السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

رينيه ديك "فنانة الأدوار القديرة والشائكة"... ماذا يقول 13 فناناً في رثائها لـ"النهار"؟

المصدر: "النهار"
جودي الأسمر
جودي الأسمر
رينيه ديك.
رينيه ديك.
A+ A-

أسدِلَت الستارة ولم تنطفئ النجمة  برغم التعب. رحلت رينيه ديك (1943- 2021)، عن عمر يناهز 78 سنة، بعد معاناة مع مرض وفاقة لم تجزِ"فلة" المسرح سنوات العمر والحلم. شهدت حياتها حروبا شعواء مع تابوات اجتماعية تناولتها كامرأة ، لطالما حاولت زجها في مأزق مع جسمها الذي عرته أمام طلاب الفنون الجميلة في عملها كـ"موديل".

بلسان فنانين عايشوا رينيه ديك، توجّه "النهار" تحية امتنان الى هذه الفنانة القديرة، التي أدت عشرات الأدوار من بينها نصوص سارتر وجان جينيه، بعد تخرجها من مدرسة منير أبو دبس. بوفاتها ينعي رعيل الفنّ اللبناني ما بعد الحرب الأهلية أحد أجمل الوجوه الآفلة.

نضال الأشقر- مخرجة وممثلة مسرحية

أهم سمة للممثلة رينيه ديك هي شجاعتها وإقدامها وعدم خوفها. أعزي برحيل رينيه ديك أهلها وأسرة المسرح والفن. هذا المصاب يدفعني لأكرر رجائي من وزارة الثقافة مساعدة الفنانين كبار السن، وكل تقني وعامل في المسرح عاطل عن العمل، بعدما رهن هؤلاء أجمل أيام حياتهم لفرح الجمهور. رينيه هي مهارة قل نظيرها، وجرأتها كانت موصوفة. جميلة وخفيفة الدم. كانت تستقل سيارة أجرة لتحضر عروضات مسرحية كنت أقيمها وأحياناً لا تملك أجرته.

الفنانة القديرة في حياتها، تموت قديرة. من أوائل رعيل الفنانين اللبنانيين خلال فترة ما بعد الحرب الأهلية. محزن أنها توفيت محتاجة وفقيرة.

عبيدو باشا- كاتب ومخرج تلفزيوني وناقد مسرحي

لن تنتظر رينيه ديك بعد اليوم أشباراً، حتى تعتذر الحياة من هذه السيدة النحيلة، إبنة العمر لا إبنة كل يوم. لن تنتظر بعد أن نزفت دمها على الطريق إلى مقايضة الأشكال بالإشكال. مشيئة لا شيء أنيس هو المسرح. هكذا، وجدت بكونه حية، لا بالتسكع بأرجائه، بل بدخولها بعمليات سباكة الفحم فيه بحيث أضحى  الفحم الماسها، الماس الحياة. المسرح خيالها لا هذيانها، منذ وجدت في أسطورته حيث وقفت على منصة مهرجانات بعلبك  في ستينيات القرن الماضي، مع مدرسة المسرح الحديث ومنير أبو دبس في مسرحية "الذباب". أخذها سارتر في نصه إلى الرسل والقوة على التمييز بين ما يكون وما لا يكون. صبية نحيلة، بوجه يمتلك حماه. ولا يهتف فمه إلا لأجل المسرح، سيرة المسرح، عالي المسرح ضد فقهاء الظلام. إذ لم تجد بالمسرح هندساته، حين وجدت فيه ريشها وجسرها، بحيرة لا يسعها الهرب منها بأسماكها الحية، النيئة. ولأن لا ملح بالبحيرة مزقت النحيلة أكياس ملحها لكي تقيم الإعتدال بالماء. ذلك أن الملح يخفف الماء ويسمح بالسباحة كما لو أنها سعال لا مقايضة. 

بقي المسرح جبنة رينيه ديك السوداء حتى أيامها الأخيرة، أيام الضراوة اللطيفة. لطيفة من مأثرة العلاقة بقططها، من وجدت بسلطتها الأنيقة بحياة لم يتردد حبرها بكتابة خلود هذه المرأة بانتصاراتها وانكساراتها بالمسرح ذي السراويل على المقاسات المضبوطة على ما تجيزه القوى الطيبة. قوى تزداد نحولاً كلما أوغلت بالسنين. كل حضور حدث. كل مسرحية بحضور هذه المرأة /القبلة حدث. الذباب بأول السنين. ثم، رملوس الكبير وعلماء الفيزياء والملك يموت والإزميل وفيلم أميركي طويل. عشرات المسرحيات، لم تستأذن أحداً حين انتشرت كالغبار على صفحات الفطرة والإحتراف واحتراف الإحتراف، لتصبح ديك داعية لا مرتدة، تمارس العناق اللامنقطع مع منصة وهبتها شؤونها ومراهمها وبصرها وآواخر سنينها وخزفها وكل ما أضمرته  .

بموت رينيه ديك جرح جديد، ألم من الآم الشطار، من سوف يرونها في ضوعها النجمي الأخير شهيدة هذه البلاد، ببكاء خفيت يكاد يعتذر إلى رماد الجسد قبل أن يتحول إلى رماد.

 

 

شكيب خوري- مخرج مسرحيّ

 رينيه ديك سيرة مسرحية عنوانها التفاني. كانت جد متعلقة بالمسرح. أستذكر عنها التزامها بمواعيد التدريبات، حياتها هي توأم المسرح والمرأة الممثلة هي توأم الشخصية المسرحية. في معنى آخر، سمحت لها خبرتها معايشة الشخصية الى أعلى حد. ذاك التعايش، خلق لديها توازناً روحياً ووجدانيا، وفي الوقت نفسه، قبولاً للواقع القاسي الذي رافقها. إنها امرأة ذات تجارب اختبرت الحياة واستفادت منها. استطاعت السيدة ديك أن تعاصر الصعوبات وتتأقلم معها. عاشت كما تمنت.

رندة كعدي- ممثلة

رينيه ديك هي ركن من جماليات المسرح. ملكة على المسرح. أستذكر كيف جمعتنا سلسلة "طالبين القرب"، وسابقا مسرحية "تعا كول مجدرة يا صبي"، كتابة وإخراج إيلي كرم فأديناها على مرحلتين. الأولى لثلاثة شهورعلى مسرح مونو، ثم عرضناها بعد انقطاع. لدهشتنا، عادت رينيه مع كل التفاصيل الجسمانية والحركية.

أسترجع أيضًا أيام جمعتنا في كلية الفنون الجميلة فرن الشباك، حيث عملت رينيه "موديل"، كانت حشرية الطالب تدفعنا لمشاهدة حصص الرسم وهي تقف عارية. حينها سألت الأستاذ ريمون جبارة "هل أستطيع لعب هذا الدور؟"، فأجابني "هل تمتلكين الجرأة لخلع ملابسك؟".

عاشت في شاليه ولم تمتلك بيتا سوى بفضل أحد الميسورين. أتحسر أنّني لم أزرها على الدوام، وأننا لم نستطع تقديم الطعام لقططها. لتغفر لنا رينيه حيث هي تقصيرنا.

 

 

رولا حمادة- ممثلة

لم نعمل سويًا لكنني كنت أحب حضور مسرحياتها وألتقي بها خلال عروض مسرحية. حب وتقدير عاليين أكنهما لرينيه الممثلة والإنسانة. عاشت هذه الممثلة وماتت في كنف دولة لبنانية التي لا تعتني سوى بمصالحها ولا يرد المواطنون في حساباتها. لم تنعم رينيه بحقها الاجتماعي أسوة بكثير من الفنانين الذين يخسرون جنى أعمارهم ويحرمون أولادهم في المهجر ويعيشون الحضيض. كـ"الشحاذين" بات المواطن ينتظر الاعاشة ليأكل، لا يمتلك الموارد للطبابة وشراء الدواء. كرامة الإنسان والفنان اللبنانيين مهدورة،  يصبح حقه بالطبابة استثناء يطبق بعد أن ترتفع أصوات أمام الوزارات التي تضغط لتطالب بحقها في الرعاية الصحية، ورينيه تجرعت هذا الواقع المشين.

كارمن لبس- ممثلة

تملكني الحزن إثر خبر وفاة رينيه ديك، رحمها الله. نموذج من كبار البلد الذين يرحلون في ظروف مجحفة، ليست بحجم ربع عطاءاتهم. لقد ظلمت رينيه في شبابها، للأسف، جراء تواطؤ عناصر عدة أبعدتها لمدة عن التمثيل. أعتقد أنّ الفرصة والأهم التي استوفتها، حين عادت الى الخشبة وفجّرت طاقتها الرائعة في مسرحية "الخادمتان". أتطلع إلى يوم نلتحم فيه ضمن نقابة واحدة، حيث يُفعّل القانون المهني بما يحمي الفنانين ويؤمن مقومات حياتهم.

 

 

رندة الأسمر- ممثلة

كانت رينيه شغوفة بالمسرح. لا تقوى على العيش بدون مسرح. عايشتُ هذا الجانب من شخصيتها الفنية بعد تعافيها من نكسة صحية شديدة. كان المخرج جواد الأسدي حينذاك يحضر مسرحية "الخادمتان" التي أديتها مع جوليا قصار ومع رينيه التي التقتني وسألتني إن كانت تستطيع المشاركة. عاشت هذه المسرحية طويلا وحصدت نجاحاً باهراً. لكن الحظ لم يحالف هذه الفنانة التي ناضلت بدون كلل لممارسة الفن، برغم كل المعوقات المادية التي كابدتها. حين أتأمّل حياة رينيه تتجدد قناعتي بأنّه ينبغي على الفنان اللبناني والعربي عدم الاكتفاء بأعماله الفنية، وأن يزاول نشاطاً آخر مدفوعاً، إن أراد أن تصان كرامته. الانتاج الفني صار صعباً، والمسرح خفت وهجه، بمعايير الثقافة والفن "الراقي" الذي يتجرع معاناة متراكمة منذ شباب رينيه.

بديع أبو شقرا- ممثل

رينيه هي "ظاهرة" ممن ينطبق عليهم حقًا إسم "ممثل حقيقي"، جمعتني بها عروضات في مسرح المدينة. تجسيد للجرأة والخلفية الأكاديمية والجمال والشهرة وهي ميزات اجتمعت في شخص شنت ضده حروباً، فناضلت بصمت. هي واحدة من الناس الذين نأسف على عطاء كانت قادرة على مضاعفته مئات المرات. وطبعاً، اللوم الأساسي يقع على الدولة وشخصياتها. لا يلحظ هؤلاء أن المسرح هو مكون فني يشكل الواجهة الحضارية الأساسية للبنان، وقطاعات التمثيل هي قطاع إنتاجي، لا يقل أهمية عن الصناعة والتجارة والسياحة. أضف أنّ الفن مخنوق بالتدجين، ورينيه عانت من هذه المعايير لأنها امرأة، فلم تستطع أن تحقق كل أحلامها أو أحلامنا نحن الممثلين المستمرين بعدها.

رفعت طربيه -ممثل

رينيه ظلِمت. كان من المفترض أن تحظى بحظوظ أقرانها بالموهبة والخبرة، أمثال ميشال نبعا وأنطوان كرباج وغيرهم. ظلمها في الدرجة الأولى كونها امرأة، ما تناسل عنه تشويه سمعة والكثير من القضايا الأخلاقية المغلوطة. نحن جيل زاول مسرحًا كان ينظر إليها بـ"العيب" الذي سيوصم الممثل، ورينيه كامرأة تحملت ضغوطات ومظالم مضاعفة.

 شوقي شمعون- فنان تشكيلي

تستحق رينيه ديك كل تكريم. سيدة المسرح القديرة الراحلة، يسجل لها وقوفها عارية أمام طلابنا في الجامعة اللبنانية الأميركية في جبيل ليرسموها. حدث ذلك في فترات بين عامي 1997 و2015.  في وقوفها كـ"موديل"، جسدت قيمة جمالية للطلاب ولكن أيضا ترجمة  لإرادتها الطيعة، تمنحهم وقتها بسخاء. وبسبب وضعها المعيشي، حاولنا تأمين مورد دخل لرينيه. تقدمها في السن لم يحل دون استمرارها. الطلاب حين يرسمون رينيه، ينقلون  قيماً جمالية خاصة. فجسمها، وقد تجاوزت عقدها السادس، عكس التكوين الطبيعي للمرأة الذي لا يفوقه تناسقًا أي مكون من الطبيعة. تعرفنا إلى عدة "موديل" غير رينيه، لكنهن لم يمتلكن طبيعيتها في التعري، ولا نغفل هنا إسهام المسرح في اكتساب رينيه لغة جسد صادقة. كانت مرتاحة مع جسمها.

 
 

جميل ملاعب- فنان تشكيلي ونحات

رينيه ديك موهبة فنية عظيمة خطفت أنظار المخرجين والمسرحيين وعملت مع كبارهم، نذكر منهم منير أبو ديب وأنطوان كرباج. في آخر حياتها الفنية كنت ألتقيها في الجامعة اللبنانية الأميركية حيث عملت "موديل"، كان طلابي يرسمونها عارية. لطالما لفتني صبرها، وإيجابياتها، وشخصيتها المقدامة، إلى جانب خفة دم تغدق على محيطها شعوراً بالبهجة. أبت أن تطلب خدمة من أحد. سنفتقد سيدة مثقفة تتقن اللغات، نلتقيها في مقهى "الهورس شو" في الحمرا، تجمعنا أحاديث عن الموسيقى والشعر والفلسفة تنتهي بانطباعات تضاعف تقديرنا لها.

محمد الرواس- فنان تشكيلي

للأسف الشديد، أنا أنتمي لجيل سبق رينيه ولم يعاصرها جيدا. لكن، تتهادى الى ذاكرتي إيماءات لطيفة وتحيات كنا نتبادلها في معهد الفنون الجميلة- الفرع الأول، الذي شهد على تضحيتها للفن، لأنها كانت ممن تأثروا سلبا بالمصيبة الكبرى التي أصابت الجامعة، بسيطرة الفئات الدينية عليها وإقحام مسألة الدين في الفن، فكانت ممن تعرضوا للضغط والقمع، وفي حادثة شهيرة للضرب في حرم الجامعة خلال استعدادها لدخول صف البورتريه.

 

مارون الحكيم- فنان تشكيلي

كنت رئيس قسم الرسم والتصوير في الجامعة اللبنانية- الفرع الثاني، وعملت فيه لنحو 3 سنوات "موديل" بعد انتقالها من الفرع الأول إبان الحرب، حيث تعرضت للعنف والتنمر. مشاكلها الصحية حالت دون استمرارها في العمل، بخلاف ميشلين ضو ومريم، فتقلصت ساعات عملها إلى أن آثرت ترك الجامعة.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم