الجمعة - 26 شباط 2021
بيروت 15 °

إعلان

كيف يبدأ الحب؟

المصدر: "النهار"
الحبّ اللامتناهي (تعبيرية- Jessica Hendrickx).
الحبّ اللامتناهي (تعبيرية- Jessica Hendrickx).
A+ A-
رزان نعيم المغربي- كاتبة ليبية مقيمة في هولندا
 
أكملت ارتداء معطفها ولفّت الشال الصوف حول رقبتها، وهي خارجة من باب المقهى، غاضبة ومستاءة وتردد لنفسها: كان يوماً طويلاً ومملاً، أظنه انتهى بالاستغناء عن عملي بعد أربع سنوات في هذا المقهى، تجاوزت الساعة التاسعة ليلاً السماء تمطر بخفة، والطقس الخريفي في مدينة تشع متوهجة بالأضواء، هدأت مشاعرها القلقة والغاضبة، أخذت تسير بمحاذاة شارع ضيق يطل على قناة مائية وسط أمستردام. 
 
راحت تفاصيل اليوم تتوالى، تحاول تجاهلها لكن ما حدث قبل مغادرتها يلح على ذاكرتها، عندما وبخها رئيسها في العمل، لكثرة تجاذب الكلام مع رواد المقهى، ومماطلتها في تقديم الطلبات التي تنتظرها جاهزة على المنضدة، أسرعت بتقديمها، وعادت تختفي وراء ماكينة الحساب، أخذ يتمتم بكلمات تقلل من شأنها، تلك اللحظة وضعت كل شيء خلف ظهرها، ضربت المنضدة بقبضة يدها، وأخبرته أنها ستخرج الآن وليبحث عن بديل منها، حملت معطفها وخرجت واحساس داخلها يجذبها للاعتذار، ها هي تتمشى وحيدة، كان هدفها الوصول إلى آخر الشارع الطويل، هناك على زاويته مقهى صغير تعمل فيه صديقتها، يتميز بأنه مريح، وأن مالكه سوف يستغني عنه ويصبح مملوكاً لصديقتها قريباً. 
 
لكنها ما زالت تشعر بالارتباط بالمقهى الذي غادرته قبل قليل، تشعر بالامتنان لكل ذكرياتها وصداقات قصيرة ارتبطت بها مع بعض مرتاديه، عملت فيه اثناء دراستها الجامعية، قابلت فيه كثير من الفنانين والناشرين، ورجال الأعمال ومحبي اقتناء الأعمال الفنية، كان يمكنها الاستمتاع والبقاء في المقهى طوال النهار تحب رائحة القهوة، وتستمتع بموسيقى الجاز اللطيفة كل مساء، تطوف بين الرواد تبتسم لهم، تستلطف أحدهم فتنشأ صداقة بينهما، كما حدث مع شاب يدرس فن التصوير، كان يتردد مرتين في الأسبوع على المكان، وفي أحد المرات حمل لها هدية، أحد أعماله المتميزة، علقتها على جدار المقهى. كانت تشعر أنه منزلها الثاني، مشكلتها مشاعر الألفة تخترقها مثل ومضة برق، ثم يلسعها الفقد حالما يكفون عن المجيء. 
 
وصلت مقهى صديقتها أخيراً، شعورها بالوحدة ازداد أثناء سيرها في شارع حيوي لمدينة ممتلئة بالبشر، لكن لا تعرف أحداً منهم فيها أو يعرفها، سوى صديقتها التي ستصبح قريباً صاحبة مقهى صغير، حين دفعت الباب الزجاجي للمقهى كانت صديقتها تنحني بجسدها وظهرها مقوس وتمتد يداها متصالبتين على خشب البار، ابتسمت لها مرحبة بقدومها، الابتسامة والمقهى بطراز قديم، أحست بالدفء، وقفت مقابل صديقتها وقالت: هل تعلمين وحدها المقاهي تصنع ذاكرة المدينة، للغرباء الباحثين عن أوطان بديلة يحتمون بدفئها!؟ 
 
سألتها: يبدو أنه كان يوماً طويلاً مملاً يا عزيزتي. وقاطعها رجل دخل لتوه المقهى، بدا مرتبكاً ومبللاً بالمطر، رفع قبعته وضعها على الطاولة، نظراته تائهة تبحث عن شيء ما كما يبدو عليه، في يده حقيبة جلدية متوسطة الحجم وضعها أسفل طاولته، صديقتها تغمزها وتقول: هيا يبدو انك حصلت على صديق جيد، وكتمت ضحكة كادت تعلو... أسرعت تتناول المريلة الخاصة بالنادل الغائب لتلبية طلب الرجل بدلاً من صديقتها، في البداية رفضت مساعدتها وقالت لها: يبدو أنك مرهقة هذا المساء اذهبي وارتاحي وسآتي إليك بفنجان قهوة. وعزمت على تقديم المساعدة، وأخبرتها بقرارها الإستغناء عن عملها، بسبب معاملة رئيسها الفظة، كانت تتحدث وتجهز نفسها لتخدم الرجل الغارق بالمطر، أسرعت إليه، رد عليها بلغة انكليزية تشوبها لكنة غريبة قائلاص: لا أعرف ماذا أريد! بماذا تنصحيني؟ دخلت هنا لأحتمي بمكان ما لفترة وجيزة ريثما يتوقف المطر، وأعود للبحث عن فندقي! وأتبعها بكلمة أنا ضائع تماماً، وضحك وبدا مرحاً وليس غاضباً أو مبتئساً، كأن فكرة ضياعه تخص شخصاً آخر. 
 
انتهت من تحضير قهوته وضعتها على طاولته، كان بين يديه كتاب سحبه من الحقيبة في الأسفل، أخبرته بأنه محظوظ فهذا المقهى تبقى أبوابه مفتوحة إلى وقت متأخر، وربما ينهي القراءة قبل توقف الهطول، كانت تمازحه، وفاجأتها مجدداً ضحكته بصوت مرتفع، لم يكن هناك غيره في هذا الوقت، بفضول أحنت رأسها لتتمكن من قراءة عنوان الكتاب، سحبه محاولاً إخفاءه خلق مشهداً أضحكها مرة آخرى، لكنها تمادت وأمسكت بالغلاف، قبل أن يفلته طوعاً، أحدثا ضجيجاً غير متوقع، تصرفت بأريحية محببة، أعادته إليه، وأخبرته أن للكاتب أعمالاً أفضل بكثير من هذا الكتاب! 
 
 
صمت للحظة يتأملها، تابعت قائلة: وقرأت كتبه بلغته الأصلية، تعلم أنه كتاب مترجم؟ أومأ برأسه معجباً، ثم استدرك: أنت عربية؟ ثم رددها باللغة العربية، لم تتمالك نفسها للحظة كادت تعانقه، وكأنها عثرت على شخص تعرفه وضل طريقه عنها! سحبت كرسياً وجلست مقابله نزعت المريول، بينما صديقتها صاحبة المقهى تبتسم لها من بعيد، تهز رأسها باستغراب من هذه المصادفة. مشت خطوات نحو جهاز الموسيقى، استبدلت موسيقى الجاز بأغنية كانت تحب الاستماع إليها صديقتها الجالسة الآن مع رجل تائه وصودف أنهما يتحدثان نفس اللغة. 
حبات المطر تتكاثف على نوافذ المقهى تعكس كل الأضواء في الخارج، بينما في الداخل إنارة خافتة، وصوت الأغنية يعلو رويداً رويداً: خذ استراحة من كل همومك/ بالتأكيد سوف يساعدك كثيراً. ألا ترغب في الابتعاد؟/ كل تلك الليالي عندما لا يكون لديك أضواء... وحبيبك الثالث لم يأتِ، ربما تنوي السفر إلى حيث يعرف الجميع اسمك،/ يسعدون بحضورك/ تحب أن تكون حيث ترى المشاكل واحدة/ تريد أن تكون حيث يعرف الجميع اسمك. كانا ينصتان للأغنية إحساسهما بالكلمات والموسيقى، يبزغ من الحنين إلى بلادهما، لم يحاول إفساد اللحظة بصنع موقف مضحك، همس بأنه حينما كان يستمع إليها وهو أصغر سناً، اعتقد أنها تصف مشاعر السعادة، وحينما هاجر فهم معنى كلمات الأغنية، أدرك أنه يتعلق بتلك اللحظات القليلة، التي يمكنك أن تسمح لنفسك بنسيان ضغط الحياة، ومدى أهمية جعل هذه اللحظات سعيدة.
 
- لهذا السبب كنت تحاول خلق جو المرح على رغم أنك تائه في هذه المدينة المزدحمة؟
- أتيت منذ يومين فقط لزيارة صديق يقيم هنا، لم أحفظ عنوانه بشكل جيد، ولم أعد أعرف طريق العودة إلى الفندق، أمضيت ساعات أتنقل دون هدف بين وسائل النقل، ابتسم وأكمل: حتى فاجأني سقوط المطر وهاتفي نفد شحنه، فكرت باللجوء إلى أقرب مكان، بالمناسبة هل لديكم شاحن يناسب هاتفي؟ ومدّ يده إلى جيبه، أخرج الهاتف بشاشته المعتمة، تناولته وأسرعت نحو صديقتها صاحبة المقهى، فهمت المطلوب واهتمت به. 
 
عادت بفنجانين من القهوة، قدمت له الفنجان بصفته ضيفها الآن، كانت سعيدة أن لديها متسعاً من الوقت لتمضيه رفقة هذا الغريب الذي يتحدث بلغة تفهمها، ولم تعد تتحدثها منذ سنوات، حكى لها لماذا هاجر، وبأنه كاتب، وكان طوال اليوم عالقاً باتصالات هاتفية مع الناشر، اختلف معه، وشكك بقدراته، حتى لا يمنحه حقوقه كاملة، لهذا فضل أن يجعل من ضياعه فرصة للتجوال والاستمتاع بمشاهدة المدينة. 
 
كان يتحدث وهي تفكر، بأنه كلما احتضنت الصداقات العابرة، ظناً منها أنهم يمنحونها بعض الدفء، لكنهم سرعان ما يغادرون، وقتها ترتجف روحها من البرد، حتى تلتقي صديقاً عابراً آخر.
جاء دوره بطرح الأسئلة: ماذا تفعلين هنا؟ كانت تتحرق لتعرفه بنفسها أكثر لتثرثر طوال الوقت، تشتاق لمن يسمعها ويعتني بها ويهتم لأمرها، أخبرته عن إتمام دراستها في التصميم الداخلي للبيوت، ثم انتقالها لدراسة تصميم الأزياء ووجدت فيه ضالتها، لكن لم تجد من تعمل معه بذات اختصاصها، ووجدت نفسها نادلة في مقهى قريب، وأشارت بيدها نحو الباب، وأنه ليس ببعيد عن ناصية الشارع، وقبل قليل هذا المساء، خرجت منه غاضبة، وأتت تزور صديقتها كما تفعل كل يوم قبل عودتها إلى البيت. 
 
أخبرته كيف تخشى أن يلتهم السأم وقتها لو عادت لوحدتها بعد انتهاء عملها. كيف تهرب من حرب مقيمة داخلها تعلو أصواتها كلما اختلت بنفسها، تؤكد له أنها لا تعني صراعاً داخلياً، بل حرباً حقيقية فرت منها هاربة وناجية، ومهما اعتقد الإنسان بأنه في أمان لكن الحرب تترك علامات ليس على الجسد فقط، بل على الروح أيضاً. ثم أخبرته أن كثيرين يأتون إلى المقهى تتبادل وإياهم القصص والحكايات، الجميع يريد أن يروي حكايته، لا أحد يريد الاستماع لحكاية غيره، وأنه الوحيد الذي اهتم لأمرها. 
 
أحس بأنه حصل على قصة جديدة، على رغم أنه لم يتعمد الأمر، وغايته تمرير الوقت ريثما يتوقف المطر، فكر كيف ارتمت بين يديه شخصية روائية، سيضمها إلى عمله الجديد، صار راغباً بسماع المزيد من القصص، أخبرها بأنها تشبه بطلات رواياته، لمعت عيناها وانطلقت تروي له بعض الحكايات، كان رواد المقهى يتوافدون تباعاً، انتبهت بأن صديقتها لا يمكنها تلبية طلباتهم وحدها، وقفت معتذرة، ارتدت المريلة مجدداً، ساعدت صديقتها لساعتين، ساعتين توقف فيهما المطر تماماً، لكنه لم يغادر، واستمرّ بين الحين والآخر يترك الكتاب جانباً، ويتبادل معها بعض الأحاديث القصيرة، لديه حس عال بالبهجة، يجيد صنع النكات والمرح، أضحكها بتعليقات غريبة، أصر على الكلام بلغتهما، وأخيراً انتصف الليل، استعدت للمغادرة، ناولته الهاتف، بحث فيه عن عنوان الفندق وسألها: هل يمكن أن ترشديني إليه؟ 
 
خرجا معاً، لوّحت لصديقتها التي غمزت لها بعينها، كانت تظن بأنها عثرت على صديق جديد، ذهبا مشياً على الأقدام لم يكن يبعد الفندق كثيراً عن المقهى، حينما وصل قالت له: أنت تعلم الآن أين تجدني؟ لكن لحظة وأشارت بيدها إلى بناء الفندق ونوافذه وسألته: هل تعرف كيف ستجد غرفتك؟ 
 
كانت مداعبة جريئة منها، ضحك وأمسك بيدها قبّلها، استدارت ملوحة له، مشت في طريقها إلى البيت، أحست بأن قلبها يهوي مجدداً رددت: من يعلم هل سنلتقي في الغد؟ أم يبقى المقهى بديلاً عما افتقده!

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم