الأحد - 29 أيار 2022
بيروت 25 °

إعلان

صادِروها ديموقراطيًّا واحرقوها على الفور

المصدر: "النهار"
عقل العويط
عقل العويط
انتفاضة 17 تشرين.
انتفاضة 17 تشرين.
A+ A-
يقول أندره بروتون في روايته "نادجا" ما يأتي: "لا أزال مُصرًّا الإصرار كلّه على أنّ ما يهمّني هي فقط الكتب الصفّاقة battants المفتوحة، كالأبواب، على مصاريعها؛ كالأبواب التي لا نحتاج إلى البحث عن مفاتيحها".

لماذا أُصِرّ على اللجوء، مرارًا وتكرارًا، إلى الكتب في هذه الأوقات الصعبة التي لا يحتاج فيها الكثيرات والكثيرون من أبناء هذه الأرض اللبنانيّة المعذّبة، إلّا إلى الرغيف والدواء والسقف والليرة و... العيش الكريم والأمان المفقود؟!

يهمّني أنْ أقول الآتي: الكتب ليست تَرَفًا. الكتب ليست luxe ولا امتيازاً أو أكسسوارًا. الكتب جوهر وجود. الكتب حاجة. الكتب هواء. الكتب ضوء. الكتب نقطة ماءٍ في صحراء يابسة. الكتب زورقُ نجاةٍ في خضمٍّ هائج. الكتب يدٌ تنتشل الغرقى. الكتب خلاص. إنّها خلاص.

وعلى رغم كوني أُحِبّ الغموض والتحفيز والاستفزاز والتحريض في الكتب المغلقة، الدفينة، المُكابِرة، الصعبة، المُتعِبة، المُعذِّبة، التي لا تكشف مضامينها بيسر، والتي يتطلّب فتحُها انحناءً وعكوفًا وإبحارًا، كما تتطلّب معرفة أسرارها وكنوزها الكثيرَ من المجاهدة والمثابرة والإرادة، إلّا أنّي – في الحالة اللبنانيّة، الوطنيّة والسياسيّة والمجتمعيّة - أُصِرّ الإصرارَ كلّه راهنًا على خيار الكتب المفتوحة القلوب والصفحات والمعاني، الصريحة الشفّافة الواضحة، لأنّها تمنح نفسَها بنقاءٍ كلّيّ، وبدون التباس، مثل الشمس، مثل الينابيع، وبلا شروط، وبلا قيود.

ما علاقة الكتب البروتونيّة (نسبةً إلى بروتون) بالحالة اللبنانيّة، الوطنيّة والسياسيّة والمجتمعيّة؟

لا علاقة مباشرة. لكنّي أقصد قصدًا أنْ أستدرج كلام بروتون عن الكتب استدراجًا شخصيًّا وذاتيًّا (ولبنانيًّا)، لأنّي ملدوغٌ بسموم الكتب الأمّيّة السمجة التافهة الرخيصة المعفّنة الخانعة المجرمة، التي تُجرّعنا إيّاها الطبقة السياسيّة الحاكمة، طبقة السلاطين والطغاة والقتلة والمافيويّين والميليشيويّين والطائفيّين والمذهبيّين والسرّاق والمنتفعين والمنتهزين.

كتبُ هذه الطبقة، هي كتبٌ لا تحمل في صفحاتها المغلقة إلّا تفاهات الأحزاب والتيّارات والميليشيات والأصنام المشاركة في السلطة، ودسائسها ومؤامراتها وجرائمها و"قيمها" الدنيئة، ولا تبذر إلّا بذور الخراب والدمار واليأس والتهجير والإفقار والتجويع والمرض والتيه والخوف والقلق والرعب.

كتبٌ متى فُتِحتْ – وهي باتت مفتوحةً بلا خجل - اندلق حبرُها القاتل في شرايين البلاد وفي ضمائر الناس.

والنتيجة؟ هي هذه النتيجة المأسويّة الكارثيّة الفجائعيّة الجهنّمية، التي نحصد ثمارها وويلاتها المتلاحقة في لبنان – الطبقة السياسيّة.

فلنقارن فقط بين كتب أهل الحكم وكتب الناس الطيّبين، ومعها كتب الأحرار والحالمين والشعراء والأدباء والروائيّين والفنّانين والفلاسفة والمفكّرين والمثقفين والمتمرّدين والثوّار والرافضين هذا الركام الهائل من نفايات العمل السياسيّ الذي يخنق الأنفاس، ويدمّر القلوب، ويزهق الأرواح، ويسكّر الآفاق.

أمّا بعد، فإنّي أدعو هؤلاء الناس الطيّبين ومَن لفّ لفّهم – وعلى طريقة الأبواب الصفّاقة المفتوحة على مصاريعها – إلى تفتيح عقولهم أكثر ممّا هي مفتوحة، ليتحقّقوا من ضرورة "مصادرة" كتب الطبقة السياسيّة اللبنانيّة و"حرقها".

هذه ليست دعوةً إلى العنف. إنّها دعوةٌ إلى قلب طاولة السلطة، من طريق فتح الكتب السياسيّة والوطنيّة والمجتمعيّة صفحةً صفحةً، وعلى مصاريعها، لتُرى فيها الجرائم والحقارات والأكاذيب والترّهات والتخرّصات تحت ضوء الشمس.

صادِروها (ديموقراطيًّا) واحرقوها على الفور!

[email protected]

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم