الخميس - 26 تشرين الثاني 2020
بيروت 17 °

إعلان

يوميّات حالمة: "ختير الديب"

المصدر: "النهار"
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
"يوميات حالمة".
"يوميات حالمة".
A+ A-
لقد عاد أبي إلى المنزل. "ختير الديب". عيناه تائهتان. خائفتان. يحدّق في وجهي حتى يُخيّل إلي أنه يُريد أن يفترسني لكي يتعلّق بالواقع. يتمسّك من خلالي بالحياة التي بدأت تنسحب من عظمة روحه. عاد أبي إلى المنزل وتحطّمت مع عودته كل أحلامي وبعض من أوهامي الزاهية. لم يعد أبي. تحوّل إلى طفل مرعوب، لا يثق بأحد. يتهمنا بالتآمر ضدّه. نظرته تستقر في روحي. لا يسمح لي بأن أشيح نظري عن الكائن الذي تحوّل بعدما كان ذاك الأزعر، ذاك الديب "يالّلي ما بينطاق". أعتقد أنني الصلة الوحيدة بينه وبين ما تبقّى من الخارج. أبي يعرف جيداً أنه سقط في الهاوية. سقوطه منتظم. نظرته تُرهقني. أحاول أن أهرب. "ختير الديب، وأنا وحدي. كل عمري وحدي". وأنا أبحث عن أشلاء طفلة ماتت في داخلي من دون أن تأخذ برأيي. إستغفلتني وماتت. وأنت بعيد، لا أستطيع أن أنام على صدرك أو حتى أن أتشاجر مع مزاجيتك. وفي كل الأحوال، حتى وإن كنت هنا، لن تعود قصتنا إلى سابق عهدها. كلانا يعرف أن صيف تلك السنة انتهى. ومع ذلك، أحتاج إلى طيفك لأتمكّن من إنجاز مسؤولياتي. من دونك، سأواجه تقدّم العمر، وموت أمي وأبي المحتوم بمفردي. وهذا التفصيل يُمرضني. يجعلني أكثر ضعفاً مما أنا عليه في الواقع. وأنا شابة نمرودة، مغرورة، شرسة، في الـ22 من عمري. أحمل خلف تسريحة شعري الصارمة كل حقد أمي وغضبها على الديب "يالّلي كان بعدو ما ختير". أضع أغراضي في كيس من النيلون لأنني لا أعرف أن من المفترض أن أشتري حقيبة يد مرتبة. بدّك تقول، ما بعرف شي ونازلة تخبيص بهالحياة. وهذا الخجل من عدم قدرتي على الانتماء. وأنا طفلة هشّة في الـ48 من عمري، دمرّتني عودة أبي من المستشفى. لم يعد أبي. يضحك بخجل ويسألني: "مين هالختيارة يالّلي بتضل بالبيت عنّا؟" وأنا أضحك بألم وأجيب: "هي مرتك". يضحك مجدداً: "ليش تزوجتا دخلك؟ بتضل تاكل وبحسّها محتالة". وسُرعان ما يهمس: "ما تخبري حدن إنّي عم ضيّع". يزرع غرف المنزل ليلاً، "رايح جايي كل الليل". يتكلّم مع نفسه: "ختير الديب يا إمي، وأنا وحدي ما في حدن يساعدني". عاد أبي إلى المنزل بعد أسابيع في المستشفى وفجأة واجهتني الحياة بنظرتها المُتعالية التي تُفيد بواقعيّة مُخمليّة أن ذاك الديب الذي كان يحمي ظهري، مات. وها أنا اليوم أواجه الحياة للمرة الأولى بمفردي. طفلة في الـ48. لم تعد تسريحة شعري صارمة. بدّك تقول، تطوّرت مع الأيام. وتمكّنت من ترويض حقد أمي الذي غرزته بأصابعها في شرايين قلبي. وذاك الديب "يالّلي ما بينطاق" مات. وأنا أقترب منه بسكون هامسة: "ما تخاف من الموت يا بيّي. أنا متت من زمان، وما صرلّي شي. بكرا بتتعوّد".

[email protected]

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم