السبت - 20 نيسان 2024

إعلان

إجازة للقتل الجماعي

المصدر: "النهار"
  ريشة إيلي حداد، "المجزرة"، لوحة زيتية 100 x 230 سم، 1990
ريشة إيلي حداد، "المجزرة"، لوحة زيتية 100 x 230 سم، 1990
A+ A-

إيلي حداد

من أعطى إسرائيل "إجازة للقتل" من دون أي رادع أو  أي محاسبة؟

هل أعطتها ذلك دماء ملايين ضحايا المحرقة الأبرياء الذين قضوا في معسكرات الاعتقال البعيدة جداً عن أرض فلسطين؟

إن تصريحات بعض أبناء هؤلاء الذين نجوا من المحرقة، لا تعطي هذا التفويض للقتل الجماعي، بل تقترن بتصريحات العديد من الضمائر اليهودية الحقة التي باتت تندد حتى بوجود دولة إسرائيل إذا كان هذا الوجود سيبرر محرقة جديدة لشعب آخر. هذه الضمائر اليهودية الحيّة ليست سوى أصوات معاصرة للفكر اليهودي الحرّ الذي امتدّ عبر العصور، من إبن ميمون في الأندلس إلى سبينوزا في هولندا وصولاً إلى نعوم تشومسكي في الولايات المتحدة. حتى السردية الرسمية التي بنيت عليها دولة إسرائيل تحت عنوان "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، نقضها جيل جديد من المؤرخين اليهود أبرزهم إيلان بابي في كتابه الشهير، "التطهير العرقي في فلسطين".

يقول إيلان بابي في معرض حديثه إلى قناة "الجزيرة" منذ أسبوعين أن ما يحدث الآن في غزة هو أسوأ من "التطهير العرقي"، ويرقى إلى مرتبة "الإبادة الجماعية"، وإن التغاضي العالمي عما حدث في العام 1948 يتكرر اليوم، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه في عصر الأنترنت وانتشار مشاهد الجرائم المرتكبة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي ومحطات التلفزة، ما يجعل سكوت الغرب أمراً لا يمكن تبريره.

في خضم ّهذه المجزرة المعاصرة التي اختارت أنظمة الغرب السكوت عنها، وحتى دعمها من باب التكفير عن سكوتها عن المحرقة اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية، نتساءل نحن، خاصة في لبنان الذي اتُّهم جزء من مواطنيه بعدم الوقوف إلى جانب الثورة الفلسطينية، لا بل رفض انطلاق عملياتها من الجنوب اللبناني، نتساءل اليوم: أين العرب من كل ما يحصل؟ أين "التضامن العربي" في وجه آلة القتل التي وضعت معادلة جديدة تساوي فيها حياة كل إسرائيلي حياة 40 فلسطينياً على الأقل؟ هل تكفي إنزالات المساعدات الإنسانية لتغطية هذا التخاذل العربي؟ وفي الوقت التي تحركت فيه شعوب العالم في فرنسا والمانيا والولايات المتحدة منددة بالمجزرة، بقيت شوارع الدول العربية صامتة صمت القبور.

حتى إن فظاعة هذه الجرائم المتسلسلة حفّزت العديد من المثقفين حول العالم، ومنهم عدد من المثقفين اليهود، إلى مقارنة هذه الجريمة المتمادية بـ"المحرقة اليهودية"، وهو ما كان تناوله من المحرّمات في الماضي. ومن أبرز التحولات في الوجدان اليهودي في أميركا، التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم والتي عرفت على مدى عقود من الزمن بدعمها لدولة إسرائيل، أن الاستطلاعات أظهرت أن 25 في المئة من هذه الجالية باتت ترى في إسرائيل دولة فصل عنصري، كما كانت جنوب أفريقيا، وأن 50 في المئة منهم لا يدعمون نظام الفصل العنصري الذي بات أداة حكم الحكومة اليمينية بقيادة نتنياهو.

ومن أبرز ما رأيناه من تطورات في المشهد السياسي هو ازدياد تحركات يهودية مناهضة لإسرائيل في مناسبات عدة، منها إعتصام أدى إلى إقفال محطة القطار الكبرى في نيويورك والتظاهر أمام مبنى الكونغرس. بدورها، تحركت مجموعات يهودية عدة في أوروبا منددة بالمجزرة المستمرة في غزة ومنادية بوقف فوري لإطلاق النار. يقول أحد الناشطين اليهود في إنكلترا وعضو في حركة "نعامود":

"يجب إيقاف هذا النوع من الاضطهاد ضد أي كان. إن تعرضنا كشعب يهودي للاضطهاد والمعاناة يجب أن يدفعنا إلى التعاطف مع ضحايا الاضطهاد أياً كان المضطهد".

كذلك فإن منظمة "الصوت اليهودي للسلام" ومركزها في بيركلي، كاليفورنيا، كانت من أوائل الذين رفعوا الصوت وأطلقوا على ما يحصل في غزة على يد حكومة نتنياهو تعريف "الإبادة الجماعية". من هذه المواقف الجريئة، لا بد من ذكر تصريح المخرج جوناثان غليزر في مهرجان توزيع جوائز الأوسكار هذا الأسبوع، الذي حاز فيلمه عن المحرقة اليهودية جائزة أفضل فيلم أجنبي. يقول غليزر:

"نقف الآن كأشخاص يدحضون خطف هويتهم اليهودية وقضية المحرقة من قبل احتلال أدى إلى صراع وضحايا بين العديد من الأبرياء، من بينهم ضحايا عملية السابع من تشرين الأول في إسرائيل كما العملية العسكرية المستمرة في غزة".

وعقّبت الكاتبة الأكاديمية ناعومي كلاين على هذا الموقف في مقالة لها في صحيفة "غارديان" البريطانية بأن الأمر الأكثر وقعاً عليها في هذه المرحلة المؤلمة هو المقاربة بين الحياة العادية التي كانت تعيشها عائلة مدير المعسكر ـ المحرقة في أوشفيتز وحياة الناس خارج محرقة غزة، الذين يتابعون حياتهم وكأن شيئاً لم يكن.

تضيف كلاين: "بعد أكثر من خمسة أشهر من القتل اليومي في غزة، وإسرائيل تتجاهل بوقاحة قرارات محكمة العدل الدولية، فيما حكومات الغرب تؤنب إسرائيل بلطف بينما تستمر في إرسال الأسلحة لها، تتحول المجزرة الجماعية إلى أمر طبيعي، على الأقل بالنسبة لنا نحن الذين نعيش خارج أسوار هذه المناطق المعدمة. لقد أكد غليزر في مناسبات عدة أن الموضوع الأساسي لفيلمه ليس المحرقة التي أصبحنا نعرف تفاصيلها الإجرامية، لكنه أمر أكثر انتشاراً ودموية، ألا وهو القدرة الإنسانية على التأقلم مع المحرقة والمجازر الأخرى".

عنوان هذه المقالة "إجازة للقتل الجماعي" مستوحى من أفلام سينمائية عديدة ومنها فيلم جيمس بوند الشهير (1989). لكن في ظل ما يحصل من إبادة جماعية، ربما حان الوقت لإخراج فيلم جديد يلعب فيه بنيامين نتنياهو دور "البطل" في عملية تدمير منهجي لشعب بأكمله من النهر إلى البحر.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم