الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

من يُفشّل ماكرون: أميركا أم "الثنائية الشيعية"؟

المصدر: النهار
سركيس نعوم
سركيس نعوم
Bookmark
من يُفشّل ماكرون
من يُفشّل ماكرون
A+ A-
يبدو أن رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون مدّد مهلة تأليف الحكومة التي كانت انتهت يوم الاثنين الماضي الى اليوم الخميس. فإما تأليف وإما اعتذار يفتح باب لبنان أمام احتمالات صعبة جداً، علماً أن ما تعيشه شعوبه اليوم هو بالغ الصعوبة. طبعاً فاجأ التعثّر الحكومي الناس الذين كانوا يظنون أن الاجتماعين اللذين عقدهما ماكرون مع قادة الطبقة السياسية في قصر الصنوبر في زيارتيه لبيروت في أعقاب تفجير 4 آب الماضي ولا سيما بعدما صمت هؤلاء على ما نقلته وسائل الإعلام من تفاهم معه بعد أربع ساعات من المناقشة في الاجتماع الثاني تخللها انتقاد قاسٍ لغالبية هؤلاء جرّاء مسؤوليتهم مباشرة ومداورة عن وصول بلادهم الى حالها التعيسة الراهنة، كما جرّاء دورهم في إشاعة الفساد وحمايته وتالياً في وصول الدولة الى الانهيار والإفلاس. 
ما هي أسباب وقوف المبادرة الفرنسية على أبواب الفشل؟ الأسباب متنوّعة. منها مبالغة ماكرون في الثقة بتأييد إدارة الرئيس الأميركي ترامب لمبادرته اللبنانية. فهي أبلغته بالطرق الديبلوماسية عدم ممانعتها في تحركه، وتمنّت له حظاً جيداً لكنها لم تعطه شيكاً على بياض ولا تفويضاً للتحدث باسمها. وعندما لمست أنه قدّم "تنازلات" في نظرها الى "حزب الله" ومن خلاله الى إيران الإسلامية حليفته بل راعيته تمثلت في عدم شمول برنامج الحكومة التي يعمل على دفع الطبقة السياسية الى تأليفها إيجاد حل لسلاح "الحزب" المنتشر في البلاد وفي سوريا، وعلى دوره الذي تجاوز لبنان الى الإقليم ومنه الى العالم الأوسع. كما تمثّلت بحصر المهمة الحكومية بتحقيق إصلاحات شاملة تتناول القضاء والأجهزة الأمنية والكهرباء ومصرف لبنان والتدقيق في حساباته وأوضاعه وتصرفاته وقراراته التي تسبّبت مع الدولة والمصارف في الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي المريع. عندما لمست أميركا ذلك فرضت وزارة الخزانة في واشنطن عقوبات على الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. الأول شيعي ينتمي الى "حركة أمل" الحليفة لـ"حزب الله" التي يترأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري. والثاني مسيحي ماروني ينتمي الى "تيار المردة" الذي يترأسه حليف سوريا الأسد أولاً ثم "الحزب" النائب والوزير السابق سليمان فرنجية. لم ينتبه ماكرون الى معنى العقوبتين أو ربما ظنّ أن في الإمكان تلافي تأثيرهما السلبي على مبادرته الحكومية اللبنانية باعتبار أنهما جزءٌ من استراتيجيا وضعتها أميركا من زمان وسياسة تطبيقية لها. لكنه الآن وهو على مفترق نجاحه أو فشله في لبنان لا يستطيع إلا أن يستخلص الموقف الأميركي الحقيقي وتالياً العِبر الذي عبّر عنه وزير خارجية ترامب بومبيو في حديث له وُزّع قبل يومين على الإعلام في لبنان بل في العالم العربي والعالم الأوسع. جاء في بعضه: "لا تستحق شيئاً السياسة البعيدة من الواقع والحقيقة. وهذا قول لشارل ديغول. نظام إيران هو الداعي لإرهاب دولة والمصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. والسؤال هل تريد فرنسا الانضمام الينا لمواجهته وتأمين السلام والاستقرار الإقليميين؟ فرنسا ترفض تسمية "حزب الله" منظمة إرهابية ولا تزال تميّز بين جناح سياسي له وآخر إرهابي رغم قيادة "الإرهابي" حسن نصرالله لهما. كيف تستطيع فرنسا التصويت ضدّ إبقاء العقوبات الدولية على إيران في مجلس الأمن؟ وكيف يستطيع الرئيس ماكرون أن يجتمع بمسؤول رئيسي في "حزب الله" في بيروت...". فهل يُكمل رئيس فرنسا مبادرته علماً أنه لا يستطيع أن يتخلى عنها حرصاً على صدقية بلاده وعلى دورها الدولي أم يتكل على الانقسامات الحادّة والحاقدة بين اللبنانيين وعلى ألاعيبهم وتمسّك غالبية قادتهم وقادة الطبقة السياسية التي تحكمهم من زمان، كما على تمسّكهم بمكاسبهم الآتية من الداخل والخارج وعلى استغلالهم الطائفية والمذهبية للاستمرار في السلطة من داخلها وخارجها في آن، أم يتكّل على ذلك كله لغسل يديه والانسحاب بل لتجميد مبادرته أو إنهائها حفظاً لماء الوجه مع تحميلهم كلهم مسؤولية فشله؟
من الأسباب أيضاً اقتناع ماكرون بأن مسايرته "حزب الله" في أمور عدّة ستفتح له طريق النجاح، ولا سيما بعدما انقسم حلفاؤه المسيحيون بين واحدٍ صامت ومترقّب نتائج التحرّك الفرنسي وآخر متحرّك بحذر محاولاً الإمساك بالعصى من الوسط كما يُقال، وذلك بإظهار الاستعداد لـ"التكويع" في اتجاه الغرب خوفاً من عقوبات زعيمته أميركا ولكن من دون التخلّي عن "الحزب" رسمياً تحسّباً لفشل المبادرة الفرنسية. وربما لم يكن رئيس فرنسا يتصوّر أن إبعاده سلاح "الحزب" وتوابعه عن "البيان الوزاري" للحكومة الذي قدّمه لقادة الطبقة السياسية، ثم قبوله لاحقاً التخلّي عن التحقيق الدولي في تفجير مرفأ بيروت وتدميره جزءاً مهماً من العاصمة، كما عن تقديم موعد الانتخابات النيابية، ربما لم يكن يتصوّر أن "الحزب" سيصطف الى جانب حليفه بل شريكه في "الثنائية الشيعية" أي "أمل" الرئيس بري في تمسّكه بحقيبة المال للشيعة وبرفضه المداورة إلّا إذا استثنت هذه الحقيبة. وهذا أمرٌ كان على ديبلوماسييه في بيروت واللبنانيين "العاملين مع فرنسا" أو المعتمدين عليها أن يتداركوه أو بالأحرى أن يعرفوا أنه سيحصل. كما كان على الأفرقاء اللبنانيين الذين يجمعهم العداء لـ"الحزب" والخوف من الشيعة ومعظمهم سنّة ودروز ومسيحيون تفرّقهم المصالح العامة والخاصة أن يتصرّفوا بحكمة ويقدّموا النصائح التي تساعد ماكرون في إنجاح مبادرته، وليس التي تدفعه الى التمسّك بما يُفشّلها. في هذا المجال يُمكن الإشارة الى أن نائب "الحزب" محمد رعد تسلّم من الفرنسيين قبل ساعتين من الاجتماع مع ماكرون في زيارته الثانية ورقة اقتراحاته التي سمّاها الإعلام "البيان الوزاري" فاطلع على مضمونها وأبلغه الى رئيسه السيد حسن نصرالله ونقل الى ماكرون بعد ساعتين في اجتماع قصر الصنوبر أن "الحزب" يقبل تسعين في المئة من ورقته. فسأله الأخير: "ما هي العشرة في المئة المرفوضة؟" فأجاب رعد: "تقديم موعد الانتخابات النيابية والتحقيق الدولي". لكنه في الثاني أي التحقيق أوضح أن الموقف النهائي منه يتوقّف على تحديد مداه والجهات التي ستقوم به. علماً أنه لم يعد مطروحاً بعدما بدأ القضاء اللبناني التحقيق في تفجير المرفأ وبعدما واكبته FBI أميركا وأجهزة فرنسية بتحقيقيْن منفصليْن.
من الأسباب ثالثاً اقتناع "الثنائية الشيعية" بأن هناك انقلاباً عليها بل على الغالبية الساحقة من الشيعة التي تؤيدها. وسيدفعها ذلك الى المزيد من التصلّب ولو أدى ذلك الى تصعيدٍ في حال الإصرار على حرمان شعبها "التوقيع الثالث" عبر وزارة المال. وقد يكون ذلك بالقول أن مسيحية رئيس الجمهورية أو مارونيته لا نصّ عليها في "الطائف" مثلما أن لا هناك نصاً على "التوقيع الثالث" فيه. وإذا أردتم مداورة فلتكن شاملة الحكومة والمواقع الرئاسية. في أي حال لا بد من انتظار التطورات، فإذا حُلّت الخلافات تُشكّل الحكومة قريباً جداً وإذا تعذّر ذلك يعتذر الرئيس المكلف. لكن الانتظار لن يكون أسابيع بل أياماً والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا سيحصل بعد ذلك على الصعيد الحكومي وعلى الصعيد السياسي وعلى "الأرض"؟.