الثلاثاء - 28 أيار 2024

إعلان

"هل سيكون هو؟" لنورما عبد الباقي... حكاية الإغواء الأزليّ

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
غلاف الرواية.
غلاف الرواية.
A+ A-

رواية "هل سيكون هو؟" لنورما عبد الباقي، الصادرة عن معرض الشوف الدائم للكتاب، هي شكل من أشكال الإغواء الأزلي،  تظهر فيها المرأة حلمًا حقيقيًّا للوجود. مائتان وسبع عشرة صفحة، تشكّل كتابًا كأنّه قائم فوق ثُقبٍ أسودَ عميق، يظّن القارىء أنّه بلغ قعره، بينما هو بعيد الغور، حتّى ولو قرأه عدّة مرّات

 

لم تخرج القصّة في حبكتها عن أوزان الحبّ، لكنّها نهضت بمعانيها إلى مستوى الفن. فقد أدخلت عليها الكاتبة صورًا منمّقة، صابغة السطور بكآبة الفراق، وشوق اللقاء، وسحر النهاية. مزجَ عالَمُ الرواية بين المرأة الراقية والحياة. ولأنّ العناصر المكوِّنة للقصّة ترابطت مع بعضها، مصوِّرة، بطريقة غير مألوفة، نهج حياة الطبقة الأرستقراطيّة، ظهرَ فيها تداخل المال، والكبرياء، والحبّ بشكلٍ لافتٍ

 

"ياقوت" بطلة القصّة، حُبس قلبها في زنزانة الإغراءات وبهجة الحياة، ولكنّها لم تخضع لنداءات المال والجسد؛ وجاءت ثورتها الروحيّة، خلاصة احتقان لم يعد يطاق

 

عندما أبحرَتْ مع "كارم" في يخت مليء بالورود، كانت كثافة الزهر فيه تستتبع كثافة عطرٍ يُنتجُ سُكْرًا، ومعه وُضعت الشوكولاته التي تحبّها، لكي تكون واسطة وصال بينهما؛ شعرت "ياقوت" يومها أنّها مبحرةٌ في بحر من ضباب، لأنّ ندمها على صمتها - بدافع من كبريائها - حين كان يجب أن تتكلّم، جعلها في ضياع أفقدها بوصلة الإبحار إلى ميناء زرقة عينَيْ حبيبها آدم.

 

وجدت الكاتبة، خلال الرواية، فسحة حبٍّ وحياةٍ وحلمٍ لامرأة أسكنت قلبها الهياكلَ الصامتة. فبطلة القصّة لم تَلْهُ بالأقدار، بل سعت لاستشراف قدرها من خلال لقائها، بابتسامة مشرقة، عينين غادرهما النور؛ فمالكُ قلبِها "آدم" قد أعمته الغيرة قبل أن يفقدَ بصره بحادث سير مهول، بعدما شاهدها مع "كارم" في حفلٍ صاخبٍ، أعلن الأخير خلاله حبّه لها بطريقة مبتكرة ومشوّقة

 

وتأخذنا المفاجآت، لنصل إلى حيث ماجت "ياقوت" ببحر عيون بلا مراكب، هي التي لم تستطع أن تتحرّر من أَسر تينك العينين الساحرتين، وبقيت تبحث عنهما شاردة في هوامش صخب الحياة، واضعة نفسها- بدون مقابل- خادمة لقلب لم تُكسَر قيوده، تلك القيود التي بقيت وجعها الدائم؛ علّها بذلك تحقّق مرتجًى على أنقاض الركام العاطفي المتمادي بينهما

 

وجاء النور لتينك العينين بعد شهرٍ، نهايةً سعيدة لهذه القصّة الشائقة. لقد أخذها حبيبها بشغف بين ذراعيه، كسنبلة عرّتها العواصف، فكانت بنقاوة الحنطة ونصاعتها. أصبحا استثناءً في صحوهما، عند كلّ عناق، على أعتاب الحياة الواعدة والشهد المشتهى

 

يقول الكاتب العالمي ألبير كامو: "الأدب الروائي هو الكذب الّذي نقول بواسطته الحقيقة". إنّ قصّة الكاتبة نورما عبد الباقي، هي من وحي الخيال بأحداثها وأشخاصها، لكنّ ما قالته من خلالها، هو حقائق أظهرت صفات المرأة الراقية، البعيدة عن الرفاهية التي لم تعنِ شيئًا لبطلة القصّة. فمن خلال السرد المشبع بوصف الأحاسيس الجميلة والحبّ الملوّع، وجدنا أنّ كلّ امرأة تستطيع أن تكون مسؤولة في حياتها وعملها، مستقلّة في قراراتها، ترتّب أولويّاتِها وفق ما يمليه عليها طموحها.  

 

لقد أخرجت الكاتبة المرأة من مصطلح "المرأة الصالحة"، النابع من تقاليد وعادات ضاربة في القدم، لأنّ هذه التسمية تسلب المرأة حرّيّتها، وتجعلها في موقع المسؤولة عن فشل أيِّ علاقة صادقة، في ظلّ السيطرة الذكوريّة، على طريقة ذئب وحمل "لافونتين". لقد استبدلت ذاك المصطلح بمصطلح "المرأة العصريّة"، موسِّعةً أفق المرأة التي يُظهرها السرد متماشية مع العصر الحديث الّذي اختلفت فيه مفاهيم الأشخاص واحتياجاتهم الشخصيّة والعاطفيّة.

 

من العبثية بمكان أن يظلّ تنظيرنا العاطفي مقتصرًا دومًا على اكتناه أسس التحوّلات الكبرى التي غيرّت مفاهيم العلاقات الاجتماعيّة؛ فالناظر إلى حياتنا يعي أنّ الأمور التي تحصل للمحبّين ليست نتيجة تراكم عادات قبليّة، ولا أمل في انبعاثها شكلًا ومضمونًا بحيث تحرّرنا من تبعات الركون إلى حضارة العلاقات الواصلة إلينا من الغرب.

 

لكن، من يقرأ رواية "هل سيكون هو؟"، تغادره سمة التشاؤم المنطبعة في قالب الأفكار المتناحرة والمتضادّة والتي سعت نورما عبد الباقي دومًا لبلورتها وقولبتها وتأطيرها ضمن أنموذج صادق، يمكن أن يعينَنا على استنهاضٍ رياديّ لفعل الحب وفكرة اعتناقه، كي نفتحَ كوّة ًصغيرة في جدار الانحدار الأصمّ لمفهوم حاجات الإنسان الروحيّة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم