الأحد - 14 تموز 2024

إعلان

هل على السُنّة اللبنانيّين اختيار "زعيم"؟

المصدر: "النهار"
سركيس نعوم
سركيس نعوم
طرابلس (أ ف ب).
طرابلس (أ ف ب).
A+ A-
يتساءل لبنانيّون كثيرون عن جدوى الحوار الذي دعا إليه رئيس الجمهوريّة ميشال عون قبل انتهاء ولايته بنحو تسعة أشهر ونصف شهر. ذلك أنّه رغم كلّ ما يُقال عن تأخُّر في صحّته يؤثّر على قدراته وتحليلاته، لا يزال متوقِّد الذهن ومتمتّعاً بمقدرة دفعت الذين يعرفونه من زمان أي يوم تولّى قيادة الجيش ثمّ رئاسة "الحكومة العسكريّة الانتقاليّة" بعد إخفاق رئيس الجمهوريّة في حينه أمين الجميّل في تلافي فراغ رئاسي، دفعهم إلى الاقتناع بأنّه، عقلاً وطبعاً، لم يتغيَّر. بوصفه كذلك كان يُفترض بالرئيس عون أن يعرف أنّ غالبيّة الأطراف اللبنانيّين لا يرَون المرحلة الحاليّة مناسبة للحوار لأنّه يأتي في سنته الرئاسيّة الأخيرة، ولأنّ البلاد مُنقسمة سياسيّاً وطائفيّاً ومذهبيّاً بل في ذروة هذا الانقسام الأمر الذي لا يُشجِّع ربّما على الحوار من أجل التوصُّل إلى حلول، بل على تصعيد الحرب السياسيّة المُستعرة أساساً بين الشعوب اللبنانيّة سواء على المكاسب الفئويّة أو الزعاماتيّة أو على ارتباط لبنان بمحيطه العربي أو بمحيطه الإقليمي والمذهبي، علماً بأنّه متنوّعٌ أو بالمحيط الدولي الأكثر تنوّعاً، فضلاً عن أنّ القضايا الخلافيّة الداخليّة مرتبطة بقضايا إقليميّة وأخرى دوليّة أو أزمات، الأمر الذي يجعل خروج لبنان منها صعباً وإن اجتمع قادة شعوبه في حوار "وطني".


طبعاً لم يعتبر الرئيس عون أنّ اعتذار رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، الأكثر شعبيّة لدى السُنّة رغم تدنّي نسبة هذه الشعبيّة، لم يعتبر ذلك سبباً كافياً للتخلّي عن فكرة الحوار حاليّاً. علماً بأنّ غياب الحريري عن طاولته يجعله غير مُكتملِ الميثاقيّة وغير شامل للفاعليّات الحقيقيّة داخل الشعوب اللبنانيّة. هذا مع أنّه كان يُركِّز دائماً على التمسُّك بالميثاقيّة ومعها الديموقراطيّة التوافقيّة وقضايا أخرى قد تكون أسهمت بتأجيج الخلافات الداخليّة كما بإفشال الدولة وتقسيمها ثلاث دول وانهيار نقدها ومؤسَّساتها باستثناء العسكريّة منها.
 
 
في أيّ حال، ربّما وجد الرئيس عون أنّ العودة عن عقد مؤتمر حوار وطني ستُنهي عهده عمليّاً منذ الآن، ولذلك قرَّر التشاور مع أطراف الحوار على تفاوت تمثيلهم الشعبي لطوائفهم بل لمذاهبهم والشعوب قبل اتخاذ قرار نهائي في هذا الموضوع. لكن ما يخشاه البعض هو تمسُّكه بالدعوة إلى الحوار وإحلاله مكان الممثّلين الفعليّين من كلّ الأطراف.


هل يمكن إجراء حوار "وطني" قبل أشهرٍ قليلة من موعد الانتخابات النيابيّة التي بدأ تنفيذ المراحل التحضيريّة لها منذ الآن؟ الجواب هو طبعاً كلّا. ذلك أنّ الحوار المُجدي هو الذي يحصل بعد انتخابات نيابيّة حُرّة وإن في الحدّ الأدنى، وإن تنفيذاً لقانون سيّئ. علماً بأن نتائجها قد لا تجعل المجلس الجديد "جديداً" بكلّ معنى الكلمة، علماً أيضاً بأنّ كثيرين يعتقدون أنّ انتظار انتخاب رئيسٍ جديد للجمهوريّة قبل الحوار قد يكون أجدى. الجدير ذكره هنا هو أنّ الرئيس سعد الحريري، أوّل الذين دعاهم عون إلى الاشتراك في الحوار، أكّد له بعد رفضه أنّ الوقت الأفضل لذلك هو بعد الانتخابات. لا يعكس ذلك فقط اهتمامه الجدّي بنجاح الحوار، بل يعكس أيضاً عدم استحسانه حواراً وهو غائب عن البلاد ومُقرِّرٌ على ما يبدو عدم العودة إليها رغم دقّة المرحلة الحاليّة وحراجتها إلّا ربّما لأيّام قليلة. لذا فإنّ السؤال الذي يُطرح هُنا هو: هل سيعود الحريري إلى لبنان، بل هل سيخوض الانتخابات النيابيّة على رأس لوائح "تيّار المستقبل"، أم سيترك أعضاءه يترشّحون مستقلّين ويفتقرون إلى الدعم السياسي – المالي المحلّي والسياسي – المالي العربي؟


لا أحد يمتلك أجوبة شاملة عن هذه الأسئلة وأخرى كثيرة غيرها. لكنّ ذلك لا يمنع طرح المعلومات المتوافرة عن مضمونها عند عددٍ من المُتابعين الجديّين لتحرُّك الحريري و"المستقبل". وهي تُشير استناداً إلى مصادر وثيقة الصلة بـ"المستقبل" منذ تأسيسه بل قبل ذلك، إلى أنّ الرئيس فؤاد السنيورة زار الحريري في أبو ظبي قبل مدّة قصيرة واجتمع به مرّتين تداولا خلالهما في موضوعات عدّة أبرزها الانتخابات النيابيّة القريبة. كانت نتيجة التداول أنّ قرار الحريري هو عدم ترشيح نفسه في الانتخابات النيابيّة. أحد الأسباب المهمّة لذلك هو عدم توافر المال الكافي لديه لخوض المعركة مع "تيّاره" على النحو الذي كان يفعله في السابق، ورغبة الحريري في مُتابعة "العمل" الذي بدأه في الإمارات بضع سنوات أخرى لتكوين رأسمال مهمّ يحلّ له مشكلاته الماليّة ويُعيد له دوره في لبنان. لكن ربّما يكون لموقفه هذا سببٌ آخر هو أنّ دول الخليج تحترم موقف كبيرتها أي المملكة العربيّة السعوديّة التي لا تعترض على عمل الحريري المُنتج ماليّاً في الخليج لكن تعترض على استعمال ما يُنتجه من مال في الانتخابات بل في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. هذا فضلاً عن أنّ الموقف الأوروبي – الأميركي – العربي ربّما باستثناء مصر من الحريري ليس مُشجّعاً له على خوض المعركة الانتخابيّة. في ظلّ هذا الموقف الرافض العودة إلى السياسة الآن تُفيد المعلومات نفسها أنّ السنيورة طرح على الحريري أن يتولّى "قادة" السُنّة أو ربّما رؤساء الحكومة السابقون الاهتمام بالانتخابات النيابيّة فيختاروا المُرشّحين السُنّة. لكنّه لم يسمع منه جواباً عن هذا الموضوع حتّى الآن. علماً بأنّ هناك اقتناعاً بأنّه إذا بقي سنتين خارج لبنان أو أكثر فسيخسر كثيراً ومعه "المستقبل" والسُنّة، إذ لا بديل منه وإن كان من عائلته. طبعاً يريد الشيعة أو تريد "ثنائيّتهم" ولا سيّما الرئيس نبيه برّي زعيماً سُنيّاً، وهو يُفضِّل الحريري، لكن إن لم يستجب له الأخير بالعودة فلن يعود هناك "في الميدان إلّا حديدان" أي الرئيس نجيب ميقاتي. ذلك أنّ النائبة بهيّة الحريري ومع الاحترام التامّ لها لا تستطيع تحمّل هذا العبء. والسنيورة لا يريد أن يترشّح للنيابة ولا أن يصبح رئيس حكومة، لكنّه ربّما يقبل أن يقود "تيّار المستقبل" ريثما يعود الحريري. طبعاً لا يعني ذلك أنّ الساحة السُنيّة ستكون خالية ففيها شخصيّات كثيرة بعضها ذو وزن وبعضها الآخر ذو وزن أخفّ وبعضها الأخير من وزن الريشة. ومن هؤلاء كلّهم يمكن ذكر نائبي بيروت فؤاد مخزومي وربّما نهاد المشنوق والوزير السابق أشرف ريفي وفيصل كرامي وآخرون من اتّجاهات عدّة. هل يعني ذلك أن ميقاتي قد يصبح الزعيم السُنّي الأوّل في البلاد؟ ليس ذلك طموحه على ما يقول. بل ربّما لن يترشّح هو في الانتخابات النيابيّة المقبلة، ويكتفي برئاسة الحكومة لاحقاً. يثير ذلك في أذهان المعنيّين والمهتمّين سؤالاً مهمّاً هو: هل صار على السُنّة اختيار "زعيم جديد"؟

[email protected]
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم