الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

انفجار بيروت: متى يحاسب اللبنانيون السلطة على جريمة العصر؟

المصدر: "النهار"
"دولتي فعلت هذا".
"دولتي فعلت هذا".
A+ A-
 
سابين الحايك – مسؤولة البحوث القانونية في المنظمة الدولية للتقرير عن الديموقراطية في لبنان
 
بعد مرور أكثر من 50 يوماً على انفجار مرفأ بيروت المدوي الذي حصل في 4 آب 2020، لا تزال السلطات اللبنانية تتعامل مع الكارثة بطريقة غير مسؤولة، تطرح علامات استفهام عدة، في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من أسوأ أزمة متعددة الأبعاد على المستويات السياسية والاقتصادية والنقدية، بالإضافة إلى تداعيات جائحة كورونا، فما هي الإجراءات الواجب اتخاذها لمحاسبة المسؤولين عن الانفجار؟ 
لم تكشف الدولة اللبنانية بعد وأجهزتها الأمنية عن نتائج التحقيقات التي التزمت بنشرها بعد 5 أيام على وقوع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب. الظروف التي أدّت إلى الإنفجار وردّة فعل السلطات اللبنانية شكلّت دليلاً واضحاً على قصور رؤية النظام السياسي وغياب الحوكمة الرشيدة ومبدأي الثواب والعقاب. 
تحقيق دولي؟
 
أثار الانفجار موجة من الغضب تجاه السلطة وقادة الأحزاب والأجهزة الأمنية. لم يعد يثق اللبنانيون بنزاهة المؤسسات الأمنية التي تغاض بعضها عن التحرك لمنع الكارثة، للمشاركة في إجراء التحقيقات اللازمة. وانطلقوا يطالبون بتحقيق دولي مستقل وشفاف. إلّا أن الحكومة، وقبل استقالتها، أحالت القضية إلى المجلس العدلي الذي ينظر في الجرائم السياسية والتي تطال أمن الدولة بالإضافة إلى الجرائم التي تمس بالأمن القومي، إلا أن الاتفاق على اسم المحقق العدلي استغرق 10 أيام. 
 
التجاذبات ما بين الأطراف المعنية أي بين وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ومجلس القضاء الأعلى أخّرت التعيين إلى 14 آب، مما زاد من خطر العبث بالأدلة، فتسلّم القاضي فادي صوان مهامه كمحقق عدلي في القضية واستلم الملف لمباشرة التحقيق بالتعاون مع خبراء محليّين ودوليين لجلاء الحقيقة.
 
النظام القضائي اللبناني يتكوّن من قضاة مؤهلين، ومع ذلك، فهم ليسوا من صانعي القرار ويفتقرون إلى القدرة على تنفيذ الأحكام الصادرة. لذلك، تصعب محاسبة المسؤولين لأن القضاء غير مستقل تماماً حتى الآن؛ فمن الصعب على القاضي تجريم ومحاسبة السياسي الذي كان وراء تعيينه.
إضافةً إلى ذلك، يجب محاسبة جميع صانعي القرار منذ عام 2013، تاريخ دخول نيترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، لاستهتارهم وعدم استجابتهم لخطورة الوضع. علاوةً على ذلك، منذ 2005، شهد لبنان سلسله اغتيالات استهدفت العديد من المؤثرين السياسيين. وفي جميع هذه القضايا، باستثناء قضية رئيس الحكومة رفيق الحريري، كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية هي المسؤولة عن التحقيقات ولم يتم القبض على المسؤولين عن هذه الجرائم حتى اليوم.
هذا الأمر يجعلنا نتساءل عما إذا كانت هيئة تحقيق لبنانية قادرة على إجراء تحقيق شفاف لكشف الحقيقة وراء الانفجار من جهة، وإذا سيتم استبعاد التحقيق الدولي نظراً إلى التأثير الأمريكي والغربي من ناحية أخرى. 
 
استقالة الحكومة
 
على مرّ السنوات، فشلت الطبقة الحاكمة غير الكفؤة في تنفيذ الإصلاحات على مختلف الأصعدة نظراً إلى تغلغل الفساد في جميع القطاعات. السلطات اللبنانية لم تتحرّك ولم تقدم المساعدة الفعلية للمواطنين، ولم يتحمّل أي من صانعي القرار المسؤولية، في حين انتفض شبان وشابات لبنان، بالإضافة إلى هيئات المجتمع المدني، لمساعدة سكّان بيروت المتضررين على تجاوز هذه المحنة والخسائر التي خلّفتها، في الوقت الذي كان من المفترض أن تضمن الدولة حصول المتضررين من الانفجار على المواد الغذائية والمياه والسكن المناسب والمأوى والرعاية الطبية. 
فقدان الثقة بالإدارات والمؤسسات العامة والرسمية، دفع اللبنانيون لرفع الصوت والطلب من الدول المانحة تجاوز السلطة السياسية الفاسدة، وإيصال المساعدات مباشرةً للشعب اللبناني، بعد ازدياد الأخبار المتداولة عن سرقة المساعدات التي أرسلتها عدد من الدول في العالم والتي لم تصل بشكلِ مباشر إلى المتضررين بل إلى بعض النافذين والتجار، وذلك حدث وسط ضغوط متزايدة واحتجاجات شعبية تطالب بالمحاسبة بعد أشهر من الاضطرابات السياسية والانهيار الاقتصادي والمالي، والذي أدى إلى استقالة حكومة الرئيس حسان دياب في 10 آب. 
 
هل طبق الجيش جميع صلاحياته في قانون الطوارئ؟
 
قبل استقالة الحكومة، كان الرئيس دياب قد أعلن حالة الطوارئ في بيروت، وبالتالي كان على مجلس النواب الانعقاد في مهلة ثمانية أيام للنظر في هذا الإعلان، وهو ما حصل في 13 آب. 
عملياً، لم يتخذ الجيش أي من الإجراءات التي يتيحها له قانون الطوارئ، باستثناء إجراء وحيد قام مصرف لبنان فيه بتجميد حسابات عائدة إلى مديري مرفأ بيروت والجمارك اللبنانية السابقين والحاليين، إلا أن هذا الإجراء بقي غير كافٍ. 
تمديد هذا الإجراء إلى 18 أيلول هو بمثابة أمر مريب يهدف إلى تقييد حرية المواطنين في التنقل والتظاهر في حين أن التعبئة العامة لمكافحة جائحة كورونا كانت كافية لضبط الوضع. 
 
خلال فترة الطوارئ، تخضع جميع القوات المسلحة لقيادة السلطة العسكرية العليا من دون إغفال دور المؤسسات العامة. ويكون لهذه السلطة صلاحية الحفاظ على الأمن من خلال عدة تدابير تبدأ من فرض الإقامة الجبرية على الأفراد، الرقابة على مختلف وسائل الإعلام، تحرّي المنازل ليلاً ونهاراً، حظر التجول، ومصادرة الأشخاص والممتلكات. تظلّ هذه التدابير خاضعة لرقابة مجلس شورى الدولة. 
 
مسؤولية بلدية بيروت
 
التقاعس الرسمي على المستوى الوطني انعكس أيضاً على المستوى المحلي والبلدي، وهو ما وضع بلدية بيروت تحت مجهر المحاسبة. لم تتعامل بلدية بيروت مع الكارثة بالمستوى والفعالية المطلوبين ومن دون الارتكاز على خطة لإدارة الكوارث، على الرغم من قيام البنك الدولي والمرفق العالمي للحد من الكوارث والتعافي منها (GFDRR) بتدريب أجهزة البلدية على تطبيق "الخطة الشاملة للتعافي من الكوارث لمدينة بيروت" والتي بلغت قيمتها مليون ومئة ألف دولار، وهي خطة وضعت لتزويد سلطات المدينة باستراتيجية لمعالجة التعرض للصدمات والضغوط وتمتد على مراحل بدءً من نيسان 2018 إلى أيلول 2020.
على طرف نقيض، قام المواطنون والمواطنات بجمع الحطام الملوث والمواد السامة في المناطق السكنية المتضررة، مع مراعاة المخاطر الصحية وفقاً لمعايير الصحة العامة والسلامة الدولية، على عكس الممارسات الخطرة التي مارستها بعض الأجهزة الرسمية في جمع الركام الملوث في مكان واحد من دون فرزها او معالجتها، مخلفة مشكلة صحية كبيرة في الفترة المقبلة. وتظهر هذه الأحداث التراكمية مستوى عالٍ من الاستهتار والإفلات من العقاب. 
لم يتسنى للشعب اللبناني لملمة جراحه نتيجة تداعيات انفجار 4 آب حتى شهد المرفأ حريقاً هائلاً في 10 أيلول. هذا الحريق يفتح باب التساؤل والشك حول جدية التدابير المفترض اتخاذها عقب الانفجار المشؤوم وقدرة السلطة الحاكمة على تطبيق معايير السلامة العامة لعدم تكرار هذه المشاهد والكوارث. 
ويبقى السؤال الأساسي ما إذا ستشكّل حكومة من وزراء مستقلّين قادرين على العمل بشفافية من أجل تبيان الحقائق ومحاسبة المسؤولين.
 
ما هي توصيات المنظمة الدولية للتقرير عن الديموقراطية؟
 
تدعم DRI التشريعات الجارية لمكافحة الفساد والداعية إلى الشفافية في عمل الإدارات. توصي DRI السلطات على وجه السرعة تطبيق ما يلي:
- إستعادة السيادة وفرض تطبيق قيم حقوق الإنسان وسلطة القانون في الإدارات العامة من خلال اعتماد إطار قانوني ومؤسسي.
- اعتماد قانون استقلالية القضاء وتنفيذه من أجل محاسبة المسؤولين عن الانفجار. 
- تعزيز مبادئ التخفيف من مخاطر الكوارث وإدارتها على المستويين المحلي والوطني وإعادة الإعمار والتعافي بالتنسيق مع المنظمات المحلية والدولية.
- نشر المعلومات والبيانات المتعلقة بمرحلة ما بعد الانفجار عبر وسائل الإعلام والمواقع الرسمية بداعي الشفافية وتجنّباً لتداول الأخبار الكاذبة. 
- تطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة المنصوص عليها في اتفاق الطائف.
- إجراء تحقيق مستقل وشفاف لمحاسبة المسؤولين عن الإنفجار بعيداً عن الضغوطات السياسية. 
- انشاء لجنة علمية مشتركة لفحص جودة الهواء والمياه والتربة لتجنب أي كارثة على الصحة العامة بسبب المواد السامة الناتجة عن الانفجار.
- إدارة النفايات السامة (المخلفات السامة) لتجنب كارثة بيئية إضافية.
 
الكلمات الدالة