الإثنين - 30 كانون الثاني 2023
بيروت 15 °

إعلان

السعودية والصين.. الشراكة الآمنة

المصدر: "النهار"
د. خالد محمد باطرفي
أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر آل سعود مستقبلاً الرئيس الصيني شي جين بينغ  في مطار الملك خالد الدولي بالرّياض (أ ف ب).
أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر آل سعود مستقبلاً الرئيس الصيني شي جين بينغ في مطار الملك خالد الدولي بالرّياض (أ ف ب).
A+ A-
سئل الملك عبدالعزيز، في أوائل الثلاثينات الميلادية، من مستشاريه: لماذا نعطي اتفاقية النفط لأميركا وليس لبريطانيا العظمى، فقال: أميركا دولة عظيمة صاعدة، وبريطانيا بلغت أوجها، ولذلك فالخير لنا أن يكون حلفنا مع أميركا وشراكتنا مع بريطانيا.

الصين الصاعدة
أثبتت الأيام حكمة الملك عبدالعزيز، فقد أخرجت الحرب العالمية الثانية الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس من لعبة الأمم، وتقدّمت الولايات المتحدة لتحتلّ مكانها، ولا تزال.

ولكن الأيام دول بين الناس، وما صحّ قبل قرن من الزمان، يصحّ اليوم. الصين الصاعدة بقوتها الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية تتقدّم بسرعة الصاروخ على الدول التي تربّعت عروش المعمورة قرونًا. فهي صاحبة ثاني أكبر اقتصادات العالم، ومتوقّع أن تزيح اميركا من المركز الأول خلال العقد الحالي. وبعد أن كشف الجيش الروسي محدودية إمكاناته في الاسلحة التقليدية خلال حرب اوكرانيا، أصبحت الصين بجيشها الأكبر (3 ملايين مع الاحتياطي)، وسلاحها الأكثر حداثة وتعدادًا، المنافس الأول لأميركا، لولا مخزون النووي الروسي.

اميركا المتراجعة
أعلنت الإدارة الأميركية أنها تراجع تحالفها الثمانيني مع السعودية، واتفاقية النفط مقابل الأمن، مع دول الخليج، لأنها أصبحت أكبر منتجة للنفط في العالم، وإن كانت السعودية أكبر مصدّر. ولأن اهتماماتها الجيوسياسية تحولت الى الشرق لمواجهة التنين الصيني. ولأن السعودية لا زالت مصرة على ممارسة مبدأ السيادة وتقديم مصالحها الذاتية والقومية على المصلحة الأميركية، فردّت السفيرة السعودية في واشنطن، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، الأمير السفير الذي عايش مرحلة الحلف السعودي الأميركي، أنّ الاتفاق انتهى من الطرفين، والعلاقة تتمّ مراجعتها في الرياض أيضًا. فالسعودية لم تعد بحاجة الى القوة الأميركية لتأمين مصالحها، وليست ملزمة بالتعاون مع شريك دون آخر.

والتوجه شرقًا بدأ مبكرًا، فبعد أحداث أيلول، كشفت اميركا عن وجه غير مألوف، وبدأت تتعامل مع حلفائها باستعلاء وغطرسة، وأخلّت بكثير من تعهّداتها في الجانب الأمني، ولكن أيضًا في الجانب السياسي بتخادمها مع إيران، وخيانتها لحلفائها في مؤامرة "الربيع العربي"، وتعطيلها لعدد من العقود والاتفاقيات العسكرية، المدفوعة الثمن، ورفضها توطين الصناعة العسكرية ونقل التقنية، وسحبها لبعض قواتها واساطيلها في منطقة الخليج العربي. وتخاذلها في الردّ على التعديات الإيرانية على حلفائها.

ميزان الشراكات الدولية
وتسارعت خطوات تطوير العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع روسيا والصين وجنوب أفريقيا والبرازيل، مع الحفاظ عليها مع دول أوروبا الغربية، وتحسينها مع الشرقية. كم عملت الرياض على تفعيل علاقاتها مع دول أفريقيا وشرق ووسط آسيا وأميركا الجنوبية.

وهكذا أصبح ميزان الشراكات الدولية أكثر توازنًا وجدوى، مع غلبة الكفة الأميركية في ما يتعلق بالتسليح بحكم تجذر العلاقة وكمية وجودة السلاح الأميركيّ، وفي العلاقات المالية، نظرًا لارتباط الريال وتسعير النفط بالدولار، والاستثمارات السعودية بمئات المليارات في شركات النفط والأسهم والسندات الحكومية الأميركية. إضافة الى الصلات الوثيقة الأمنية والنفطية والتعليمية والثقافية بين البلدين.

بداية العلاقة مع بيجينغ
انطلقت العلاقات السعودية الصينية عام 1985، بعد زيارة الأمير بندر بن سلطان السرية لبيجينغ، وتوقيع صفقة الصواريخ الباليستية وتوريدها لمخابئها في صحراء الربع الخالي، وهو الأمر الذي فاجأ وأغضب أميركا حينها. ولكن القرار الذي اتّخذه الملك فهد جاء بعد اعتذار إدارة الرئيس رونالد ريغان عن توفير درع صاروخي يفوق قدرات البلدين المتحاربين، ايران والعراق، في حرب الخليج الأولى.

وفي نفس الوقت، أستجابت الرياض لشرط الصين بالاعتراف بها، بدلًا من الصين الوطنية، تايوان، التي تحوّلت سفارة السعودية فيها الى مكتب تجاري، عام 1990. وهو نفس الشرط الذي استجابت له الولايات المتحدة في السبعينات.

ومنذ ذلك التاريخ تنامت العلاقات التجارية بين البلدين تناميًا ملحوظًا، ومتوافقًا مع تطور مستوى المنتجات الصينية وتنوعها، خاصة في الألفية الثانية. وتوسع التعاون الصناعي والتقني وصولًا الى توقيع اتفاقٍ في مجال الطاقة النووية السلمية عام 2012.

النقلة النوعية
ثمّ جاءت النقلة النوعية بعد زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز للصين، عام 2017 ردًّا لزيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ للرياض عام 2016. وتمّ خلال الرحلة الملكية توقيع اتفاقيات تعاون بلغت قيمتها 65 مليار دولار كان من ثمارها أن قفز حجم التعاون التجاري الى ما يزيد عن 82.4 مليار دولار في 2021، بزيادة قدرها 39 بالمئة عن عام 2020. كما بلغت إجمالي الصادارت السعودية الى الصين 51 مليار دولار، منها صادرات غير نفطية بقيمة 11 مليار دولار.

وتبعت الزيارة الملكية زيارة أخرى لولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2019 وقعت خلالها عشرات الاتفاقيات التجارية والتقنية والدفاعية في سياق شراكة استراتيجية بين البلدين. ولقاءات عديدة جمعت الرئيس الصيني بولي العهد السعودي في اجتماعات قمة العشرين.

وبالمحصلة، بلغت السعودية المرتبة 12 من الدول المستثمرة في الصين بنهاية عام 2019، بقيمة 8.6 مليار دولار، فيما استثمرت الصين 29 مليار دولار حتى عام 2021. كما تمّ تأسيس صندوق "سعودي - صيني" لدعم شركات التقنية الناشئة في الذمملكة برأس مال 400 مليون دولار بين شركة علي بابا وصندوق الاستثمارات العامة، بهدف دعم منظومة اقتصادية متينة للإعمال الرقمية.

القمم الصينية للتعاون والتنمية
وفي اليوم الأول من زيارة الرئيس الصيني، وخلال القمة السعودية الصينية، يتوقع أن يتم التوقيع على 20 اتفاقية تتجاوز قيمتها 29.3 مليار دولار. وتوقيع وثيقة شراكة استراتيجية متوافقة مع رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى تنويع الشراكات الاقتصادية الدولية وتوطين الصناعات العسكرية والتقنية المتقدمة، ومشروع درب الحرير والطوق البحري الصيني، الذي تشارك فيه 123 دولة، وتمثل الجزيرة العربية، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، منصة الارتباط والانطلاق، بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما يؤمل أن تطلق خلال الزيارة جائزة الامير محمد بن سلمان للتعاون الثقافي بين البلدين.

ويتوقع الاعلان عن المزيد من هذه الاتفاقات والتوافقات، خلال القمة الخليجية الصينية، والقمة الصينية للتعاون والتنمية، والتي يحضرها ثلاثون قياديًّا من الدول العربية والمنظمات الدولية.

شراكة لا تحالف
ولا تهدف الصين والسعودية وشقيقاتها العربية الى إقامة تحالفات او معسكرات قطبية، وإنما الى توسيع إطار شراكة وتعاون بدأ منذ الفَي عام قادته قوافل التجارة على طريق الحرير مرورًا بالجزيرة العربية، ونقل التعاون التاريخي الى الألفية الثانية بكلّ آفاقها الواسعة. وقد أبدت الولايات المتحدة تفهّمها لأهداف القمم، وأكّدت حرصها على مكانتها في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقاتها المميزة مع الدول الخليجية والعربية.

وبهذا تكون الرسالة وصلت بوضوح إلى واشنطن والعواصم الغربية، أنّ العرب ينشدون دومًا، وشرطًا، الشراكات الآمنة التي تحترم سيادتهم واستقلال قرارهم وأولوية مصالحهم، ولا تتدخّل في شؤونهم أو تملي عليهم أو تمالي خصومهم. وأنّ الخيارات متعددة، وعليهم أن يقرروا مكانهم فيها. فالشراكة العربية الأميركية ليست زواجًا كاثوليكيًا، لا تعدد فيه. واتفاق أمن الخليج مقابل النفط انتهت صلاحيته. والحلف السعودي الأميركي تتمّ مراجعته على ضوء التجارب السابقة، والواقع الحاضر، والرؤية المستقبلية.

@KBATARFI
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم