السبت - 28 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

سيدة الأعمال السعودية هدى الغصن... تعزيز التنوّع الوظيفي ضرورة حاسمة وعلى المرأة كسر نمطية المهن الأنثوية

المصدر: النهار
فرح نصور
سيدة الأعمال السعودية هدى الغصن
سيدة الأعمال السعودية هدى الغصن
A+ A-
 مجالات عديدة لطالما طغى عليها الذكور دون أيّ مبرِّر لعدم خوض المرأة فيها. وقد تكون فعلاً المرأة في هذا الإطار "عدوّة نفسها". ملهِمتنا في هذا المقال كانت أول امرأة سعودية تتولى منصب مدير تنفيذي في شركة "أرامكو"، عملاق النفط السعودي. هي سيدة أعمال بارزة، تولّت مناصب عديدة بما فيها في قطاع الكهرباء، جاهدةً، بكفاءتها، لكسر الصورة النمطية تجاه المرأة. كذلك، حازت جوائز أهمّها في ريادة وقيادة المرأة العربية، إلى جانب تصنيفها من بين أكثر النساء نفوذاً في العالم. 
 
سيدة الأعمال السعودية، هدى الغصن، في حوار مع "النهار" في اليوم العالمي للمرأة. 
 
تتحوّل بعض الشركات السعودية نحو تنصيب النساء في مراكز ريادية. وترى الغصن أنّ حصولها كامرأة على مركز رفيع المستوى في شركة "أرامكو" أمر مهم نظراً لأنّ من المتعارف عليه أنّ المناصب القيادية، خصوصاً في قطاع النفط، تقتصر على الرجال في أغلب الأحوال. 
 
ومن خلال تجربتها العملية في "أرامكو"، تؤكّد الغصن أنّ الشركة تأتي على رأس القطاعات التي مكّنت المرأة مبكراً في أعمالها، وكان لها السبق في تعليم وتدريب وتوظيف المرأة وفتح المجال أمامها واسعاً لتعمل وتبدع وتصل إلى أعلى المناصب.  
 
وعن سبل تمكين المرأة لدخولها في أعمال ومهن غير تقليدية، ترى الغصن أنّ تمكين المرأة في هذا الإطار، يتطلّب استراتيجيات تشمل برامج بناء القدرات والمهارات في المجالات غير النمطية بدءاً من تحسين فرص الحصول على التعليم التقني والعلمي، إلى تثقيف المجتمع ورفع الوعي من خلال استهداف وسائل الإعلام والقادة في برامج تسويق وتوعية اجتماعية، واستعراض قدوات وأمثلة من نساء نجحن في مجالات غير تقليدية وتسليط الضوء على مسيرتهن وإنجازاتهن، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة الوعي بين الشباب. 
 
 
على سبيل المثال نجد أنّ حصة المرأة في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات منخفضة جداً، وهذا يؤثر على خياراتها المهنية ويحدّ من فرصها في المجالات غير النمطية. ولا تمثل النساء سوى نحو 38 في المئة من خريجي هذه التخصصات العلمية على الصعيد العالمي، والنسبة المئوية أقل بكثير في هذه المنطقة. ومرة أخرى، فإنّ "هذه النسبة المنخفضة هي انعكاس لتحيّز عميق الجذور ناجم عن التوقعات المجتمعية والتقليدية لدور المرأة في الاقتصاد والمجتمع"، وفق الغصن. 
 
ولا يتعيّن على النساء، ولا سيما في منطقتنا، أن يتعاملن مع "السقف الزجاجي" فحسب، بل أيضاً مع "الجدران الزجاجية" التي أثبتت أنها أكثر سماكة وصلابة، وهي الحواجز التي تحصر المرأة في المهن النمطية الأنثوية. 
 
 
النوّع الوظيفي بين الجنسين ضرورة اقتصادية حاسمة
 
وفي ما يتعلّق بالتنوّع الوظيفي بين الجنسين، برأي الغصن، إنّ "سدّ الفجوة على هذا المستوى، ومعالجة الحواجز التي تحول دون تقدّم القوى العاملة النسائية في مجالات علمية وتقنية وقيادية، ليست قضيّة اجتماعية ملحّة فحسب، بل هي ضرورة اقتصادية حاسمة". فالأسر ذات الدخلين تسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال توفير تعليم ورعاية صحية أفضل لأطفالها، وتأمين نمط حياة يمكنهم فيه الازدهار. وعلى القدر نفسه من الأهمية، يعتمد نجاح الأعمال أيضاً على تنوّع وتعزيز وتوسيع مجموعة المواهب والابتكار من المنظورين النسائي والرجالي. 
 
وفيما نشرت الغصن كتاباً عن مسيرتها والتحدّيات التي واجهتها في مجتمع ذكوري مقيِّد للمرأة واستقلاليتها، ترى أنّ المرأة في عالمنا العربي كانت وستبقى امرأة شجاعة، ذكيّة، مثابرة، قويّة الشخصية، واثقة من نفسها، وقادرة على كسر الحواجز وتحمّل الصعاب. فهناك العديد من الشخصيات النسائية العظيمة ممَّن كن قائدات فرضن نفوذهن بالعقل والحكمة، و"أنا أؤمن إيماناً راسخاً بأنّ النساء، إذا أردن، قادرات على اتخاذ إجراءات بأنفسهنّ لضمان أن تكون حياتهن المهنية مجزية ومرضية قدر الإمكان، بحيث تقع على عاتق المرأة مسؤولية أن تكون في مقعد القيادة في حياتها المهنية". 
 
ويمكن أيضاً للرجال، بحسب الغصن، وخصوصاً القادة منهم، أن يكون لهم دور كبير في دعم النساء للمشاركة الفعالة في سوق العمل والوصول إلى المناصب القيادية وتيسير الطريق وإزالة العقبات أمامهن وتعزيز تكافؤ الفرص ودعمهن لتحقيق أهدافهن. فالمرأة ما زالت بحاجة إلى دعم صانعي القرار لدينا لتشجيع قطاعات العمل بمختلف أنماطها لمنحها فرصاً عادلة حتى تصل إلى مناصب أعلى في جميع المجالات، ومنحها حقها في التأثير على توجهات النظام الاجتماعي والاقتصادي على المستويين الوطني والدولي. وبذلك نمهّد لمستقبل أفضل تكون المرأة فيه شريكاً فاعلاً لا تابعاً. 
 
 
وفيما صنّفت مجلة "فوربس" الشرق الأوسط الغصن من بين أقوى سيدات الأعمال العرب في العالم، ومجلة "أريبيان بزنس" واحدة من أكثر النساء العربيات نفوذاً في العالم، نسألها التالي: ماذا يعني، في أيامنا هذه، أن تكون امرأة عربية ذات نفوذ؟ وهل تطغى بذلك على الرجل؟ تجيب الغصن أنّ المرأة ذات النفوذ هي امرأة قادرة على صنع القرار بحكمة وعقلانية، وتطوير الأنظمة والسياسات القائمة والاستراتيجيات المستقبلية. وهي القادرة كذلك على التأثير في العقول وجذب الدعم والمساندة خصوصاً لقرارات تقدّمية غير نمطية. وحين يمتلك الفرد نفوذاً، لا يعني أنّه يصبح طاغية، فالرجل والمرأة في قانون الطبيعة خُلقا ليكمّل أحدهما الآخر في جميع النواحي، كذلك المشاركة في صنع القرار، وحين يطغى فرد على آخر نفقد التوازن والعدالة الاجتماعية.  
 
 
التغلب على التحدّيات عبر عدم الاستسلام للعوائق والشجاعة في إبداء الرأي
 
وعلى مستوى تجربة نفوذها في الشركة، كامرأة بين مجتمع رجال، فكانت أجواء العمل تنافسية حادة، فجميع المراكز ذات الأهمية والسلطة يهيمن عليها الرجال. كما كانت معظم برامج الشركة التطويرية والتحفيزية تسلط الضوء على الرجال ممَّن يحملون شهادات في علوم الهندسة والتقنية، وكان لهم القسم الأكبر في الترقيات والمكافآت. ورغم ذلك استطعت منافسة الزملاء والتفوّق في الأداء والإنجاز، و"ساعدني في التغلب على التحدّيات، عدم الاستسلام للضغوط والعوائق، والشجاعة في إبداء رأيي وتقبّل المهام الصعبة والمخاطرة". 
 
وفي الحديث عن الصعوبات التي تواجهها المرأة في مجتمعاتنا العربية لإثبات نفسها وقدراتها، ترى الغصن أنّه في كثير من الأحيان تحدّ تقاليد المجتمع البائدة والمفاهيم الذكورية من نشاطات المرأة وتعليمها ومشاركتها الفعالة في أسواق العمل. فالاعتقاد السائد في بعض المجتمعات هو أنّ المرأة لا تمتلك القدرات القيادية، وأنّها غير جادة في طموحاتها، وأنّ عملها هو مرحلة مؤقتة الى أن تتزوّج وتنجب الأطفال، وأنها غير قادرة على تحمّل الضغوط والتحديات. هذه المفاهيم جعلت الفرص المتاحة للمرأة تقتصر على وظائف محدودة جداً وأدوار ثانوية. فالنظرة المتدنية على أنّها مخلوق ضعيف وإنسان غير قادر على التفكير العقلاني المستقلّ، وأنّها محدودة الذكاء، وغير قادره على رعاية وحماية نفسها، جعلت المجتمع يقرّ بأنّها بحاجة إلى حماية ووصاية الرجل ليدير شؤونها ويوفّر لها الحياة الآمنة. وأدّى هذا الى تهميش جميع قدراتها ومواهبها وإنجازاتها، فلم تحصل على حقها من التقدير. 
 
إضافة الى ذلك، يؤدي نموذج الأسرة التقليدي دوراً رئيسياً في التأثير على وضع المرأة في المجتمع، بحيث يكون الرجل قائداً للأسرة ومعيلاً، وتكون المرأة راعية وربة منزل، ويؤدي إلى مقاومة دخولها سوق العمل، وإعاقة قدرتها على التقدّم، وحينما تدخل سوق العمل، نجد أنها في كثير من الأحيان لا تحصل على الدعم أو المساعدة الكافيين.  
 
 
ومن الأفكار الثقافية الأخرى التي تؤثّر على وضع المرأة المهني في العالم العربي، وفي كل مكان، مفهوم أنّ النجاح في مكان العمل يعني خذلان الأسرة، والتقصير في حقوقها. صحيح أنّ أسلوب الحياة القائم على وظيفتين، واحدة في العمل وأخرى في البيت بدوام كامل، قد يؤثّر سلباً على طاقة المرأة وقدرتها على العطاء والإنجاز، لكن فقط حين لا تلقى دعماً كافياً ومشاركة من الزوج وأفراد الأسرة، خصوصاً في المجتمعات التقليدية ومؤسسات العمل. وبالتالي يؤدي هذا الى ترسيخ النظرة القائمة بأن المرأة غير قادرة على تحمّل الصعاب والموازنة بين مسؤوليات العمل والأسرة. 
 
وإذا ما أردنا الكلام عن حجم تمثيل المرأة في المملكة، وعن إمكانية إثبات نفسها أكثر داخل أم خارج المملكة، تورد الغصن أنّ المرأة السعودية تمثّل، حسب إحصائيات سنة 2021، 33 في المئة من حجم سوق العمل مقارنة بـ20 في المئة في 2018. وتُعدّ هذه قفزة هائلة وباهرة في غضون ثلاث سنوات فقط. 
وبذلك، ترى الغصن أنّ المرأة في المملكة وصلت إلى مواقع قيادية في جميع المجالات، وتفوّقت في كثير من مراكز العلم والعمل، لا على المستوى المحلي فقط، بل على مستوى العالم. فالإصلاحات الحديثة التي استهدفت تمكين المرأة وضمان حقوقها ورفع القيود عن نشاطها، بدّلت المواقف الاجتماعية حيال قدراتها و عملها جذرياً. فالمرأة السعودية الآن تفوّقت وأبدعت على الصعيد الداخلي والخارجي في جميع المجالات الأخرى. ومثابرة النساء من الأجيال السابقة كان لها دور مهم لتمهيد الطريق لبروز جيل من السيدات اللاتي يتمتّعن بالقدرة والموهبة، بجانب العلم والطموح. و"مع أنّه لا يزال أمامنا الكثير لعمله محلياً وإقليمياً وعالمياً من أجل إيجاد فرص عادلة لتقدم المرأة، فنحن نقترب شيئاً فشيئاً من الهدف فيما تواصل الدولة مساعيها نحو مستقبل أفضل لجميع فئات المجتمع"، برأي الغصن. 
 
وتتوجّه الغصن برسالة للمرأة العربية في يوم المرأة العالمي مستشهدةً بالقول: "إن كان الناس يشكّكون إلى أي مدى يمكن أن تذهب، فاذهب إلى أعلى مدى بحيث لا يمكنك سماعهم". وهذا، من وجهة نظرها، هو حال كل امرأة في العالم كلّه وليس فقط في العالم العربي، إذ إن نجاح المرأة أو فشلها، في عالم اليوم، يعتمد على صمودها أو استسلامها للمحبطات والتشكيك في قدراتها وإمكانياتها العملية والإبداعية. 
 
لكن في آخر المطاف، قد يكون في بعض الأحيان، العائق الحقيقي لتقدّم المرأة هو نفسها!
 
 
إفرأ أيضاً: المرأة تستطيع
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم