الخميس - 13 حزيران 2024

إعلان

غزّة… خيارات اليوم التالي

المصدر: "النهار"
د. خالد محمد باطرفي
الحرب الاسرائيلية على غزة. (أ.ف.ب)
الحرب الاسرائيلية على غزة. (أ.ف.ب)
A+ A-

المعارك تنتهي مهما طالت، ولكن الصراع يستمر والمآسي تستمر إذا لم يتم الاستعداد لليوم التالي. خيضت صراعات طالت قروناً، كالحروب الدينية، وسنين، كالحربين العظميين.

 

وكان من الممكن أن يكرّر التاريخ دروسه، لولا أن هناك عقولاً قررت التعرف العميق إلى المشكلات وتدارس الحلول الجذرية لها وتنفيذها. فكان الاتحاد الأوروبي، الذي جمع أعداء الأمس في منظومة سياسية، اقتصادية، أمنية واحدة، سمحت للمجتمعات، وخاصة الأجيال الجديدة، بالتقارب والتفاهم، حتى لا تترك لدعاة الكراهية والفتن ثغرة ينفذون منها الى عقولهم وقلوبهم. وأسهمت أميركا بمشروعها التمويلي الهائل لعملية إعادة البناء “مبادرة مارشال الاقتصادية” وكسبت بذلك حلفاء ودولاً مدينة.

 

والعمليات العسكرية في غزة ستنتهي يوماً، نأمل أن يكون قريباً، لأن الطرفين لا يملكان القدرة على المواصلة لفترة طويلة. فإسرائيل التي لم تدخل حرباً طويلة في تاريخها، لمحدودية إمكانياتها البشرية والاقتصادية، ولاعتمادها على تعاطف العالم معها، كضحية وممثل للديموقراطية والمثل الغربية وواحة سلام مهددة بجيران يصرون على تدميرها وتشريدها ورميها في البحر. وحماس لأنها تعتمد في تمويل وتزويد أنشطتها العسكرية والإدارية على موارد خارجية تدعمها دول كإيران وقطر وتركيا. وبدون هذا الدعم السخي، لن تستطيع الحركة دفع رواتب قرابة أربعين ألف عسكري، وأضعاف ذلك من الموظفين، ولا تنمية الحسابات البنكية لكوادر الحزب وقادته. كما لن تتمكن من توفير السلاح والتدريب والخبرات التي تحتاج إليها لمواصلة حرب أبدية.

 

وهناك المجتمع الإقليمي والدولي، الذي هاله التدمير الممنهج للمناطق المدنية، وجرائم الحرب التي تُرتكب ضد المدنيين العزل، والتحدي الصارخ لكل القوانين والاتفاقات لدولية التي تحكم الحروب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وقيام منظمة الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. فالرأي العام الدولي يشهد حالة غليان وتحول كبير في الموقف من الكيان الصهيوني وأسلوب إدارته للمعارك. وشوارع وميادين العواصم الكبرى تتظاهر رغم محاولات منعها بشكل شبه يومي ضد المجازر البشرية، والبيئية، وعمليات التطهير العرقي، والتهديدات بطرد ملايين السكان من مناطقهم وحتى ضربهم بالقنبلة النووية!

 

السؤال إذن ليس هل ستطول المعركة شهورا أو سنوات، ولكن ماذا سنفعل لمنع تكرارها؟ فغزة كانت منذ البداية بيئة مقاومة ومعارضة وتمرد على السلطة الفلسطينية ومبادرات السلام مع إسرائيل. ذلك أن دورها المرسوم منذ أنشأتها إسرائيل عام ١٩٨٧ لتقسيم الصف الفلسطيني تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الذي اشتعل في انتفاضة أطفال الحجارة الأولى، قد تحقق. فإسرائيل أصبحت تدعي غياب شريك السلام الفلسطيني، وتصم جميع الفلسطينين بالإرهاب والعزم على إزالتها من الوجود، وتبرر بذلك أي عمليات عسكرية بالدفاع عن النفس ضد الإرهاب.

 

ولأن غزة تقع تحت إدارة حماس، ولأن سكانها تمت أدلجتهم وتوظيف غضبهم ومظالمهم ضد حلول السلام، فقد سهل على إسرائيل التعدي عليهم بأكثر مما تفعل ضد سكان الضفة، وأدخلتهم في دائرة عنف وكراهية لا يمكن معها تصور عودة الاحتلال الإسرائيلي أو القبول بمن يهادنه، كالسلطة الفلسطينية.

 

وهكذا نجد أنفسنا أمام مأزق حقيقي. فمن سيحكم غزة بعد إنهاء الجناح العسكري لحماس؟ هل ستقبل حماس بتغيير جلدها ورعاتها وتعترف بإسرائيل وترضى بالمشاركة في مفاوضات السلام معها؟ وإن فعلت فهل سيقبل بحكمها سكان غزة في أي انتخابات قادمة؟

 

إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة فاجأ الجميع قبل أيام بإعلان استعداد حماس للقبول بحل الدولتين فرد القادة العسكريون في غزة بأنه وغيره من قادة المهجر مستبعدون ولا يمثلون الحركة. ومع ذلك فإن الجناح السياسي ببراغميته وتأثره بالضغوط الخارجية وحرصه على مقعد في أي مفاوضات مستقبلية، هو الأقدر على النجاة والاستمرار كممثل لقطاع غزة في المرحلة القادمة ضمن الوفد الفلسطيني المشترك.

 

أما السلطة الفلسطينية فقد أعلنت مسبقاً على لسان رئيسها، محمود عباس، بعد لقائه مع وزير الخارجة الأميركي، أنتوني بلينكن، أنها ترفض القبول بتسلّم غزة إن لم يتحقق السلام الشامل وحل الدولتين، وهو أمر إذا تحقق، فأمامه سنوات طويلة. السبب، في رأيي، أن السلطة ليس لها شعبية أو قبول في غزة، ولا حتى في الضفة نفسها، ولا تريد أن تورط نفسها في مواجهة مع شعبها.

 

وإسرائيل لن تقبل بإدارة شؤون الضفة، بدون تهجير سكانها. فهي تعلم أنها ستواجه تمرداً ورفضاً أكثر كلفة وشراسة مما كانت عليه الحال قبل تسليمها للسلطة الفلسطينية. وعودة إسرائيل ستنهي كل اتفاقيات السلام مع الفلسطينيين وتعيدها الى المربع الأول كقوة احتلال مسؤولة عن أمن وخدمات ومصالح السكان.

 

السيناريو الرابع الذي يجري البحث فيه حالياً، هو التدويل. فالأمم المتحدة من خلال منظماتها كالأونروا المسؤولة عن مخيمات اللاجئين وتشغيل الفلسطينيين واليونيسيف التي تُعنى بأطفالهم والمؤسسات والجمعيات الأوروبية والدولية التي تنشط في مجال الخدمات الإنسانية، حققت نجاحاً كبيراً وقبولاً عالياً لدى السكان على مدى عقود.

 

والرهان هنا على أن إدارة دولية عربية فلسطينية للقطاع خلال المرحلة المقبلة، حتى يتحقق مشروع الدولة الفلسطينية ويعود الفرع للأصل، قد يلقى قبولاً أكبر من السكان. ولأن ما يرضي الفلسطيني يرضي العرب، فإن الدعم العربي الدولي الشامل سيسهم في تحسين أداء الحكم و إعادة الإعمار وتوفير الخدمات وتحسين الأوضاع الاقتصادية. ونهاية الصراع المسلح مع إسرائيل ستشكل بيئة آمنة للاستثمار والتجارة والعمل.

 

أميل الى ترجيح قبول ونجاح الخيار الأخير ليس لمثاليته ولكن لتعطل الخيارات الأخرى، على المدى المنظور. وبحال عدم ظهور حل أفضل، فقد يكون الحل الوحيد.

 

غزة تستحق حياة أفضل، وأهلها يستأهلون نهاية لهذا الجحيم الذي استمر عشرين عاماً، منذ ضرب الحصار الإسرائيلي الخانق عليها، وتحويلها لأكبر سجن في العالم. هذا إن لم نعد إلى بداية المعاناة بوقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي قبل نصف قرن. ومهما يكن مشروع اليوم التالي، يجب أن يكون أفضل وآمن وأرحم من أي يوم قبله وإلا فلن يحظى بالقبول وبالنجاح.

 

@kbatarfi

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم