الأحد - 14 نيسان 2024

إعلان

هل تحكم إسرائيل لبنان القبائل؟!

المصدر: "النهار"
Bookmark
تعبيرية.
تعبيرية.
A+ A-
رؤوف قبيسيهل لبنان شعب واحد موحد؟ سؤال يقتضي واقع الحال الرد عليه بصيغة نفي تترك في كل نفس وطنية، شعوراً من الحزن والأسى، ذلك لأنه لم يحدث أن مر زمن على اللبنانيين، كانوا فيه شعباً واحداً موحداً. كانوا طوائف وقبائل، تتنافر أحيانا، وأحياناً تتصالح، وكان تصالحهم يتم بعقود اجتماعية، لا تلبث أن تنتهي صلاحيتها كلما ألمت بهم مصيبة، فيذهب كل فريق في طريقه، ويتفرقون شيعاً ومذاهب، حتى صار من المتعذر أن يقال عنهم إنهم "شعب واحد"، بالرغم من أنهم يتشاركون في كثير من الأمور. لن نذهب في البحث التاريخي لنتبيّن كيف كانت هوية الطوائف اللبنانية زمن العثمانيين، وفي السنوات الأولى بعد قدوم الفرنسيين، هذا بحث يفتح باباً من الحوار يصعب إغلاقه، أو الوصول من خلاله، إلى نتيجة ترضي جميع الفرقاء؛ أصحاب الفكر القومي، ورجال الدين، والمؤرخين، والناظرين في علم السلالات والأعراق. نكتفي بالنظر في لبنان وشعبه، من يوم قامت دولة لبنان الكبير على يد فرنسا، الدولة المنتدبة عليه وعلى سوريا. لكن لا بد قبل أخذ النظر بعيداً في وضع لبنان كوطن ومواطنين، الإشارة إلى أمر هام يطمئن اللبنانيين، ويجنًّبهم الخوف من المستقبل، وهو أن لبنانهم، ليس البلد الوحيد في الشرق الأدنى والعالم، الذي يعاني الفروقات. هناك دول كثيرة في القارات الخمس، ومنها التي في أوروبا، فرنسا، بلجيكا، إسبانيا وسويسرا مثلا، تختزن روحها فروقات دينية ولغوية وعرقية وثقافية، أكثر تعقيداً مما في الروح اللبنانية بكثير، مع ذلك تراها مستقرة، المواطن فيها "مكتمل الفردية "، يفتخر بوطنيته أو قوميته، لا يعبث بها، أو يساوم عليها، ولا يتاجر بها أو يبيعها للغريب! الفارق بين هذه الدول وبين لبنان، أن تلك البلاد دول وأوطان، في حين أن لبنان بالنسبة إلى أهله وطن يحبونه ويعشقونه، لكن لم يصل بعد إلى دولة جدّية تحميهم، وتصون حاضرهم ومستقبلهم، ويكون ولاؤهم لها، لا للأحزاب والطوائف. هذا هو في الحق ميسمُ الضعف الأساس، الذي يمنع اللبنانيين من أن يكونوا متجانسين، ويعرّضهم ووطنهم للهزات والمصائب والحروب.ولد لبنان في العام 1920، وفي العام 1943 نال "استقلاله"، فإذا "الوطنيون" من حكامه، أهانوا الدولة وعبثوا بالاستقلال، وعندما خرجت من بين أبنائه يوم 17 تشرين 2019، أصوات شابَة نيَرة، تنشد التغيير وتدعو إليه، واجهها أعيان النظام بالسلاح والاتهامات وأسكتوها. مهما يكن، اللبنانيون على اختلاف طبقاتهم يتوقون إلى العيش في دولة عادلة ذات سيادة، لكن غياب هذه الدولة من حياتهم، حال دون تحقيق هذه الأمنية الغالية على قلوبهم، وحين تغيب الدولة، يتلاشى الشعور الوطني، ويتحول الولاء للطائفة ولزعيم الطائفة، وقد دلّت نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، على هذه التبعية المؤلمة المتحكمة بضمائر اللبنانيين، عندما أعادت الخراف الضالة رعيانها الكبار إلى كراسي الحكم، رغم أن سياسة هؤلاء الرعيان، أفقرتهم وحولت بلدهم إلى واحد من أسوأ البلدان في العالم. ماذا يعني ذلك كله؟ هل يعني أن المواطن اللبناني مصاب بمرض الانفصام؟ يحتاج الرد على هذا السؤال، إلى دراسة دقيقة متأنّية، تأخذ في الحسبان علم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الأديان، وأثر ذلك في الشخصية اللبنانية. إذ كيف يُعقل، أن يعيد مواطنون، انتخاب زعماء أوصلوهم إلى الحضيض، وفي العالم شعوب كثيرة، تحاسب حكامها على كل صغيرة وكبيرة، تسقطهم في الانتخابات والاستفتاءات متى اقتضت الحاجات، حتى لو كانوا قد حققوا لهم الأمجاد والانتصارات. نذكر على سبيل المثل، ديغول الذي رفض الشعب الفرنسي برنامج الاصلاحات الذي تقدم به، في استفتاء العام 1968، فجاءت النتائج عكس ما أمل جنرال الاستقلال، فترك الحكم والعاصمة، وأمضى بقية حياته في بلدة نائية في الريف الفرنسي. نذكر أيضاً، ونستون تشرشل، وكيف اسقطه شعبه في انتخابات ما بعد الحرب، سنة 1945. الأمثلة على ذلك كثيرة وفي كثير من البلدان، حتى في إسرائيل، التي تليق بها كل أشكال النقد، استقال رئيس وزرائها إسحق رابين عام 1977، بسبب حساب مصرفي مسجل باسمه واسم زوجته، في أحد مصارف العاصمة الأميركية واشنطن، علما أنه كان يُعتبر بنظر شعبه "ملك إسرائيل". أما في لبنان، فالحال مختلفة، بل مختلفة جداً ويا للأسف، لكن السؤال حياله وحيال بنيه يبقى مطروحاً: ما الذي يجعل اللبنانيين يعيدون إلى الحكم، زعماء فاسدين فاشلين؟ هل هذا ضرب من الجنون، وإذا كان جنوناً، فما أسبابه؟نظرة دقيقة في هذه الظاهرة اللبنانية الغريبة، تظهر علَّتين في عقل المواطن اللبناني ووجدانه؛ حالة مرضية في اللاوعي (deep subconscious illness) وعلة مصدرها ديني، وهي "عبادة الشخصية" (personality cult). الأولى ينمو مفعولها ويتراكم، من يوم دخول المواطن طفلاً في مدرسة، إلى حين تأخذه المنيّة. هذه العلة تُعيق فردية المواطن، فلا تصير...
ادعم الصحافة المستقلة
اشترك في خدمة Premium من "النهار"
ب 6$ فقط
(هذا المقال مخصّص لمشتركي خدمة بريميوم)
إشترك الأن
هل أنت مشترك؟ تسجيل الدخول
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم