الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

الحقيقة الضائعة

المصدر: النهار
Bookmark
الحقيقة الضائعة
الحقيقة الضائعة
A+ A-
المحامي إيلي آصاف

غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، أصرّ ذووه وجمهوره وغالبية الناس على وجوب معرفة الحقيقة: حقيقة مَن دبّر وخطّط ومَن نفّذ عملية الإغتيال.
كما أصرّوا على ضرورة اعتماد تحقيق دولي شفّاف وإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان لانعدام الثقة بقدرات القضاء اللبناني على كشف مرتكبي هذه الجريمة الفظيعة ومعاقبتهم.
وبقي الإصرار قائماً على قضاء دولي يتولّى التحقيق والحكم، حتى أنشئت المحكمة الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة بقرار من مجلس الأمن الدولي. فتنفّس هؤلاء الناس الصعداء وانتظروا معرفة الحقيقة.
وبعد مرور ما يناهز الخمسة عشر عاماً على الجريمة،
وبعدما تكبّد لبنان ما يناهز الثمانماية مليون دولار أميركي،
وبعد المناكفات الجمّة والإنقسامات والخلافات حول جدوى هذه المحكمة وحيادها،
وبعد استماعها إلى شهادة 297 شاهداً،
صدر الحكم بما يزيد عن 2600 صفحة مع 13000 حاشية وملخص من 150 صفحة، وقد قضى:
بعدم وجود أي دليل على ضلوع قيادة «حزب الله» ولا على ضلوع سوريا في عملية الإغتيال.
باعتبار أن سليم عيّاش مذنب بصفته شريكاً في:
مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي.
ارتكاب عمل إرهابي باستعمال أداة متفجّرة.
قتل رفيق الحريري عمداً باستعمال مواد متفجّرة.
قتل 21 شخصاً إضافة إلى قتل رفيق الحريري عمداً باستعمال مواد متفجّرة.
محاولة قتل 226 شخصاً إضافة إلى قتل رفيق الحريري باستعمال مواد متفجّرة.
باعتبار المتهمين حسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي وأسد حسن صبرا غير مذنبين في ما يتعلّق بجميع التهم المسندة إليهم في قرار الإتهام.
وفي معرض تعليله، اعتبر الحكم أن المحكمة غير مقتنعة بأن السيد مصطفى بدر الدين قد تولّى الدور المزعوم له في قرار الإتهام وهو القيام بالتنسيق مع سليم عيّاش برصد عمليات مراقبة السيد رفيق الحريري تمهيداً للإعتداء، بما في ذلك شراء "فان الكانتر "،كما برصد التنفيذ الفعلي للإعتداء، وقيامه أيضاً بالتنسيق مع حسن مرعي برصد عملية إعداد إعلان المسؤولية زوراً.
وفي قراءة متأنية لهذا الحكم يتبيّن أن المحكمة الدولية:
قد برّأت النظام السوري وقيادة «حزب الله» من الجريمة حتى وإن كان أحد منفّذيها - سليم عيّاش - منتسباً إلى «حزب الله» وناشطاً في صفوفه.
قد برّأت كافة الأفرقاء المشتركين مع السيد سليم عيّاش في التخطيط والتنفيذ.
قد اعتبرت أن الجريمة هي جريمة سياسية اتخذ القرار بشأنها على أثر اجتماع البريستول الذي شارك فيه الرئيس الحريري عبر مندوبين عنه، والذي انتهى إلى المطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان ،كما وعلى أثر اجتماع جمع الرئيس الحريري بنائب وزير الخارجية السوري وليد المعلّم.
والسؤال البديهي الذي يُطرح أولاً: هل أن السيّد سليم عيّاش قام بمفرده وبقدراته الخاصة على تقرير هذه الجريمة والتخطيط لها وتنفيذها وتقديم شريط الفيديو لأبو عدس تمويهاً لها؟
ولا شكّ في أن المحكمة قد تجاهلت القرينة الناشئة عن فرار المتّهمين، كما تجاهلت القاعدة القانونية في القضايا الجنائية المتمثّلة بقناعة القاضي الراسخة Intime Conviction du Juge,
إذ إنه من المعلوم تماماً أنه في غالبية الجرائم يصعب الإثبات القاطع على حصول الجريمة: فقلّما ظهر شخص القاتل يقوم بقتل الضحية أو بالتحضير له، وقلّما ثبت ضلوع المخطّطين وارتباطهم بالمنفّذين. إلا أن مجمل القرائن التي تحيط بالجريمة تشكل قناعة راسخة لدى القاضي لإدانة الفاعل.
فلا يسع المحكمة الدولية وهي في معرض بحثها في أفعال كلّ من المتّهمين وتبيان ضلوعهم في الجريمة أن تصل إلى خلاصة أن تلك الأفعال لا تشكّل لها الدليل القاطع الكافي على ارتكابهم الجريمة.
وطالما أنه ثبت للمحكمة أن المتّهمين يشكّلون خلية في ما بينهم فلماذا انتقت أحد هؤلاء وألبسته الجريمة بمفرده وبرّأت رفاقه؟
والثابت أن حكم المحكمة جاء مسنداً إلى شبكة الإتصالات التي قامت بين المتّهمين دون سواها من الأدلة، وهذه الشبكة هي من اكتشاف الأجهزة الأمنية اللبنانية.
فماذا زاد القضاء الدولي على ذلك؟
إذا ما عدنا إلى أحكام المجلس العدلي اللبناني، وآخرها الحكم الصادر بتاريخ 20/10/2017 في جريمة اغتيال الرئيس الشيخ بشير الجميّل ورفاقه، نجد أنه تميّز بالتركيز والإنسجام والوضوح أكثر بكثير من حكم المحكمة الدولية الذي شابه الكثير من التردّد والبلبلة، إذ يبدأ بسرد ملؤه الإدانة ليخلص إلى التبرئة، فأضاعنا وأضاع الحقيقة، بحجة عدم اقتناع المحكمة بشكل جازم وقاطع.
وإذا ما استمعنا إلى حديث وزير العدل سابقاً شارل رزق من على شاشة الــMTV في برنامج "صار الوقت"، لوجدنا أن هناك صفقة قد تمّت بين وزارة العدل و"حزب الله" لتسهيل قيام المحكمة الدولية.
فهل من صفقة نهائية تمّت بصدور الحكم؟
وطالما أن نظام المحكمة الدولية لا يخوّلها إدانة الأحزاب أو الأنظمة التي تقف وراء الجريمة، فلماذا أعلنت براءة "حزب الله" والنظام السوري من هذه الجريمة؟
ألا يعني ذلك أنها دقّقت ومحّصت الأدلة للتوصّل إلى هذا الإستنتاج؟
فلماذا أجهدت نفسها للوصول إلى هذه النتيجة؟
ألا يفيد ذلك أنها خالفت نظامها الذي يمنع عنها هذا الأمر؟
وهكذا، تكون المحكمة الدولية قد زادتنا ضياعاً على ضياع ورمتنا في ملعب التأويلات والتفسيرات والتقديرات تماماً كما كان حاصلاً قبل إنشائها.
فكفى اعتبار أن "كل شي فرنجي برنجي"، ولنعد إلى قضائنا الوطني، فلدينا في القضاء اللبناني ما يوازي أو يفوق قدرات القضاة الدوليين علماً وكفاءة وثباتاً.