الأحد - 14 نيسان 2024

إعلان

بيـت لحم المدينــة اليتيمــة

المصدر: "النهار"
سعيد خوري.
سعيد خوري.
A+ A-
نزار يونس 
 
قبل رحيله، وفي كل مرة كنت ألتقيه كان يحدثني عنها، عن مدينة دهرية، حبيبته . بيت لحم النقية والمتوحدة . تأكدت أن ثمة علاقة وجودية خاصة بين الرجل وتلك المدينة، لم استطع في البداية توصيفها أو تفسير دوافعها.
 
خيل إلى أن هذه العلاقة الطاغية، قد تكون وليدة كوابيس النكبة وهواجس الشريد الذي غرب قبل انبلاج صباه، لكنني لاحظت أن هذه العلاقة منزهة عن العواطف والأحاسيس، وأنها تسمو فوق مشاعر الغضب والحقد ورغبة الإنتقام، وأن العذراء الحبيبة النقية البهية العربية القلب واللسان يتيمة الوالدين.
 عندما أتيح لي، بعد -ولم يكن الأمر سهلاً- الغوص في وجدانه الغني باللآلئ والأعاصير وترجل عن فرسه واستراح وبالقدس وبيت لحم وقانا في الجليل ، تأكدت ان الرجل البسيط الغامض ، يحيا لمدينته ولما ترمز إليه ، فهي القضية وباب القيامة وطريق العودة إلى فلسطين.
 
فصمم وراح يقفز قفزاته الطوال، كما لا أحد سواه، قرر أن يحقق حلمه المجنون وان يزف المدينة من جديد، في يوم مجد، الى المعلم الذي اقتسموا ثيابه واغتصبوا مهده، قرر أن ينسج لها بيديه حلة العروس المتألقة و تواضعه وكياسته، ويزركش أذيالها بألف منارة وبحدائق طيب ورياحين، ليأتيها العريس ممتطياً صهوة جواد عربي مرفوع الشكيمة صلب الركائب.
 
تساورني اليوم قناعة راسخة بالتماهي الكامل في فكر سعيد خوري ما بين المعلم والمدينة والقضية، فهم واحد أحد. من دون ذلك لا يمكن فهم مشروع إعمار وتطوير بيت لحم العملاق، في هذا الزمن العربي المنسي، إن لم يكن إشارة مضيئة أراد اطلاقها سعيد خوري قبل رحيله لتنير موكب استعادة الارض الطاهرة والحق والحياة للسير على الطريق بدءاً من مغارة المهد في بيت لحم، لعل ذلك المعلم الذي رافقه في كل ما فعل وسعى اليه يعيد شعبه الى أرضه.
 
قد لا أجانب الحقيقة اذا ما ادعيت من موقعي، أن النجاح الخارق للمعلم سعيد على كل الاصعدة، من دون زلة أو هفوة أمر مذهل، فأنا أعتقد أن في قضيته بيت لحم، سر عزيمته الفريدة، ومصدر تلك القوة الجارفة وملهم الفكر المبدع والخلاق، والدافع لبناء الاسطورة المعدة للقيامة وللعودة، لتصبح مدينته اليتيمة أبهى وأجمل ما عمر وشيد وشاهد وتصوّر في عمره المديد. بعد أن أطلق ألقى العهدة على ابنائه وأصفيائه وترجل عن فرسه واستراح.
 
كان يسعدني دائماً ان التقي المعلم سعيد في المناسبات الخاصة بـ "الاقتصاد والاعمال" التي كلف نفسه رعايتها، تقديراً منه لرسالتها التنموية والمديرها العام المميز الاستاذ رؤوف ابو زكي كان لقاؤه يغبطني فهو عميد المقاولين ومحط اعتزازهم، لالتزامه بالآداب العريقة لمهنتنا، كنا نعتبره مثال وشرف المهنة وكنت بالإضافة إلى كل ذلك معجباً ببساطته وكياسته.
 
اعتبرت نفسي صاحب حظوة، عندما أتيح لي في فترة لاحقة التعرف على المهندس سعيد خوري المفكر والبناء الفلسطيني المناضل على كل صعيد، والعربي الغني أصالة وثقافة، واللبناني حتى العظم، وأهم من كل ذلك سعيد خوري الانسان. 
 
في أحد الايام نقل إلى الصديق رؤوف، دعوة عشاء عائلي من المعلم سعيد، فرحت للدعوة معتبرا انها تلطف من معلم نحو طالب علم، وانها مناسبة للحديث في شؤوننا المهنية، فاجأني مضيفي كما فاجأ الصديق رؤوف عندما بادرنا بأنه قرأ كتابين لي، أصدرتهما في تلك الفترة وهما "لبنان الآخر" و"الطريق إلى الدولة". ابتهجت لاطلاعه الدقيق - على الرغم من انشغالاته - على ما جاء في الكتابين وإلمامه بتفاصيل ما رويته فيهما عن واقعنا المأزوم. ابدى ببساطة العالم وتواضع الكبار موافقته على الطروحات التي أنادي بها، كما أبدى حماسته وتشجيعه لترويجها وللعمل على تحقيق اهدافها، مبدياً رغبته الشخصية بالمساهمة بترويج رؤى ومفاهيم عقلانية في الأوساط الجامعية وبين الطلاب.

علي الاعتراف، وبعد مرور سنوات، بأنني ما زلت اعتقد أن ذلك العشاء مع المعلم سعيد كان الأغنى والأكثر تأثيراً على ما رسمت الحياتي في ما بعد. لم يكن في كلامه اطراء أو محاباة، بل انسياب بسيط وصادق ومعبر عن قناعة ثابتة بأن مشروع الطريق الى الدولة، الذي تناولته في كتابي، يبقى السبيل الوحيد لنا جميعاً، في لبنان ودنيا العرب للعيش معاً في إطار دولة مدنية تساوي بين مواطنيها، وان ما ينتظرنا من أخطار وجودية قادمة في ركب الغرائز المنفلتة والعصبيات المرضية وصراع الهويات الماضوية القاتلة يحتم علينا المواجهة، كما لو أن المعلم حينذاك استشرف ما يحدث في زمننا الحاضر. لقد رسخت شهادته بما أؤمن به، قناعاتي كما شددت من تصميمي على المضي بالعمل في الشأن الوطني. لقد ألقى على عاتقي مسؤولية جسيمة لم يعد بإمكاني التنكر لها، مهما عصف اليأس في أيامنا البائسة واكفهرت الرؤية واقفات المنافذ.
 
كان رائعاً أن يتحمس المعلم سعيد الأفكار لم تكن رائجة في ذلك الوقت، وكان مدهشاً أن نستعمل نفس التعابير والمفردات كما لاحظ الصديق رؤوف في نهاية العشاء كانت النقطة المفصلية في المقاربة هي في التأكيد على أن نظامنا السياسي، أي نظام المحاصصة الطائفي، هو في أساسه نظام فاسد، وان النظام الفاسد يؤدي الى دولة فاسدة حتماً. وان الدولة الفاسدة دولة فاشلة حتماً، وأن لا علاج ناجعاً ما لم يتم اصلاح هذا النظام. إنطلاقاً من عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين يؤمن التوازن والمساواة، ويفصل الدين عن الدولة، ويحرر كل المواقع والمرافق والفضاء السياسي والاداري من ملكية الطوائف لن استفيض أكثر من ذلك في الكلام ولكن يسعدني لو علم المعلم أنني بدوري قد عزمت فقررت التفرغ للشأن الوطني والعمل على احياء حالة فكرية تؤسس لقيام الدولة المدنية الراعية دولة الحق والحرية والكرامة والمساواة.
 
في أحد الايام أعلنت أمام المعلم سعيد رأياً. أظن أنه وافق كلياً عليه وإن لم يصرح بذلك. كنت قد صعقت في إحدى المناسبات بتواضعه الخارج عن مألوف ممارساتنا، وابتهحت لما أبداه من مشاعر انسانية نبيلة نحو من أساء اليه، وجدتني أردد ما زلت اتذكره حرفياً حتى اليوم وهو قولي له بأنه يصعب على رجل عصامي وملتزم ان ينجح في مثل هذه الظروف التي رافقت نضالك، ولكن الاصعب هو أن يحقق انسان شریف بمفرده ما حققته انت من اسطورة نجاح. أما ما يبدو مستحيلاً فهو عندما يحقق احد البشر بعض ما حققت، ويبقى انساناً ومتواضعاً ورحيماً. بل مجرد انسان. 
 
إنني قاصر عن إيفاء المعلم سعيد في هذه النبذة المختصرة القليل مما يستحق، لعلني أفلح في مكان آخر بتحقيق القليل من أحلامه. في المناسبة، يبهجني أن أستعيد احياء للذاكرة. هذه النادرة المعبرة التي كان يرويها الأصدقائه في بعض المناسبات: بعد تخرجه من الجامعة الاميركية في بيروت، شارك في بداية الخمسينات احدهم في عمل المقاولات في لبنان كان الشريك فارساً خلوفاً، لكن وبعد مرور سنتين على الشراكة وتعثر الأوضاع في لبنان سعى المعلم سعيد الى التوسع باتجاه دولة الكويت حيث تتوفر فرص أفضل للعمل.
 
لكن الشريك، وعلى الرغم من الاصرار عليه رفض الاستمرار في الشركة فسار كل من الشريكين في طريقه. 
 
شاءت الأقدار أن يصبح الشريك الأول رئيساً الجمهورية لبنان فاغتبط بذلك، وعند تهنئة المعلم سعيد صديقه بالمقام الرفيع بادره بالقول : هل ترى كم كنت محقاً عندما قررت التخلي عن الشراكة معنا في الـ CCC لتصبح رئيساً للجمهورية، فأجاب الرئيس الفارس بصراحته المعهودة : حبذا لو تستطيع. المبادلة، وكان صادقاً في تمنيه. أنا أميل للإعتقاد بأنه لو قيض لهذه المبادلة في ذلك الوقت أن تتم، وأن يتولى المعلم سعيد قيادة سفينة أقدارنا، لكان للبحر على شواطئنا لون آخر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم