الثلاثاء - 09 آب 2022
بيروت 31 °

إعلان

العرب والديموقراطية... الوسيلة والغاية

د. خالد محمد باطرفي
تعبيرية.
تعبيرية.
A+ A-
في كتابه الشهير "مزرعة الحيوانات" (1945) كتب الروائي البريطاني، جورج أورويل، صاحب رواية "الأخ الأكبر" (1984)، قصة ساخرة عن ثورة الخنازير على صاحب مزرعة بريطانية، "السيد ج. ونز"، احتجاجاً على استبداده واستغلاله وظلمه لهم. أسفرت الثورة عن القضاء على حكم البشر لهم، واختيار خنزير منهم ليقود حركة التغيير في مجلس حكم ثوري جديد.
 
لكن الرئيس الجديد، "نابليون"، لم يحقق لهم وعود المساواة والحرية والسعادة، بل اتبع أساليب حكم لا تختلف دموية وظلماً وقهراً عن الحاكم البشري. وعندما ذكّروه بالديموقراطية التي أوصلته إلى الحكم، ووعوده الانتخابية، ردّ عليهم: صحيح أنّنا جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات، ولكن بعضنا أكثر حظاً في المساواة من غيره!
 
 
إسقاط على الثورة البلشفيّة
شرح الكاتب لاحقاً في مقال أنه كان يعبّر عن رأيه في الثورة البلشفيّة التي قضت على الحكم القيصريّ في روسيا، وجاءت بحكم شيوعيّ يفترض أن يحقق أهدافاً سامية، ويغيّر مفهوم الطبقة الحاكمة والشعب بالكامل، ويقدّم للعالم أنموذجاً مثاليّاً لتوزيع الثروة والسلطة والحكم الديموقراطي الرشيد. وعلّق بأنّه لأوّل مرّة يكتب رواية سياسية ساخرة برؤية معلنة واضحة؛ وأنه كديموقراطي اجتماعي، صُدم ككلّ اليساريين الأحرار بما انتهت إليه الثورة البلشفية من تمكين الحزب الواحد، والفرد الواحد، ومنحهم كلّ المزايا، ومساواة الشعب في الحرمان، ومن جرائم الرفيق جوزيف ستالين الدموية والاستبدادية ضد شعبه ورفاقه، وقتله للفكرة الشيوعية المثلى في مهدها، ومن داخلها.
 
 
الديموقراطية "الأثينية"
الشاهد في هذه القصة أن الديموقراطية كثيراً ما تتحول إلى هدف بحدّ ذاتها لا مجرّد وسيلة للوصول إلى الهدف. وفي مرحلة انغماسنا في "بيروقراطية" التنفيذ، ننسى أسباب الفكرة، ومنطلقاتها، والنتائج المستهدفة. فالديموقراطية الأثينية، وهي الأقدم في العالم، وتعني باللاتينية "حكم الشعب"، هي أول ديموقراطية في العالم طبّقت بحدود القرن الخامس قبل الميلاد في "الدولة -المدينة" أثينا.
 
كان النظام، في بدايته، يقوم على المشاركة الشعبيّة المباشرة، حيث يقوم المواطنون المخوّلون بالتصويت المباشر على التشريعات التنفيذية والقوانين، ولم تكن المشاركة مفتوحة للجميع، فحق التصويت محصور بالمواطنين البالغين، الأحرار، الرجال من سكّان المدينة. وبهذه الشروط بلغ عدد الناخبين ما بين 30,000 و50,000 من مجموع السكان البالغ عددهم نحو 250,000 إلى 300,000".
 
استمرّ النظام، مع بعض التعديلات عليه حتى العام 322 قبل الميلاد، عندما انقلب المقدونيّون عليه. وقد أعيد إحياء المؤسّسات الديموقراطية الأثينية في قرون لاحقة. لكن لا يوجد توثيق يؤكّد تماثلها مع الديموقراطية الأولى، إذ إن الطبقة الحاكمة كثيراً ما تجد وسيلة لتفريغ النظام من مضامينه وأهدافه لتوسيع صلاحيّاتها وخدمة مصالحها واستمرارية وجودها.
 
 
الديموقراطية الليبرالية
والديموقراطية بشكلها الحديث شكلٌ من أشكال الحكم السياسي قائم بالإجمال على التداول السلميّ للسلطة وحكم الأكثرية؛ ولذلك فإنّ من التناقض وصفها بالليبرالية، التي تؤكّد على حماية حقوق الأفراد والأقليّات. فالديموقراطية تعني في الأصل حكم الشعب لنفسه، ويأتمر بحكم الأغلبية. أمّا النظام السائد اليوم فهو غير ديموقراطي لأنه يقيّد إرادة الأغلبية، ويمنح الأقليات حقوقاً دستورية غير منصوص عليها في الدستور الأثيني، بل ولا حتى في الدساتير الغربية قبل تعديلها.
 
فالدستور الأميركي - مثلاً - كان يسمح بالتصويت للرجال الأحرار البالغين من أصحاب رأس المال والأرض والمكانة الاجتماعية (وهم من نسمّيهم في تراثنا "أهل الحل والعقد"، وإن كانوا عندنا يشملون النساء أيضاً). ولم يتبنَّ النظام الأميركي "صوت واحد لكل مواطن، رجلاً كان أم أنثى" إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما سمح للنساء والسود والملونين بحقوق مدنية من بينها حق الاقتراع. أمّا في أوروبا فقد مُنحت المواطنة الكنديّة حق التصويت في العام 1917، والبريطانية والبولندية في العام 1918، والأسبانية في 1933، والفرنسية في 1944، والإيطالية في 1946، واليونانية في 1952، والسويسرية في 1971.
 
 
الأنظمة الهجينة
وهكذا، فإن أنظمة الحكم القائمة اليوم في البلدان التي تتلبّس بلبوس الديموقراطية، سواء أكانت ليبرالية أم مركزية، لم تحقق كلّ ما تدّعيه. ففي النسخة الشرقية، هناك الحزب الشيوعيّ الصينيّ، الذي ينتخب قادته من القواعد وحتى رأس السلطة، وهناك الديموقراطية الهندية والاقتراع فيها حرّ ويشمل الجميع؛ ومع ذلك لم تتحقق المساواة والعدالة الاجتماعية، ولم تُحمَ الأقليّات الدينية والعرقيّة في الصين والهند.
 
وفي الولايات المتحدة، صاحبة النظام الهجين، الديموقراطي، الليبرالي، العلماني، تضاربت الأنظمة حتى أخرجت لنا نظاماً متناقضاً وغير فعّال. فهو يؤكد على المساواة، وحكم الشعب للشعب، وحماية الأقلية من استبداد الأكثرية؛ ولكنه يسمح فقط بصعود مرشّحي حزبين فقط، الجمهوري والديموقراطي، وتموّلهما وتوجّههما جماعات ضغط وتحالفات ماليّة وعمّاليّة وسياسية. ولهذا، لم تنجح أقوى وأغنى النماذج "الديموقراطية" الغربية في إنتاج قيادات تنفيذية وتشريعية تليق بحجمها وتاريخها، وتستطيع قيادة دفّة العالم، من خلال المؤسّسات الأمميّة، والتحالفات الغربية، والشراكات الدولية، وبالاعتماد على موارد قوتها الخشنة والناعمة، العسكرية والنقدية والثقافية.
 
 
التجربة الأفغانية
ومع ذلك، فأميركا هي أكبر المبشّرين بنموذجها الكسيح. تروّج له وتفرضه على دول العالم، من دول أميركا اللاتينية إلى الدول العربية والشرق أوسطية؛ ولا تزال تواصل حملاتها، بالرغم من أن الفشل الذريع لاحَقَ كلّ هذه المشاريع، وآخرها أفغانستان والعراق، إذ عادت الأولى إلى نظامها القبلي والديني السابق، وضاعت تريليونات الدولارات من الخزينة الأميركية هدراً، وتبخّرت وعود المحتلّ بتوفير الحماية لحقوق الإنسان، والمساواة بين أفراد المجتمع، وحرية المعتقد والفكر والتعبير.
 
أمّا الميزانيّات الضخمة التي صرفت على الحكومات السابقة، فلم تحقق النقلة الإنمائيّة والتعليميّة والصحيّة الموعودة، وضاعت جلّها في حسابات عملاء أميركا وشركاتها وممثليها. ولعلّ اغتيال أمير القاعدة، أيمن الظواهري، في كابول، نهاية الأسبوع الماضي، يؤكد مدى اختراق أعداء أميركا "المفترضين" لبلد احتلّته عشرين عاماً.
 
 
التجربة العراقية
ووقعت، الدولة الثانية، التي جرّبت فيها أميركا مشروعها الديموقراطي، العراق، تحت الهيمنة الأجنبية، وقسمت البلاد على مسطرة الإثنيات والطوائف، ونهبت مواردها المالية المقدّرة بـ600 مليار دولار، في العشرين عاماً الماضية، وفوقها أكثر من تريليون دولار أنفقتها أميركا، ناهيك بالموارد النفطية والمائية التي سرقها جيرانها.
 
وفي المحصّلة، لم تتحقق أهداف "الديموقراطية" ولا "الليبرالية" ولا "العلمانية"، ووجد الشعب نفسه تحت قبضة طبقة حكم ومال فاسدة حتى النخاع، تفرّقها المصالح والمذاهب والأعراق، ويجمعها الولاء للأعداء، والفشل في توفير أبسط احتياجات الحياة اليومية والحماية الأمنية والخدمات الحكومية؛ واليوم تعجز حتى عن تعيين رئيس للدولة أو لمجلس الوزراء أو تمكين البرلمان الجديد.
 
 
"الجمهوملكيات" العربية
وهكذا انتهى حال كل الديموقراطيات المزيّفة التي تبنّت النموذج الغربي في الشرق الأوسط، فـ"الجمهوملكيات" العربية في سوريا ولبنان واليمن والسودان تحوّلت إلى دول فاشلة، ولم تستفد شعوبها من أنظمة تدّعي المشاركة الشعبية والشرعية الانتخابية والحريات الشخصية، وتتوارث السلطة عائلياً وطائفياً، حتى بتوفير الأمن والخبز والماء والوقود والكهرباء، أو المقاعد الدراسية والخدمات الطبية والبلدية.
 
وفي المقابل، نجحت تلك الدول التي لم تقبل بالأنظمة المستوردة والمعلّبة التي يروجها الغرب، واختارت لنفسها أنظمة مستقاة من ثقافتها وتجربتها الخاصة، كالملكيّات العربية، في تحقيق قفزات كبرى على طريق البناء والتنمية والرخاء. وضعت لمستقبلها خططاً ورؤى طموحة أنتجت شعوباً متعلّمة، متدرّبة، جاهزة لتحقيقها.
 
 
الحكم الرشيد
وتبقى الأسئلة: هل "الديموقراطية" (كما تسميها الأنظمة الغربية) غاية أم وسيلة؟ وإذا تحققت الغاية عبر وسائل أخرى أثبتت نجاحها، فهل نأخذ بها، أم نصرّ على استبدالها؟ ومن يقرّر للشعوب العربية خياراتها؟ وهل من حق مَن فشل في إنجاح أنموذجه أن يفرضه على غيره؟ ومن فوّضه أصلاً وكيلاً لآدم على ذريته؟
 
نحن اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف "الحكم الرشيد" بعيداً من التوصيفات المعلّبة، والتعاليم المستوردة. وتقع على علماء الاجتماع والسياسة والإدارة العرب مسؤولية البحث في المخزون التراثيّ والبيئة المحليّة أولاً، ثم في التجارب الإقليمية، والدولية المقاربة، عن موارد فكرية تساعدهم على تصميم أنظمة حكم مواطنة، قابلة للتطبيق والنمو والاستدامة. فالعبرة بالنتائج لا بالطرق المؤدية إليها.
 
 
* أستاذ بجامعة الفيصل
@kbatarfi
 

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم