الجمعة - 21 حزيران 2024

إعلان

قمة القهر أن يطالب القاهر المقهور بضمانات

المصدر: "النهار"
غسان صليبي
عناصر "حزب الله".
عناصر "حزب الله".
A+ A-
(تأملات حول علاقات القهر في ذكرى الاستقلال)
 
في ذكرى استقلال لبنان هذه السنة، وعلى وقع الحرب على غزة، أفكّر باستقلال لبنان وفلسطين. وفي ذكرى استقلال الأوطان، أفكّر في استقلال الإنسان أيضاً، وأبدأ بالإنسان.
 
الإنسان المرأة أولاً. لم تكن المرأة تابعة للرجل. كانت مستقلّة، لا بل كانت على رأس ما عُرف بالمجتمع الأموميّ. لكن هذا الرأس الأنثوي لم يستتبع الآخرين، لا رجالًا ولا نساءً.
 
مع سيطرة الرجل على المرأة، بالقوة أولًا، ومن خلال المؤسّسات والدين والقيم الاجتماعية لاحقاً، فقدت المرأة استقلاليّتها وأصبحت تابعة للرجل، في نظام أبوي سُمّي بالبطريركيّ.
 
ناضلت المرأة من أجل استعادة استقلاليّتها. نجحت في بعض البلدان، ولا تزال تناضل في بعضها الآخر، كلبنان مثلاً. قاوم الرجل محاولات المرأة الاستقلال عنه والتساوي معه. وعندما اعترف لها ببعض الحقوق، حرص على أن يكرّس ضمانات تحافظ على تبعيّتها له من خلال قوانين الأحوال الشخصيّة والزواج والعادات والتقاليد، فضلاً عن التمييز ضدّها في العمل واستئخار حصولها على الحقوق السياسية.
 
الإنسان العامل ثانياً. كما أن المرأة لم تكن تابعة للرجل، كذلك لم يكن العامل تابعاً لصاحب العمل، بل كان يعمل لحسابه كحرفيّ مستقلّ، قبل أن يحوّله النظام الرأسماليّ إلى أجير، يقرّر عنه الرأسمالي ماذا ينتج، وكيف، وضمن أية شروط، ومقابل أيّ أجر؟
 
مع اضطرارهم إلى الاعتراف للعمال ببعض الحقوق تحت ضغط الاحتجاجات العمالية والنقابية، سعى الرأسماليون إلى إقرار ضمانات عبر قوننة هيمنتهم، وتأبيد قهرهم، واستتباعهم للأجراء بالدساتير والقوانين، أو بالعقود الفردية والجماعية، وجميعها تضمن حماية النظام الرأسمالي بأركانه الأساسية، من ملكيّة فرديّة، وحريّة سوق عمل، وفصل بين الرأسمال والعمل لصالح هيمنة الرأسمال على العمل.
 
علّمنا التاريخ أن المقهور يطالب القاهر بحقوق تحميه نسبياً من بطش القاهر، فيما يعمل القاهر على ترسيخ ضمانات تديم هيمنته، ولو تنازل للمقهور عن بعض الحقوق.
 
ضمانات القاهر مستترة نوعاً ما في النظامين المذكورين، لا سيما في أوقات السلم بين القاهر والمقهور. أما في أوقات الحرب أو التدخل المباشر للسلاح في العلاقات الاجتماعية، فنرى القاهر يطالب بضماناته بكل وقاحة وفجاجة.
 
فلسطين دولة غير مستقلّة، تحتلّها إسرائيل، وتقهر شعبها، قتلاً وتعذيباً وتهجيراً وتحقيراً. وفي كلّ المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، أو من خلال وسطاء إقليميين أو دوليين، تطالب بضمانات لأمنها، بوجه مطالبات رفع الاحتلال. إنها قمة القهر أن يطالب القاهر المقهور بضمانات.
 
ببن الرأسمالي والعامل، بين الرجل والمرأة، القهر أقلّ وقاحة، أكثر تستراً، يشرعن ضماناته في إطار من الصراع المجتمعي المتواصل والسلمي، بل يستخدم مصطلح "ضمانات" بخبث، عندما يتكلّم عن "الضمان الاجتماعي"، أو عن "ضمانات" للمرأة تحفظ لها بعض الحقوق بوجه تعسف الرجل في العلاقات الزوجية.
 
لبنان مثل فلسطين دولة غير مستقلّة، حدودها مشرعة، لا سيادة لها على أرضها بوساطة جيشها، وقراراتها مع الخارج - وهي أبرز معايير الاستقلال - لا تُتخذ بوساطة مؤسساتها الدستورية، بل يحتكرها حالياً تنظيم لبناني مسلّح اسمه "حزب الله".
 
"حزب الله" لا يحتلّ لبنان، بل يهيمن عليه من الداخل، ويفقد دولته استقلالها. معيار الاستقلال في الدولة ليس فقط مدى التبعيّة للخارج، بل مدى حرية وديموقراطية اتخاذ القرارات السياسية في الداخل. بهذا المعنى، وفي غياب أيّ احتلال خارجيّ فعلي للبنان حالياً، معضلة الاستقلال اليوم هي معضلة هيمنة "حزب الله" على القرار السياسي في لبنان بقوة السلاح.
 
ولأن علاقات القهر بالسلاح تتشابه في جوهرها، حتى ولو اختلفت تسمياتها ودوافعها وأطرافها، نلاحظ أن "حزب الله"، وكما إسرائيل، يُطالب علناً أو سرّاً بضمانات أمنية - سياسيّة، تحت عنوان "حماية ظهر المقاومة"، في كلّ مرة يُطرح فيه موضوع سلاحه كأداة هيمنة على اللبنانيين؛ غير مدرك أن الضمانة الوحيدة له هي أن يتوقف عن إدارة ظهره للّبنانيين بدل الخوف عليه، والتصالح معهم في دولة مستقلّة تستوعب سلاحه، في إطار استراتيجية دفاعية تقرّها دولة هو جزء منها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم