماتها، هو من الأولويات النضاليّة في هذه الحقبة من تاريخ الحركة النقابيّة اللبنانيّة. مع ضرورة حث هذه المنظمات النقابية الدولية على التنسيق فيما بينها عبر شبكة النقابات المحلية.
5_ معظم العمّال والموظفين ليس لديهم نقابات تدافع عنهم لا سيما في القطاع الخاص وفي القطاع غير الرسمي خاصةً. تنظيم هؤلاء نقابيًّا هي المهمة الضرورية لكل من أراد إحياء الحركة النقابيّة على أسس من الديموقراطيّة والإستقلاليّة والفعّاليّة.
6_ كثرت في الآونة الأخيرة الدعوات لتكوين نقابات حرّة أو بديلة، مشكّكة في شرعية الإتحاد العمّالي العام وعدم تمثيله للعمّال فضلاً عن تبعيته لأحزاب السلطة. لكن جميع هذه الدعوات لا تزال تفتش عن أنجع المقاربات لتحقيق ذلك. فالواقع لا يعطي مؤشرات إيجابيّة حول تشكّل تجمّعات عمّاليّة في المؤسسات والقطاعات غير المنظّمة.
 
 
تقترح الدراسة إنشاء "تجمّع عمّالي مستقل" على المستوى الوطني يضم عمّالاً وعاطلين عن العمل من القطاعات كافة ويطرح القضايا الإجتماعيّة على المستوى الوطني. هذه المقاربة هي بإعتقادي أضمن طريقة وأكثرها تناسبًا مع الظروف الحاليّة، وتسمح من جهة بمواجهة السياسات الإجتماعيّة الإقتصاديّة التي تطرحها السلطة، وتفتح من جهة أخرى الباب نحو تشكّل نواة عمّاليّة قطاعيّة، بمساندة "التجمع العمالي المستقل"، تواكب التحرّكات العامة.
 
في معظم التجارب العربيّة التي نشأت فيها نقابات مستقلّة عن الإتحاد الرسمي والسلطة، من مثل مصر والجزائر والأردن، لعبت منظّمات من المجتمع المدني الدور الأبرز في إطلاق هذه الظاهرة واحتضانها ومساعدتها على النمو. لا شيء يمنع منظمات لبنانيّة شبيهة، وهي موجودة، من لعب هذا الدور.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم