الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

ماهيّة الكيانيّة اللبنانيّة

"الكيانيّة اللبنانيّة تبرزك أنت كما أنت وكمن أنت" (تعبيرية- "النهار").
"الكيانيّة اللبنانيّة تبرزك أنت كما أنت وكمن أنت" (تعبيرية- "النهار").
A+ A-
الدكتور ميشال الشمّاعي

دأبت في كتاباتي الحضاريّة والفكريّة والسياسيّة على نشر مصطلح "الكيانيّة اللبنانيّة"، الذي بات اليوم راسخاً في أذهان معظم المتابعين. وتعمّدت عدم شرح هذا المصطلح بادئ ذي بدء، كي أترك المجال للمتابعين في التفكّر والتبصّر والتأمّل بهذا المصطلح، الذي يحمل أبعاداً مختلفة وفيما قد يعنيه لكلّ شخص يتلقّفه فكريّاً: ولا سيّما في علم السياسة.

بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مصطلح "الكيانيّة" قد اشتقّه المفكّر اللبناني الفيلسوف شارل مالك، وكتب عنه في كتابه "المقدّمة: سيرة ذاتيّة فلسفيّة" الصادر عن دار "النهار" في طبعته الأولى سنة 1977؛ لكنّه لم يُدرج في كتاب إلّا في طبعته الثانية التي صدرت في آذار من عام 2001.

تحدّث الدكتور شارل مالك في الفصل الخامس من كتابه عن "مراتب الوجود" التي حكمت كيانه وقسّمها إلى ثمان، حيث أتت الكيانيّة في المرحلة السادسة كالآتي: الرياضيّات، العلوم، الكوزمولوجيا، الحلوليّة، المثاليّة، الكيانيّة، الحياتيّة، والإيمان. وما وجب عدم القفز فوقه هو أنّ مالك قبل كلّ شيء قد درس الفلسفة الوجوديّة على يد الفيلسوف الوجودي الشهير هايدغر، ومنها توسّع إلى تفسير مفهوم "الإنسان الوجودي - الكياني".

لقد انطلق مالك من المثلّث الوجودي لشرح الفلسفة الظّهوريّة التي نقلها من الفينومينولوجيا، وقمت بتفصيلها في كتابي "القضيّة اللبنانيّة في فكر الدكتور شارل مالك" الصادر عام 2018، في الصفحة 55 منه برسم توضيحي للمثلّث الوجودي كالآتي:

الواجد

الوجود الموجود
فالكون، بحسب مالك، مكوّن من ظهورات لا يمكن التغيير في طبيعتها، والموت أحدها، إذ ربّ الكون بحدّ ذاته تألّم، ومات، وقبر، ليبرهن لنا بأنّ ما هو أرضيّ إنّما يموت ويدفن في هذه الأرض. ففعل الوجود بحاجة إلى "مُوجِد". وفي هذه الحال يكون "ربّ الكون" هو الموجد لدى المؤمن، أمّا الطبيعة فهي التي تقوم بهذه المهامّ بنظر مَن لا يؤمن بحقيقة الله. وكما شرح مالك في كتابه المذكور آنفاً، ومن منطلقات الفلسفة الوجوديّة، فكلّ مُوجِدٍ بحاجة إلى واجد يبتدعه بقدراته الشخصيّة. وهذا ما مثّله الإنسان بالنسبة إلى الواجد، الذي صار في ما بعد موجوداً بفعل الوجود له. وليمارس طبيعة وجوده يبقى أنّ هذا الموجود بحاجة إلى وجود طبيعيّ يحيا فيه وجوده. من هنا أتى الوجود أي الكون، ليصبح الحيّز الحياتي العملي للموجود، والرابط ما بينه وما بين واجده، أي ربّ الأكوان، بحسب قناعاتنا الإيمانيّة.

أمّا شارل مالك فذهب أبعد بكثير من مجرّد فعل الوجود ليربطه بالكينونة. وما بين الكينونة والوجود فارق كبير يتخطّى الأفهام البسيطة. فالكائن هو هو، كائن بحدّ ذاته؛ لا يرتبط بموجِدٍ أو بواجِدٍ ما. وبحسب مالك في كتابه "يبقى في الوجود طعم أو تذكّر خفيّ بموجود وموجِد وواجد، بينما هذا الطّعم معدوم في الكيان أو الكينونة". وهكذا برّر استخدامه للفظة الكيانيّة عوض الوجوديّة. وبحسب مالك، "في النظر الكياني أبرز أنا كما أنا وكمن أنا، وتبرز أنت كما أنت وكمن أنت. أنا الموجود بالفعل وأنت الموجود بالفعل. أُتركْ جانباً كلّ "نظريّة" مسبقة عنّي وعنك وحدّق ببساطة وإخلاص بوجودنا كما هو بالذات، في كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ لحظة".

ومن هذا الباب ولجتُ الكيانيّة أكثر، ونقلتها من الفكر الفلسفي الوجودي عند مالك إلى الفكر السياسي وأرفقتها باللبننة، فاستحدثت مصطلحاً جديداً في علم السياسة اصطلحت على تسميته "الكيانيّة اللبنانيّة". ولفهم هذا المصطلح يجب النظر الكياني في التركيبة المجتمعيّة التعدّدية اللبنانيّة، من خلال النظر إلى الآخر المختلف. ولن تستطيع أن تحقّق هذه النظرة إلى هذا الآخر المختلف عنك، إلّا إذا أقررت بحقيقتك كائناً بشريّاً محدوداً، وخائفاً، ومواتاً، ووريثاً لنزعات آدم كلّها، وعارفاً هذه الحقيقة في قرارة نفسك، ومع ذلك المتمرّد عليها. فإذا اعترفت بهذه الحقيقة من دون أيّ تعقيد فلسفي، عندها فقط تستطيع أن تقف أمام الآخر المختلف وتراه كما هو، لأنّه هو كما أنت بالضبط. فعندها فقط تستطيع أن تكون رحوماً ومحبّاً معه لأنّك تنظر إليه كحيّ - ميت مثلك تماماً وتحبّه.

وعند تحقّق هذه الغاية فقط، تستطيع أن تتخاطب وهذا الآخر وتعيشا معاً قيم الحرّية، والمحبّة، والسلام. وذلك انطلاقاً من القيمة الكبرى التي تظلّل هذه القيم الثلاث وهي قيمة الإنسانيّة. فهذه القيمة بالذات تجعلك كلبناني تختلف عن لبناني آخر، تعيشان معاً في البلد نفسه. فتصبح أنت هو، ويصبح هو أنت بالضبط. وذلك بوحدة روحيّة قِيَمِيَّةٍ مظلَّلَةٍ بالاحترام المتبادَل، والمساواة. تتخاطبان مخاطبة الندّ للندّ. ذلك أنّكما تعرفان بعضكما أبريوريّاً أي بطريقة قَبْليّةٍ، لأنّكما قبل أيّ شيء آخر لبنانيّان كيانيّان صميمان.

فالكيانيّة اللبنانيّة تبرزك أنت كما أنت وكمن أنت، وتبرزني أنا كما أنا وكمن أنا. كلانا كائنان بفعل الوجود ذاته، ونحن مدعوّان دائماً للنظر بعضنا إلى بعض من دون أيّ نظريّات مسبقة، لا محليّة ولا مستوردة، لا ماديّة ولا أيديولوجيّة، وذلك للتحديق والتأمّل والتبصّر مليّاً ببساطة وإخلاص بوجوديّتنا كما هي بالذات، في كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ لحظة. فالمطلوب كوني كيانيّاً لبنانيّاً يجب أن أنظر إلى هكذيّتي السابقة لكلّ نظرة أبريوريّة عن الآخر وتلك الباقية بعد كلّ نظريّة.

من هنا بالذات تتوحّد المترادفات الكيانيّة الخمسة كالآتي: أنا، وأنتَ (أنتِ)، هو (هي)، نحن، الإنسان. فتراكيب كياني هي نفسها تراكيب كيانك، وهي نفسها تراكيب كيان أيّ شخص آخر. لذلك كلّه، هي تشكّل مجتمعة تراكيب كيانيّتنا اللبنانيّة. فالكيانيّة اللبنانيّة هي التي تجمعني بالآخر الذي يعيش معي، وأعيش معه، ونعيش معاً في هذا الإطار الذي ارتضيناه وطناً جامعاً لنا. مع العلم أنّنا موجودون بفعل كيانيّتنا هذه كبشر جميعنا نتساوى في كلّ شيء. لكن كلّ ذات مستقلّة عن غيرها في صلب كيانها، في قلب هذه الكيانيّة اللبنانيّة. فهذه المعرفة الكيانيّة بعينها التي تجمعني بالآخر المختلف، وهي ليست استنتاجاً عقليّاً منطقيّاً، وليست انطباعاً حسّيّاً وجدانيّاً. إنّما هي ذاتها تشترط كلّ عمل عقلي وكلّ تأثّر حسّي. وانطلاقاً من كوني موجوداً هنا في هذا الوطن فأنا بين أشخاص كائنين أيضاً؛ من هنا أجزم بوجودهم وبصحّة معرفتي لهذا الوجود الكينونيّ.

إضافة إلى ذلك كلّه، ومن قناعة الإيمان الإنساني الذي يدفعني للشعور بإنسانيّة الآخر، أؤمن بأنّ تراكيب كياني كلبناني هي برمّتها تراكيب كيان الآخر الذي يتفاعل مع كيانيّتي الخاصّة. فعندما أجزم بأنّني آيل إلى السقوط، أفنى، أخاف... ذلك يعني أنّني أجزم بأنّك مثلي تسقط وتخاف، وتفنى. فأنا أجزم بأنّك مثلي في إنسانيّتك الأساسيّة. فإنسانيّتنا الواحدة المشتركة هي الحقيقة الوحيدة التي تسبق وتتقدّم وتشرط كيانيّاً أيّ حقيقة أخرى.

خلاصة القول، لبنان يعني اللبنانيّين الكيانيّين وحدهم، بكلّ ما أنتجوه من نمطيّة حياة بما فيها من خلقٍ، وما يعتريها من عيوب. فالنظام السياسي لا شيء إلّا بقدر ما يُثري الإنسان ويحرّره ويرفعه. وما لم نستطع رؤية الإنسان الآخر المختلف في الوجود معنا بكينونته الإنسانيّة، وبكيانيّته الوطنيّة فلن نستطيع بناء وطن الرسالة، والإنسان، والسلام. ولن يكون ذلك إلّا على قاعدة المساواة الكيانيّة التي، وحدَها، تستطيع أن تنقذ لبنان من الغرق الآحادي الوحدويّ التوحّدي مع عالم أيديولوجيّ ساقط أبريوريّاً.

فخلاص هذا الوطن هو بالعودة الدائمة، ولا سيّما في كلّ لحظة عبور، إلى جذور الكيانيّة اللبنانيّة التي تعدّ هي علّة وجوده. وفي كلّ لحظة يخرج أيّ لبناني من هذه الكيانيّة تنتقص معه كرامة الوطن، لأنّ الكرامة هي كيانيّة لا تُجزّأ، ولأنّها كلّ مجتمع في الإنسان الواحد، الشخص البشري الذي يحمل في كينونته الخاصّة جزءاً من كيانيّة الوطن. ولا قيامة واستمرار لهذا الوطن إلّا بالعودة التامّة إلى الكيانيّة اللبنانيّة التي لا ترتبط إلّا بنفسها، ولا تعمل إلّا لنفسها لأنّها لا تشبه إلّا نفسها.

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم