السبت - 13 نيسان 2024

إعلان

"إنديانا جونز": قصّة نجاح سينمائية ابتكرها لوكاس وحقّقها سبيلبرغ

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
لقطة من الجزء الخامس من "إنديانا جونز".
لقطة من الجزء الخامس من "إنديانا جونز".
A+ A-
 
تاريخ السينما حقل أساطير ومعبد لقصص كثيرة خلف الكواليس. يكفي الاطلاع على كتاب "إيزي رايدرز وثيران هائجة" لبيتر بيسكيند للاطلاع على ما كانت عليه هوليوود الجديدة في السبعينات، وكيف ولد بعض الأفلام التي تُعدّ اليوم من الكلاسيكيات.
 
خلف سلسلة "إنديانا جونز"، التي يعتبرها كثيرون من أعظم أفلام المغامرات، حكايات وتفاصيل كثيرة يمكن التوقّف عندها في مناسبة عرض الجزء الخامس في مهرجان كانّ السينمائي (16 - 27 الجاري)، وهذه المرة تسلم اخراجه جيمس مانغولد، بعدما كانت الأجزاء الأربعة منها من توقيع ستيفن سبيلبرغ. آخر العنقود يحمل عنوان "إنديانا جونز وقرص القدر"، ويطل على المشاهدين بعد 42 عاماً على ظهور الفيلم الأول من السلسلة، "سارقو التابوت الضائع"، في العام 1981. أجيال عدة تربـّت على هذه السلسلة من سينما المغامرات، المتقنة الصنع، التي باتت تُعدّ اليوم من مخلفات "المدرسة القديمة"، بمعنى انها تعرض أشياء لا تزال قابلة للتصديق، قياساً بالمغامرات البحرية والجوية والبرية المدعومة بالمؤثرات البصرية والصوتية التي في أفلام هوليوود الحديثة. حتى هاريسون فورد، بطل السلسلة وحامل اسمها، عالم الآثار الأشهر على الشاشة، كبر، لا بل صار عمره ضعف ما كان عليه عندما انطلقت السلسلة، لكن لا بأس، نحن أيضاً كبرنا معه.
يمكن ان نضع "إنديانا جونز" في ثلاثة أقسام: 1 - الأجزاء الثلاثة الأولى التي صدرت منذ مطلع الثمانينات حتى نهايتها وهي التي صنعت مكانة إنديانا جونز. 2 - الجزء الرابع الذي صدر في العام 2008، وكانت الحماسة النقدية تجاهه محدودة. 3 - الجزء الخامس الذي يبدو انه سيختتم السلسلة. لكن، مهما يكن، سيظل "إنديانا جونز" في نظر كثيرين من الذين تزامن ظهور السلسلة مع طفولتهم ووعيهم على الفنّ السابع، عملا أساسيا، من حيث الاسلوب والنبرة والهموم والشخصيات والحلول السيناريستية. فهو يحمل شيئاً بريئاً كانت هوليوود قادرة عليه قبل عقود، وبات حالياً من المفقودات.
 
السلسلة مرتبطة باسم ستيفن سبيلبرغ، لكن ننسى أحياناً ان جورج لوكاس هو الذي بادر اليها وهو أبوها الروحي والعقل التجاري الذي وقف خلفها، وحقق بسببها ملايين الدولارات لا فقط على مستوى إلايرادات داخل الصالات، بل من خلال المنتوجات المرتبطة بالعلامة التجارية، علماً ان السلسلة كانت منذ البدء "قصّة نجاج"، اذ حقّق الجزء الأول نحو 400 مليون دولار في شبـّاك التذاكر الدولي، علماً انه كان كلّف 18 مليون دولار (الجزء الرابع كلّف عشر مرات هذا المبلغ).
أما الفكرة فوُلدت على النحو الآتي: في نهاية أسبوع افتتاح الجزء الأول (الرابع بحسب السلسلة) من "حرب النجوم"، عام 1977، كان جورج لوكاس مستلقياً على الشاطئ، بعيداً من الضجيج، وغير مدرك تأثير فيلمه في تاريخ السينما. وكان يرافقه صديقه سبيلبرغ الذي كان قد أعاد اطلاق "لقاءات قريبة مع الجنس الثالث"" فصارح هذا الأخير لوكاس برغبته في إخراج فيلم من سلسلة جيمس بوند. كان رد لوكاس بأنه يفكّر في القاء تحية على أفلام المغامرات التي كان يحبّها وهو طفل، والتي كان يشاهدها في سينما الحي.
 
هذه القصّة كان من الممكن ان تنتهي هكذا. لكن ثلاثة أفلام استثنائية نجمت عن هذا النقاش، أنتجها لوكاس وكتبها كل من لورانس كاسدان وفيليب كوفمان، وأخرجها سبيلبرغ، وحمل عنوان "سارقو التابوت الضائع"، ثم جاء "إنديانا جونز ومعبد دوم" وأخيراً "إنديانا جونز وآخر الحروب الصليبية". إنديانا جونز (هاريسون فورد) هو مغامر وعالم آثار وبروفسور. في العام 1963، أوكل اليه رجلان من الخدمة العسكرية السرية الأميركية مهمّة العثور على تابوت العهد، الذي يُقال ان موسى وضع فيه الأجزاء الأصلية للوصايا العشر. وكان النازيون يبحثون عن هذا الكنز أيضاً، اذ تقول الاسطورة ان كلّ جيش يملكه لا يُهزم. يتوجه إنديانا مع ماريون، التي كان على علاقة بها، إلى القاهرة. وعقب بعض المغامرات، يعثر على الصندوق، الا ان النازيين يسرقونه منه ويحتجزونه في قبر مصري قديم مملوء بالأفاعي. لكنه ينجح في الهروب ويخاطر بحياته في مشهد الملاحقة الذي شكّل محطّة مهمّة في السينما على المستوى المشهدي. يفوز النازيون من جديد، لكن أنانيتهم وقلّة إيمانهم تتسبّبان بهزيمتهم.
سبيأرادلبرغ ولوكاس، تقديم قصّة تفيض بالمشاعر وتدغدغ الحواس. بعض المشاهد أصبحت مع الوقت مراجع شعبية ودخلت الثقافة العامة، مثل مشهد الصخرة التي تتدحرج خلف إنديانا ومشهد حفرة الأفاعي. لكن "سارقو التابوت الضائع" أكثر من فيلم حركة ومغامرات وتشويق. فهو يستوفي شروط الفيلم الأسود والوسترن والكوميديا الرومنطيقية والرعب.
بفضل هذه السلسلة، تربّع سبيلبرغ على عرش سينما الترفيه لفترة طويلة. ليس من دون ان يصنع اسلوبه الخاص وهويته البصرية الخاصة، من خلال فيلم لا يفلت من سيطرته البتّة. "إنديانا جونز" تجربة سينمائية أكثر منها فيلماً، مع التذكير بأنه لا يمكن أخذ كلّ شيء فيه على محمل الجد. فهناك مَن ينتقد صانعيه على الصورة التي أتوا بها عن العرب مثلاً في أحد الأجزاء، ناسين أو متناسين انه فيلم مغامرات لا دراسة للشعوب.
منذ نشوئها، عانت السينما نزاعات مهمّة: الخيال مقابل الأفلام الوثائقية، الفنّ مقابل الصناعة، الترفيه مقابل التفكير. سينما سبيلبرغ مقسومة كذلك. في حين سعى معاصروه، مثل سكورسيزي وكوبولا، إلى درس المجتمع ومعاينة السلوك الآدمي في أفلامهم، وصل سبيلبرغ إلى الطفل الموجود في المتلقّي. أعماله دليل ان السينما مرسى الطفولة. سلسلة "إنديانا جونز" محاولة لخلق نصّ يعكس أحاسيس الطفل لدى مشاهدته فيلم لـ"والت ديزني": خوف، حزن، تشويق... "إنديانا جونز" أشبه بمفتاح في مسيرتي سبيلبرغ ولوكاس. وبرغم ان الأخير كان قد صوّر "حرب النجوم"، فإنديانا أكثر الشخصيات التي ستتصدّر الذاكرة عند الحديث عنه.

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم